العنوان فيصل الحسيني الذي رحل
الكاتب محمود الخطيب
تاريخ النشر السبت 09-يونيو-2001
مشاهدات 71
نشر في العدد 1454
نشر في الصفحة 27
السبت 09-يونيو-2001
لعلها مفارقة كبيرة أن تكون الكويت المكان الذي توفي فيه فيصل الحسيني، وأن تكون بغداد الساحة التي ولد فيها وعلى الرغم من اللغط الذي صاحب الإعلان عن وفاة مسؤول ملف القدس في السلطة الفلسطينية، وتحميل الموضوع على بساطته أبعاداً أخرى لا يحتملها الموقف، فإن في تصريح الرئيس الفلسطيني الذي حمل فيه الكيان الصهيوني المسؤولية عن وفاة الحسيني تبديداً لكل العبارات العاطفية والمتشنجة التي تناقلتها وسائل الإعلام على السن بعض المسؤولين الصغار في السلطة الفلسطينية.
والمفارقة تأتي من كون الفقيد أول مسؤول في السلطة الفلسطينية يزور الكويت منذ ١١ عاما عندما قررت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية الانحياز إلى جانب العراق خلال حرب الخليج وهو موقف لم تتسامح الكويت معه رسمياً ولا شعبياً على أن وفاة الحسيني في الكويت كان ينبغي إلا تتخذ هي الأخرى أبعاداً غير تلك التي جاء من أجلها، إذ كانت زيارة غير رسمية لحضور مؤتمر شعبي لمقاومة التطبيع مع العدو الصهيوني.
وإذا كنا نختلف مع فيصل الحسيني في سلوكه السياسي ومواقفه التي يعتبرها كثيرون تفريطية، فإن ما ينبغي التنويه به هو أن الرجل كان دمثاً يحمل في ذاته تركيبة توفيقية ونفساً براغماتياً قربه من كل الذين اختلفوا معه في الرؤية السياسية. وينبغي الإشارة إلى أن فيصل هو الآخر كان ضحية خديعة سياسية كبيرة من جانب قيادة منظمة التحرير الفلسطينية. فعندما كان يتفاوض في واشنطن مع الصهاينة ضمن الوفد العربي المشترك أوائل التسعينيات برفقة حيدر عبد الشافي وحنان عشراوي لم يكن يعلم أن محمود عباس وأحمد قريع كانا يجهزان طبخة نتنة» في أوسلو أسفرت عن الاتفاق سيئ الصيت في سبتمبر ۱۹۹۳م، مما جعله ورفيقيه يتواريان في الظل بعد ذلك.
وإذا كان فيصل الحسيني من المحسوبين على الخط التسووي فإن ما يجب تسجيله للرجل أنه في مواقفه الخاصة بمستقبل القدس وهي مدينته ومدينة عائلة الحسيني المعروفة لم يكن متساهلاً، بل كان أحد أعمدة صمود المقدسيين ضد مخططات الحكومات الصهيونية لتهويد المدينة وإخراج أهلها منها. وبيت الشرق الذي كان الفقيد يتخذ منه مقراً لأنشطته مازال أحد المعالم المهمة في الصمود والمقاومة، وهو الذي ما زالت سلطات الاحتلال تسعى جاهدة لإغلاقه بعد أن تحول إلى مقر حكومة فلسطينية تعتبر القدس عاصمة لها. بل إن الحسيني كان من القلة داخل السلطة الفلسطينية الذين يطالبون بحق الفلسطينيين الكامل ليس في القدس الشرقية وحدها، بل وفي القدس الغربية التي أقيمت على أراض تابعة للمقدسيين الفلسطينيين.
ولد الفقيد في بغداد عام ١٩٤٠م وهو ينتمي العائلة الحسيني المقدسية التي تنتسب إلى الحسين بن علي رضي الله عنه، وهو ابن الشهيد عبد القادر الحسيني أحد أبرز قادة الثورة الفلسطينية في الثلاثينيات وقائد معركة القسطل الشهيرة التي استشهد فيها دفاعاً عن القدس عام ١٩٤٨م، وقد نفته سلطات الانتداب البريطاني إلى بغداد حيث ولد فيصل. كما أن عمه هو الحاج أمين الحسيني مفتي فلسطين وزعيمها الأبرز في الثلاثينيات والأربعينيات قبل أن يعيش مطارداً ويموت منفياً في بيروت عام ١٩٧٥م. في شبابه انتمى فيصل الحسيني لحركة القوميين العرب قبل أن يصبح عضواً مؤسساً في حركة فتح وفي منظمة التحرير الفلسطينية، وفي عام ١٩٩١م تم اختياره رئيساً للوفد الفلسطيني إلى مفاوضات ما يسمى بالسلام في مدريد، إلا أن رئيس وزراء العدو آنذاك إسحاق شامير أصر على رفض مشاركته في الوفد بدعوى أنه من سكان القدس الشرقية التي يعتبرها الصهاينة عاصمة موحدة لهم، واضطر الحسيني لشراء منزل في الضفة الغربية وهو ما سمح له بالمشاركة في الوفد الفلسطيني في عهد حكومة رابين. وعلى خلاف ما هو معروف عن المواقف الوطنية لعائلة الحسيني، كان فيصل يعتقد أن عملية التسوية هي أفضل خيار متاح أمام السلطة الفلسطينية، وأن هذه السلطة ليست على استعداد للعودة إلى خيار المقاومة أو الخيار العسكري لكنه مع ذلك يرى أن الانتفاضة الحالية خيار مهم يجب أن يستمر للضغط على تل أبيب لتليين مواقفها تجاه التسوية مع الفلسطينيين.
وكان الحسيني شخصية تجميعية تسعى لرص الصفوف الفلسطينية على اختلاف رؤاها السياسية وإلى توحيد الفصائل الفلسطينية جميعها على أرضية الانتفاضة الحالية وفي هذا يقول: هذا هو أهم ما تعلمته الانتفاضة الحالية من انتفاضة عام ۱۹۸۷م، التي بدأت ثورة جماهيرية لشعب يواجه جيش الاحتلال، ثم تحولت إلى جيش شعبي يواجه جيش الاحتلال، وظهر نتيجة عدم التنسيق بين فصائل المقاومة الفلسطينية آنذاك نوع من الفوضى، حتى وصلنا في انتفاضة عام ١٩٨٧م إلى حد أن يقاتل بعضنا بعضاً وهو ما تسبب في مشكلات اجتماعية وعائلية.
وكما قال الدكتور محمود الزهار - أحد قادة حماس في قطاع غزة - كان فيصل الحسيني قائداً توفيقياً يعمل على الملمة الصف الفلسطيني، وأنه كان أحد اثنين من حركة فتح شاركا في حل الخلاف الذي نشب بين أعضاء فتح وحماس خلال الانتفاضة الأولى عام ۱۹۹۲ م، وهي الفتنة التي تمكنت حماس وفتح من وأدها في مهدها. يختلف الكثيرون مع الفقيد في مواقفه السياسية، ولكن المقام مقام ذكر المحاسن الموتى فرحم الله فيصل الحسيني وغفر له..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل