العنوان فليغيره بقلبه
الكاتب د. سعد المرصفي
تاريخ النشر السبت 29-أكتوبر-2011
مشاهدات 111
نشر في العدد 1975
نشر في الصفحة 58
السبت 29-أكتوبر-2011
نظرات إسلامية
في ظل التحولات التي تشهدها المنطقة، والسعي نحو إقامة مجتمعات على أساس من التواصي بالحق والعدل تغيير نحو الأفضل، لابد أن نمعن النظر في الآية الكريمة
﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُون كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُون ﴾ (المائدة: 78-79)، وسيتبين لنا أن أقواما كثيرين في وقتنا الحاضر ساروا علي نهج بني إسرائيل فكانت عاقبة أمرهم خسرانا مبينا وخرابا للديار والأوطان.
ولهذا إذا كنا نريد حقاً أن نبني مجتمعاً صالحاً قوياً، لا فساد فيه ولا إفساد، يجب أن نتأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم، قال تعالي، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21) ﴾ (الأحزاب: 21).
هذه الدعوة يجب أن نبثها في كل الأوساط التي تخالطها والدوائر المحيطة بنا، لكي يحملوا راية التناصح والمصارحة بالحق فيما بينهم وأحد صور التغيير مقاطعة أهل الإثم والعدوان وعزلهم والكشف عن أمرهم حتى يعرف المجتمع حقيقتهم الزائفة.
الدين الإسلامي ينشد التغيير، بطريقة إيجابية في رحاب قول النبي صلى الله عليه وسلم: « من رأى منكم منكراً فلیغیره بیده» وهذه الرتبة تمثل أشرف المراتب وأعلاها شريطة ألا تؤدي إلى منكر أكبر ثم تأتي مرتبة الإرشاد القولي فإن لم يستطع فبلسانه .. وعمدة ذلك الحكمة والموعظة الحسنة، ثم تأتي مرتبة الإنكار السكوتي فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان.
وهنا لابد من وقفة لتصحيح الخطأ المشهور في فهم هذه المرتبة، فالفهم الشائع مبني على تحريف مزدوج.. تحريف المعاني اللغة العربية.. وتحريف المقاصد الشريعة الإسلامية.
ذلك أن الشرع الحكيم لم يقل لنا: «فلينكره بقلبه» بل قال: «فليغيره بقلبه» فهل الذي يسكت عن المنكر، ولا يعترض عليه بقول ولا فعل، ولا يبدو عليه أي مظهر من مظاهر الإنكار.. هل هذا يغير المنكر؟ أم هو يقره ويؤيده ؟!
لقد كانت هذه الحجة نوعاً من الاستدلال الاستنباطي، لكن القرآن الكريم ساق لنا الدليل الصريح، على أن كراهية المنكر بالقلب دون أقل مظهر إيجابي أو سلبي، ليس مقبولا عند الله، بل يعد مشاركة في المنكر والإثم قال تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيث غَيْره وَإِمَّا يُنسِيَنَكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مع القوم الظالمين﴾ (الأنعام: 68).
يقول القرطبي: في هذه الآية ردّ من كتاب الله عز وجل على من زعم أن الأئمة الذين هم حجج وأتباعهم لهم أن يخالطوا الفاسقين ويصوبوا آراءهم تقية، وذكر الطبري عن أبي جعفر محمد بن علي رضي الله عنه أنه قال: لا تجالسوا أهل الخصومات فإنهم الذين يخوضون في آيات الله وقال ابن العربي، وهذا دليل على أن مجالسة أهل الكبائر لا تحل.
ولننظر إلى الوعيد الذي لا تبقى بعده بقية من تردد، ﴿إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ (النساء: 140)، لقد جعل الساكت عن الكفر هو والكافر سواء وجعل الساكت عن الاستهزاء هو والمستهزئ سواء، وانظروا كيف جعل أقل ما يخرج به المرء من المشاركة في هذه الآثام هو أن يعرض عن صاحبها، ويهجر مجلسه، كذلك يكون الساكت عن الظلم ظالماً، والساكت على الغيبة مغتاباً، والساكت على قول الزور مزوراً، والساكت على السرقة لصاً ثانيا، والساكت على أي جريمة شريكا فيها....وهكذا.
ولا مخرج لنا من الإثم في السكوت عنها إلا بعمل ما وأقله هذا العمل السلبي، وهو المهاجرة لأصحابها، هذا هو أضعف الإيمان.
أما الذي يكتفي بإغماض عينيه، ويستمر في معاملته المعتادة للآثم على ما كان عليه، فلا شك أن هذا هو النفاق بعينه، ولذلك صرح في الحديث بأنه ليس وراء هذه المرتبة مثقال حبة خردل من الإيمان، فيما يرويه مسلم وغيره عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي، إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل ..
إن التواصي بالحق سلاح ممكن، ومن عجز عن التسلح به فهو عن استعمال غيره أعجز.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل