العنوان فوز كلينتون والتأُثيرات المتوقعة على العملية التفاوضية
الكاتب عاطف الجولاني
تاريخ النشر الثلاثاء 01-ديسمبر-1992
مشاهدات 68
نشر في العدد 1027
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 01-ديسمبر-1992
مع فوز المرشح الديمقراطي بيل
كلينتون بانتخابات الرئاسة الأمريكية وسقوط الرئيس الجمهوري بوش طرحت العديد من
التساؤلات حول مستقبل منطقة الشرق الأوسط وعملية التسوية السياسية الدائرة منذ
أكثر من عام، والسؤال المهم المطروح الآن: ما تأثير نتيجة الانتخابات الأمريكية
على مجرى العملية التفاوضية وهل ستسهم تلك النتيجة في تسريع تلك العملية وإعطائها
دفعة إلى الأمام أم ستؤدي إلى تراجعها وتباطئها وربما توقفها في فترة لاحقة؟
ومع تأكيد موقفنا الثابت في رفض
جميع الحلول التفاوضية المطروحة أو التنازل عن أي جزء من الأرض العربية والإسلامية
وإيماننا بأن الجهاد هو السبيل الوحيد والأمثل للحصول على حقوقنا، ومع إقرارنا بأن
الاعتماد الكامل على التغييرات الخارجية سببه فقدان القدرة على التأثير في مجريات
الأحداث، فإن ذلك يجب ألا يعني بأي حال إغفال دراسة تلك التطورات والوقوف على
تأثيراتها المتوقعة على مستقبلنا وقضايانا.
التغيير في واشنطن لا يغيّر جوهر الانحياز لإسرائيل
وفي الوقت الذي يرى فيه بعض المحللين أن السياسات الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط لن تختلف كثيرا في عهد الرئيس كلينتون، فإن البعض الآخر يرى في التغيير الذي حصل في سدة الرئاسة الأمريكية انعطافًا ينبئ بتغييرات كثيرة قارنها البعض بالتغييرات الجذرية الهائلة التي شهدها الاتحاد السوفياتي السابق.
ومن خلال رصد المبررات التي يستند
إليها أصحاب كل رأي في إثبات وتأكيد وجهة نظرهم نستعرض الاحتمالين المتوقعين
لنتيجة الانتخابات الأمريكية على مستقبل العملية السياسية في المنطقة.
الاحتمال الأول:
لن تتأثر العملية التفاوضية كثيرًا
بنتيجة الانتخابات الأمريكية ولن تشهد تراجعًا في عهد كلينتون وأي تغيير سيحصل في
السياسة الأمريكية تجاه التسوية سيكون تغييرا في الشكل والأسلوب لا في المضمون
ويستند هذا الاحتمال إلى المبررات التالية:
1- اكتسبت العملية التفاوضية خلال العام السابق قوة دفع ذاتية تستطيع
أن تتحرك وتستمر بموجبها، خاصة وأن الأطراف المشاركة وصلت إلى مرحلة
متقدمة من التفاوض على أمور جوهرية، الأمر الذي يجعل من توقع
تراجع المفاوضات أو توقفها أمرا مستبعدًا.
2- صنع القرار في الولايات المتحدة قائم على المؤسسات
والسياسة الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط هي سياسة الولايات المتحدة كدولة
وليست سياسة إدارة معينة أو حزب معين، وبالتالي فهي لا تتغير بتغير الأفراد أو
الإدارات، وما يؤكد ذلك أن خطابات الدعوة التي وجهت إلى الأطراف المعنية كانت
موجهة باسم الولايات المتحدة وليس باسم بوش أو إدارته.
3- الذي يملي السياسات الأمريكية في المنطقة هو المصالح
العليا للدولة والتي تتمثل في:
أ-
الحفاظ على أمن «إسرائيل» وتفوقها النوعي في المنطقة.
ب-
ضمان استمرار تدفق النفط بأسعار مقبولة ومناسبة.
ج-
الحيلولة دون هيمنة القوى المنافسة وسيطرتها على المنطقة.
والمصالح السابقة تتطلب تحقيق
الاستقرار في المنطقة ودفع المسيرة السياسية إلى الأمام للحيلولة دون وقوع أي صراع
مستقبلي قد يهدد مصالح الولايات المتحدة، ويشار في هذا المجال إلى التصريح الذي
أدلى به کلینتون بعد فوزه حيث قال: «حتى عندما تتغير الإدارة الأمريكية فإن مصالح
أمريكا الأساسية لا تتغير».
4- أعلن الرئيس كلينتون أنه قد يعمد إلى تعيين کارتر
كمبعوث أمريكي في الشرق الأوسط لمتابعة العملية السياسية، وهو ما قد يسهم في دعم
العملية التفاوضية خاصة وأن كلينتون قد صرح في وقت سابق أن الإدارة الأمريكية
القادمة قد تسير على خطى الرئيس الديمقراطي السابق كارتر الذي كان وراء التوصل إلى
معاهدة كامب ديفيد.
وقد أظهرت ردود الفعل العربية حتى
الآن ترحيبها بفكرة إرسال كارتر إلى المنطقة على اعتبار أنه ملم بملف قضية الشرق
الأوسط وأن اتفاقية السلام الوحيدة التي وقعت بين «إسرائيل» وبين طرف عربي قد
تمت في عهده، إضافة إلى بعض تصريحاته الإيجابية نحو العرب بعد تركه لمنصب الرئاسة
الأمريكية.
5- الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها الولايات المتحدة
يمكن أن تسهم- وعلى عكس ما هو متوقع- في إعطاء دفعة للعملية التفاوضية وإنجاز
التسوية من منطلق أن الرئيس الجديد قد يرغب بإنهاء المسائل الخارجية بسرعة من أجل
التفرغ لترتيب الأوضاع الاقتصادية والداخلية للبلاد.
6- أما بالنسبة لتصريحات كلينتون التي أظهر فيها انحيازه
الشديد نحو إسرائيل فهي مجرد وعود انتخابية لا يعول عليها وإن كلينتون المرشح
والطامح بالوصول إلى الرئاسة سيختلف دون شك عن كلينتون الرئيس المنتخب والذي يعلم
مدى حاجة الولايات المتحدة للحفاظ على مصالحها في المنطقة.
الاحتمال الثاني:
ستتأثر العملية التفاوضية بشكل
كبير بنتائج الانتخابات الأمريكية وستشهد جمودًا وربما تراجعًا في الفترة القادمة
والتغيير في سياسات الإدارة الأميركية الجديدة نحو المنطقة سيكون في الجوهر
والمضمون ولن يقتصر على الشكل والأسلوب أما المبررات التي يستند إليها هذا الاحتمال
فهي:
1- ستنشغل الإدارة الأمريكية حتى شهر كانون الثاني القادم بعملية نقل
السلطة من الجمهوريين إلى
الديمقراطيين وقد يؤدي ذلك بالتالي إلى تجميد الاهتمامات الخارجية
للإدارة الأمريكية حتى ذلك الوقت.
2- ستحتاج الإدارة الأمريكية إلى فترة من الوقت حتى
تستطيع الإلمام بتفصيلات ومكونات العملية التفاوضية، كما أن الرئيس الأمريكي
الجديد سيحتاج في الشهور الأولى إلى تركيز إداراته وترتيب اهتماماته وفق أولويتها،
والتي سيشكل الوضع الاقتصادي بلا شك الأولوية الأولى فيها، وقد يؤدي ذلك إلى جمود
العملية التفاوضية، وربما لجأ كلينتون- وكما هو متوقع- إلى تأجيل حسم العملية
التفاوضية وغيرها من الاهتمامات الخارجية إلى ما بعد ترتيب الأوضاع الاقتصادية،
وقد ذكر أحد المسؤولين العرب أن قضية الشرق الأوسط تحتل الأولوية الرابعة في
اهتمامات الرئيس كلينتون.
3- مع الاتفاق على أن لدى الولايات المتحدة مصالح في
المنطقة من حيث استمرار تدفق النفط والحفاظ على أمن «إسرائيل» وتفوقها
والحيلولة دون سيطرة القوة المنافسة على المنطقة فلابد من الإشارة إلى أن ترتيب
أولوية تلك المصالح يختلف من رئيس أميركي إلى آخر ومن إدارة إلى أخرى، ففي الوقت
الذي قد تعطي فيه إدارة أميركية الأولوية لمصالحها الاقتصادية أو السياسية في
المنطقة فإن إدارة أخرى قد تعطي تلك الأولوية للحفاظ على أمن «إسرائيل» وتفوقها.
4- مع أن المؤسسات هي التي تصنع القرار في الولايات
المتحدة فإن تغيير ما يزيد على 3000
شخص في المواقع السياسية الأولى في الإدارة الأمريكية لابد أن يؤدي إلى نوع من
التغيير وأن يكون له تأثير على سياسات وتوجهات الإدارة الجديدة.
5- كان للجهد الشخصي لوزير الخارجية الأمريكي السابق جيمس بيكر، دور كبير في إقناع الأطراف المعنية بالجلوس إلى طاولة المفاوضات بعد عدة
جولات مكوكية مرهقة إلى المنطقة وغياب بيكر عن متابعة العملية التفاوضية والإشراف
عليها قد يؤدي إلى تراجع تلك العملية وتباطئها.
6- أظهر الرئيس الأمريكي الجديد حتى الآن انحيازًا أشد
نحو إسرائيل وتبدو الإدارة الأمريكية الجديدة أكثر قربًا والتصاقًا باللوبي
الصهيوني من سابقتها ولم يقتصر انتقاد كلينتون للضغوط العلنية التي مارسها بوش
على «إسرائيل» وتشديده على الالتزام بأمن «إسرائيل» وتفوقها على فترة
الحملة الانتخابية فقد أكد ذلك مرارا بعد فوزه في انتخابات الرئاسة.
7- ردود الفعل الإسرائيلية التي رحبت بفوز كلينتون بشكل
لافت للنظر، والاعتقاد بأن يهود الولايات المتحدة قد صوتوا في غالبيتهم لصالحه،
يثير الشكوك حول توجهات كلينتون وسياساته القادمة، فقد أكد رئيس الوزراء
الإسرائيلي إسحق رابين أن العلاقات الخاصة بين الولايات المتحدة و«إسرائيل» ستكون
أقوى مما كانت عليه في يوم من الأيام، كما رحب رئيس الوزراء السابق إسحق شامير
بشدة بانتخاب كلينتون وهزيمة بوش قائلًا: «الحمد لله على عدم انتخابه.. من حسن حظ
إسرائيل أنه هزم، ففي عهده كانت هناك مشاكل وسوء فهم بين إسرائيل والولايات
المتحدة».
الموقف الأمريكي من القضايا العربية والفلسطينية
ولا شك أن العرض السريع للاحتمالين
المطروحين يظهر مدى دقة وصعوبة الجزم بالصحة المطلقة لأي من الاحتمالين فكلاهما
يستندان إلى نفس المعطيات تقريبا ولكنهما يختلفان في تفسيرها وتحليلها، وبالتالي
الخروج بنتائج من خلالها وعلى الرغم من دقة وغموض القضية مدار البحث فإننا نلخص
وجهة نظرنا حيالها كالتالي:
أولًا: لقد أظهرت نتيجة الانتخابات
الأمريكية بشكل كبير أن الشعب الأمريكي لم يعد يولي السياسة الخارجية اهتمامه
الأول كما كان الحال في السابق خلال فترة الحرب الباردة والصراع بين القطبين، وقد
أشارت الاستطلاعات التي أجريت قبيل الانتخابات الأمريكية إلى أن حوالي 80% من
الأمريكيين يعطون الأولوية للمسائل الاقتصادية، وبما أن الرئيس الأمريكي الجديد
يسعى كجميع الرؤساء السابقين إلى الفوز بفترة رئاسية ثانية بعد أربع سنوات فإنه
سيولي جل اهتمامه للقضية الاقتصادية التي يدرك جيدًا أنها كانت السبب في سقوط سلفه
بوش.
على أن هذا لا يعني بالتأكيد أن
الإدارة الأمريكية الجديدة لن تكون لها سياسة خارجية ناشطة، وإنما قد لا تمارس
بنفس القوة السابقة، وخصوصا في ضوء الأوضاع الدولية الجديدة التي تنبئ بظهور
تكتلات قوية تعتمد أساسا على القوة الاقتصادية كما هو الحال في تكتل أوروبا
الموحدة المطروح، والتقارب الياباني الصيني، ولا شك أن الولايات المتحدة لن تستطيع
بآلة عسكرية ضخمة ووضع اقتصادي منهار أن تواجه تلك التحديات الضخمة، وقد صرح
كلينتون في إشارة إلى ذلك أنه إذا لم نكن أقوياء في الداخل فلا يمكن أن نكون
أقوياء في الخارج، أهم القضايا التي نواجهها هي الأزمة الاقتصادية، ولا ريب أن
انهيار الاتحاد السوفياتي لأسباب اقتصادية رغم ضخامة آلته العسكرية مازال ماثلا
أمام الإدارة الأمريكية الجديدة،
* كان جديرًا بالوفود العربية المفاوضة أن تصارح شعوبها بالحقائق كاملة
مستقبل عملية السلام بعد فوز كلينتون
ثانيًا: مع أن بوش قدم الكثير لإسرائيل «كمنح ضمانات القروض وإلغاء قرار مساواة الصهيونية بالعنصرية وتشجيع الهجرة اليهودية المكثفة من الاتحاد السوفياتي السابق وأثيوبيا» إلا أن ذلك ليس مبررًا للقول بأن سياسات كلينتون حيال «إسرائيل» والمنطقة لن تختلف كثيرا عن سابقتها وأنه لن يكون أكثر إنجازًا لإسرائيل على اعتبار أن بوش قدم كل ما يمكنه لها، فقد أكد كلينتون بعد فوزه دعمه المطلق لإسرائيل وحدد سياسته تجاه العملية التفاوضية و«إسرائيل» ضمن النقاط التالية:
1- ضرورة التزام الولايات المتحدة الكامل
بالمحافظة على أمن «إسرائيل» وتفوقها النوعي على أعدائها المحتملين في
المنطقة لأنها تشكل الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة، ولأنها تشترك معها في
أنها دولة ديمقراطية قوية ورمز للحرية وواحة للتحرر.
2- يعتبر كلينتون أن المقاطعة العربية الاقتصادية
المفروضة على إسرائيل غير مشروعة وأنها حرب اقتصادية وساوى بينها وبين الاستيطان
الإسرائيلي وعدم اعتراف الدول العربية بإسرائيل والبناء العسكري العربي وأكد
تصميمه على القيام بكل ما يمكن القيام به من أجل إنهائها.
3- يرى كلينتون أن «إسرائيل» قامت بالعديد من
إجراءات بناء الثقة كالاعتراف بقرارات الأمم المتحدة وتقليص النشاط الاستيطاني
وطالب العرب باتخاذ خطوات مقابلة تجاه «إسرائيل» كوقف المقاطعة
الاقتصادية.
4- يعارض كلينتون فكرة إقامة دولة فلسطينية مستقلة، ويرى
أنه ينبغي أن يكون للفلسطينيين حق تقرير مستقبلهم في إطار الخطوط العامة التي
حددتها اتفاقات كامب ديفيد دون أن يكون لهم حق تقرير مستقبل إسرائيل.
5- يعارض كلينتون مشاركة منظمة التحرير الفلسطينية في
عملية إحلال السلام في الشرق الأوسط، ويرى أن الإطار الذي تم الاتفاق عليه في كامب
ديفيد هو إطار جيد للمفاوضات.
6- يعترف كلينتون بالقدس عاصمة لإسرائيل ويرى
أنها يجب أن تظل مدينة موحدة وأن
نقل السفارة الأمريكية إليها هي قضية توقيت لا
غير.
ثالثًا: مع تأكيد رفضنا للعملية التفاوضية
برمتها من ناحية مبدئية، فإننا نعتقد أنه في ظل اختلال موازين القوى وفقدان القدرة
على صنع الأحداث فإن التسريع في العملية التفاوضية لن يعود بفوائد كبيرة على
الأطراف المراهنة على المفاوضات وينبغي ألا يدعوها إلى التفاؤل، لأنه سيكون على
حساب ما تبقى من الحقوق والمصالح العربية والإسلامية.
وقد كان جديرًا بالوفود العربية
المفاوضة بعد عجزها عن تحقيق أي تقدم يذكر في المفاوضات أن تصارح شعوبها بالحقائق
كاملة، وأن تعلن انسحابها من المفاوضات ولكن جميع المعطيات تؤكد أن تلك الوفود لا
تملك حتى حق الانسحاب.