; فمن العار أن تموت جبانا قلت | مجلة المجتمع

العنوان فمن العار أن تموت جبانا قلت

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 19-ديسمبر-1972

مشاهدات 1

نشر في العدد 130

نشر في الصفحة 15

الثلاثاء 19-ديسمبر-1972

فمن العار أن تموت جبانا قلت : جوابك من ثلاثة وجوه : الوجه الأول : انه ليس من مقتض حتمية الشيء تمنيه او الاسراع اليه ، أو حتى الرضا به .

 فحتمية الموت لم تجعل من قتل النفس عملا جائزا …

 وحتمية الخطيئة على ابن آدم لم تجعل من تعمدها عملا مشروعا ..

وحتمية القتال في سبيل الله لم تجعل من تمنيه عملا مطلوبا ، بل صح عنه صلى الله عليه وسلم قوله «لا تتمنوا لقاء العدو ، وسلوا الله العافية ، فإذا لقيتموه فاصبروا ، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف » وكذلك حتمية وقوع البلاء لم تمنع رسول الله صلى الله عليه وسلم من دوام سؤال العافية ، والأمر بســـؤال العافية ، والتألم عند فوات العافية.

وكلنا قد قرأ  أو سمع دعاءه المشهور صلى الله عليه وسلم وضراعته إلى مولاه«رب إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ، لك العتبى حتى ترضى ، ولكن عافيتك هي أوسع لي واحب الي »

فان قلت : فما أثر سؤال العافية مع تحقق وقوع البلاء ؟

 أقول : قد صح عنه صلى الله عليه وسلم قوله « لا يرد القضاء إلا الدعاء » وقوله   « إن الدعاء والبلاء ليلتقيان فيعتلجان » وقوله « الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل » يعني أن الدعاء اذا لم يؤثر في البلاء بالدفع فإنه يؤثر فيه بالتخفيف فينزل مخففا بإذن الله وكله بقدر الله ، ويقول الإمام الدهلوى في كتابه حجة الله البالغة أن هذا هو المراد بقوله تعالى : ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَاب(الرعد: ٣٩ )وليس المعنى أن الله يغير ما كتب لدعاء العبد بل المقصود أن الله كتب ابتداء رفع البلاء النازل بدعاء عبده الصاعد من باب ترتيب المسببات على الأسباب وكله بقدر الله ، ولا يحكم بشيء على الله سبحانه وتعالى .

الوجه الثاني :

إننا عبيد مأمورون ، وليس لنا من الأمر شيء « وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم » وإبراهيم عليه الصلاة والسلام حين أمر بذبح ابنه سلم ولم يجادل اشارة الى ان الامر ان صح انه حكم الله فلا خيار لاحد فيه ولا مراد ، هذا إذا تحقق الإيمان ، وصدقت العبودية ، والا فليراجع كل منا ما عنده ، وليستغفر الله ربه .

ونحن لجهلنا لا نطيق صبرا على ما خفيت عنا حقيقته ودقت حكمته ﴿ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا(الكهف : ٦٨)

وتلك حقيقة .. ولكن ..  ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ  (الأعراف: ٢٠١)

وبين قوله سبحانه :  ﴿ انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ  ( التوبة :  ٤١)

وكذلك لا يجد تعارضا بين قوله صلى الله عليه وسلم «لا تتمنوا لقاء العدو ، وسلوا الله العافية .. » وبين قوله الصادق : «من لم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو ، مات على شعبة من النفاق » و نعوذ بالله.

.. ولقد كان سيف الله المسلول خالد بن الوليد رضي الله عنه حزينا إذ مات على فراشه ، ولا يشك مسلم في صدق رغبته في نيل منزلة الشهداء عند الله. ولكن هذه الرغبة عند خالد ما كانت لتجعله يفرط في الدفاع عن نفسه ، ولا دفعته ليلقى بنفسه في موطن يتيقن فيه الموت في سبيل الله ، فحياته رضی الله عنه ليحقق الله به ما يشاء من قدره لإعلاء كلمته خير من استشهاده في أول معركة خاضها بعد اسلامه..

 والذي يعلم ذلك ، فيقضى بما يشاء ، كما يشاء هو الذي يشاء ولا نشاء الا ان يشاء  ﴿ وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا  ( الانسان : ٣١) فالتزم بالحق ولا تبال ، ودع مولاك يصنع لك ما يشاء ، فلست ملكاً لنفسك « الرسول أولى بالمؤمنين من أنفسهم » فما بالك بربك ..؟ ولا تقل هذا الطريق الزم ، وإن كان غیره أسلم ، والله إنما شرع الرخص رحمة بالعباد ، وأمر بالكف رأفة بالسواد، ولكني من أصحاب العزائم ، ولا يليــق بمثلي إلا سلوك سبيلهم ، و اقتحام صعابهم ، فذلك من تلبیس إبليس ، فلست وحدك في الميدان ، « ومن أم فليخفف » هكذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهكذا كان يفعل، ولربما قام الى الصلاة يريد ان يطول فيها فأسمع بكاء طفل فأتجوز كراهية أن يشق على أمه ، وإذا انفرد فربما صلى بالبقرة وآل عمران والنساء ، فصلى الله على من أرسل رحمة للعالمين ، فافهم ما أشرت إليهم ولا تكن من محبي اللجاج .

الوجه الثالث :

ليس البلاء صورة واحدة تتكرر ، ولا هو وجها واحدا لا يتغير ، ولكنه صور متعددة ووجوه متجددة ، فما يبتلى به إنسان قد لا يبتلى به اخر ، وما يحتمله واحد قد لا يحتمله اثنان ، والله أعلم بعباده وما يصلح لهم وما يصلحهم ، وهو أرحم بهم من أمهاتهم لهم ، فلو سعينا إلى البلاء بأنفسنا ، وتعجلنا الشدائد لاخوتنا ، لتتطهر القلوب ، وتكفـــــــر الذنوب ، وقلنا : « إذا أراد الله بعبد خيرا عجل له عقوبة ذنبه في الدنيا » هكذا قــــــال الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم ، نحن لو فعلنا ذلك ، نكون كمن يريد أن يتحكم في سير القدر الإلهي ، ويتدخل تقسيم العدل الرباني ، وفاته أن علم الله ليس له غاية تدرك ولا نهاية تلحق

 ﴿ قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ( الكهف : ١٠٩ )ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم « يا عبد الرحمن ابن سمرة ، لا تسأل الإمارة ، فإنك إن اعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها ، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها » متفق عليه.

والامارة نوع ابتلاء ولعلها أعظم من فتنة الضراء ، لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر « يا أبا ذر إني أراك ضعيفا ، وإني أحب لك ما أحب لنفسي ، لا تأمرن على اثنين ، ولا تولين مال يتيم » رواه مسلم.

 وهذا في حق أبي ذر الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم « ما أظلت السماء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر » فما بالك بمن دونه ؟  الا ان هذا النوع من الابتلاء لم يكن ليناسب أبا ذر رضی الله عنه ، فصرفه عنه ، لعلمه به بوحى الله ، رحمة به  ورأفة .

ويقول أحد كرام الصحابة رضوان الله عليهم « اللهم ان القلة لا تصلحنى ولا تصلح لي »  فرزقه الله رزقا حسنا كان ينفق منه سرا وجهرا ..

وهكذا إذا سألت ربك العافية ، واستعدت به من البلاء ، وأدمت ذلك وواظبت عليه ، ثم تأملت في شأنك ، وجدت مولاك قد تولى أمرك ، ولا يبتليك الا بالقدر الذي تطيق ، وفي الزمن الذي يليق ، ثم تجده سبحانه قـد عافاك قبل أن يبتليك ، ثم  اعانك على ما أصابك ، ثم آتاك عوضا خيرا مما أصابك وأنت في أثناء ذلك تسأل الله رفع البلاء ، وازالة الضراء ، وارض بالقضاء ، ولا ترض بالبلاء ، فليس من لوازم الرضا بالقدر الرضا بالمقدور ، فمن المقدور كفر من كفر ، والله لا يرضى لعباده الكفر ، فكيف ترضى بما لم يرضى عنه رب العالمين.

ومن جرب المحن والبلاء ، وعانق الشدائد والعناد ، عرف صدق ما قلت ، وحقيقة ما بينت ، ونسأل الله العافية ، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

 والحمد لله رب العالمين .

 

 

الرابط المختصر :