العنوان في أدب النصيحة وأصول النقد: براءة علم الجرح
الكاتب د. علي الحمادي
تاريخ النشر الثلاثاء 18-يناير-2000
مشاهدات 81
نشر في العدد 1384
نشر في الصفحة 41
الثلاثاء 18-يناير-2000
يلجأ بعض الناس إلى انتقاد الصالحين المخالفين لهم وتجريحهم بحجة أنهم «أي المنتقدين» يمارسون حق الجرح الذي استخدمه أئمتنا الكرام من سلف هذه الأمة في علم الجرح والتعديل، وعلم الجرح والتعديل براء من ذلك.
يقول المستشار سالم البهنساوي: «إن علم الجرح والتعديل لا يجوز أن يحتمي به من استباح التشهير بالمسلمين، فهذا العلم يوجب ذكر علة التجريح التي تجرح الشخص من الرجال العدول، ولا مجال لذلك في هذه الأمور الخلافية.
وعلم الجرح والتعديل يبين شروط الرواية وصفات الشخص المطعون فيه، لينبه الناس من شره ويحذرهم من اتباعه أو من قبول روايته.
وعلم الجرح والتعديل لا يجوز أن يحتمي به من أصبح طرفًا في خلاف مع الغير، فهذا العلم يشترط في الناقد أن يكون محايدًا، وليس صاحب نحلة أو مذهب أو رأي خاص.
وقد زعم الناقد أن علم الجرح والتعديل يوجب تجريح المخطئ، وبهذا يجرح هو وغيره من ظنوا أنهم من المخطئين، وتجاهلوا أن هذا العلم لا يتعلق بالاجتهاد في الرأي، فذلك لا مجال للجرح فيه».
قال الإمام السيوطي «التدريب، ص ۱۲۲»: «فإن كان من جرح مجملًا قد وثقه أحد من أئمة هذا الشأن، لم يقبل الجرح فيه من أحد كائنًا إلا مفسرًا، لأنه قد ثبت له رتبة الثقة، فلا يزحزح عنها إلا بأمر جلي».
قال الشيخ أحمد شاكر «الباعث الحثيث ص 95» معلقًا على كلام السيوطي: «وهو اختيار أبي بكر ونقله عن الجمهور، واختاره إمام الحرمين والغزالي، والرازي، والخطيب وصححه الحافظ أبو الفضل العراقي، والبلقيني في محاسن الإصلاح». ويقول الدكتور محمود الطحان: «وأما الجرح فلا يقبل إلا مفسرًا مبين السبب، لأنه لا يصعب ذكر سببه، ولأن الناس يختلفون في أسباب الجرح، فقد يجرح أحدهم بما ليس بجارح. قال ابن الصلاح «علوم الحديث، ص 96- ٩٧»: وهذا ظاهر مقرر في الفقه وأصوله. وذكر الحافظ في «الكفاية ص ۱۰۸» أنه مذهب الأئمة من حفاظ الحديث ونقاده، مثل البخاري ومسلم وغيرهما.
ولذلك احتج البخاري بجماعة سبق من غيره الجرح لهم، كعكرمة مولى ابن عباس رضي الله عنهما وكإسماعيل بن أبي أويس، وعاصم بن علي، وعمرو بن مرزوق، وغيرهم.
واحتج مسلم بسويد بن سعيد، وجماعة اشتهر الطعن فيهم، وهكذا فعل أبو داود السجستاني، وذلك دال على أنهم ذهبوا إلى أن الجرح لا يثبت إلا إذا فسر سببه»، والسؤال الأساسي في هذا الموضوع هو: هل كل إنسان يستطيع أن يقوم بممارسة الجرح والتعديل أم أن هذا الفن له رجاله وشروطه؟
إنه لو فتح الباب على مصراعيه لقام السفيه وجرح الكريم، ولقام المنافق وطعن المؤمن، ولانبرى الجاهل منتقدًا العلماء والفقهاء.
إن هذا العلم لهو من أخطر العلوم، إذ إن ديننا قد وصل إلينا عن طريق الرجال، ولو ترك الأمر دون قيود لما بقي من ديننا شيء يطمأن له، وهذا ما حدث لبعض الفرق، إذ جرحوا الصحابة العدول، وعدلوا المبتدعة فوقعوا في خطأ جسيم.
وأمر آخر تجدر الإشارة إليه وهو أن القسط مطلوب عند تقويم الرجال فلا يجوز ذكر السيئات فقط، وإنما تضاف الحسنات إلى السيئات، فتوضع كل واحدة منهما في كفة، فإذا رجحت الحسنات تم التجاوز عن السيئات، وإذا رجحت السيئات قدح في الرجل وذم.
يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المائدة: ٨).
وهذا المنهج معلوم عند العلماء، لا سيما علماء الجرح والتعديل، ومن أراد المزيد في ذلك فليرجع إلى تراجم الرجال، كسير أعلام النبلاء للإمام الذهبي وغيره، وسيجد ذلك جليًا واضحًا وضوح الشمس في رائعة النهار.
خلاصة القول إن المسلم ينبغي أن يكون على حذر وهو يجرح المسلمين ويتكلم في أعراضهم، وأن يربأ بنفسه من أن يحتج بما قام به علماؤنا وسلفنا في علم الجرح والتعديل، إذ إن هذا القياس قد يكون في الغالب قياسًا فاسدًا لا يستقيم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل