العنوان فلسَفة الصّومْ في إطار الفكر الإسلامي
الكاتب عثمان عبد القادر صافي
تاريخ النشر الثلاثاء 01-أكتوبر-1974
مشاهدات 71
نشر في العدد 220
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 01-أكتوبر-1974
لقد لفت نظري في العدد الأخير أنكم نشرتم فيه المقال، الذي سبق أن أرسلته إليكم، بصدد الفتنة التي كانت تستهدف جريدة النهار افتعالها وإثارتها، فأسأل الله عز وجل أن يجزيكم خير الجزاء، حيث أدت «المجتمع» الغراء واجبًا كفائيًا، لم أعلم أن واحدة من الصحف الإسلامية أشارت إليـــه.
يطل علينا شهر رمضان هذا العام في ظروف يجتاز خلالها العالم بأسره -بما فيه العربي والإسلامي- أزمات تهدد هدوءه النسبي الذي ينعم به. فالأوضاع -عامــة- مشوبة بالاضطراب، والنار تضطرم تحت الرماد، ولا تزال المجابهات التي يذر قرنها هنا وهناك، تثير ريبًا وهواجس، قد تكون نذيرًا بتفجر خضات أشد انفعالية، من كافة ما ألفناه في هذا العصر مـــن تطورات.
في خضم هذا الواقع -المقلق- الـــذي انشغلت البشرية فيه بمشکلات استقرارها، بل صميم وجودها، يبدو المتحدث عن الصـوم وكأنه غريب عن الحياة، بل ربما تشكك من خفتت في نفوسهم شعلة الإيمان، في الصوم ذاته، إن كان في التحدث عنه -أي عن الصيام- من معنى، في أوقات عصيبة، تبدو فيها معضلات العصر وكأنها تكاد تطوق الإنسان، وتنذر بعواقب ربما تعجز القدرات البشرية عــــن تحملها.
وتبرز الظاهرة هذه -کأشد ما تبرز- في عزوف البعض ممن عبثت في بنى شخصياتهم الأيدي الغربية وغير الأمينة- عن أداء هذه الفريضة، بل يواجه المجتمع الإسلامي في العديد من أصقاعه، موجة من المجاهرة بالإفطار، وهي في ازدياد عامًا بعد عام.
ليس من أهداف هذا البحث، استقراء العوامل التي تكمن خلف هذه الظاهرة، والتي يتعذر حصرها، غير إن نظرة تعتبر فريضة الصيام هامشية -عمليًا- وغير ذات قدر كبير من الأهمية، أقل ما يقال بشأنها إنها رؤيــة تعكس التشوه الذي ألم بالتصور الإسلامي، لدرجة أضحت تمس الذوقيات الإيمانية، وتزعزع القناعات العقدية.
إن ظاهرة كهذه، أقل ما يقال بشأنها إنها تستحق الاهتمام البالغ، وإنها لحقيقة واقعة، تواجه فئات إسلامية شوهت مفاهيمها، واهتزت ثقتها بإسلامها، حتى لتكاد تكون لها منطقها الخاص، وتعبر عن جنوحها بمختلف الأساليب والوسائل.
الفئات هذه، يعتبر ظهورها ونموها، من أهم الأمور الجديرة أن تحظى بقسطها من المعالجة، وذلك عن طريق التأمل في أحوالها وعوامل تكونها، ولجهة كون وجودها يعبر عن تهديدات جد خطرة، تواجهها الأمة في حاضرها ومستقبلها.
ولعل من أهم ما يرقى بهذه القضية، حتى يبوئها أعلى المستويات، ويؤهلها للتحليل والتحقيق، أن الجرأة على الإفطار هي في تزايد، على الرغم من أن الصيام فريضة محكمة أوجبها الله على العباد، وليس نافلة مــن التكليف، بل هو ركن من أركان الإسلام، صف بين أمهات ما طلب الله من عباده أداءه، حتى مثل واحدًا من الأسس التي يرتكز عليها نظام الإسلام برمته، إن معنى ذلك، أن للشرعـــة هذه من الأهمية والخطورة، ما يجعلها تدخل ضمن إطار الدعائم الكبرى للمحافظة على الكيان والوجود الإنساني، ويبلغ بتطبيقها أن يمثل إحدى الشرائط التي يتعذر -دون توفرهــــا- تواجد نظام للحياة يصح أن ينعت بأنه سليم، أو بنية يصدق عليها أنها تتمتع بالخصائص الإنسانية!
وعلى الرغم من تلك الإرهاصات والنذر، فإن جهود المتحدثين عن الصوم وأهميته، لم تبدل من منهجها التقليدي، فهي تكاد تقتصر علــى تعداد ما يوفره الصوم للفرد من شحذ للعزيمة على الصبر، وإثارة لشعور ببؤس الجياع، وتنقية الجسد من فائض الأغذية ورواســـب التخم، إلى غير ذلك مما مل بل لج سماعه الكثيرون من المنابر. ويجد الوعاظ والمرشدون فيما يؤنس من هذه الظواهر التي يخلفها الصيام، مادة سهلة التناول، ميسورة للتدليل بأعلي فضيلة هذه العبادة، هذا، ولا يغفــــل شيوخنا الزملاء الأكارم، الناحية العبادية في الموضوع، فالصوم مجلبة لرضوان الله تعالى و«من صام رمضان إیمانًا واحتسابًا، غفر لـــه ما تقدم من ذنبه».
وعامة ما يرد على السنة المرشدين صحيح، باستثناء سيأتي، ولذا، فإنها تشکر جهــود معاصرين لنا، وأسلاف ليسوا بعيدي عهد منا، بل منهم شيوخ لا يزالون أحياء، ولكن تلك الجهود أتت في عهود، كان الإيمان فيها -غير المشوب بالشكوك- يثلج الصدور، والقناعات الإسلامية العقائدية هي مسلمات غير ذات بحث، إذ -المفترض- في كل جيل من المفكرين المسلمين، أن يراعي النسق الدعوي الملائم لعصره.
فنحن -اليوم- علينا أن نواجه حقيقـــة أن أوضاعًا تبدلت، وطوارئ عرضت، ولا نعذر.. فالتحولات والاضطرابات الفكريـة، التي تعصف برؤوس من هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، لم تأت مباغتة، بل نزلت في ساحتنا على مرأى منا ومسمع، ولقد هيأ الله تعالى -ولا يزال- لأمة الإسلام، من يرقب أحوالهـــا ويرصد كيد من يريدون السوء بها، ولكن يظل علينا أن ندخل في اعتبارنا، أن الجهود هـذه هي في تسابق مع الزمن.
إن ثمة غلطة خطيرة تجري على ألسنة بعض الوعاظ، وذلك حين يسردون فضائل الصوم -التي أنف ذكرها- على أنها علل له، وهذا خطأ علمي حسب أصول الفقه المعتمدة، التي تعرف «العلة» وتوجب أن تكون وصفًا ظاهرًا منضبطًا، يتوقف علــــى وجوده وجود الحكم، وعلى عدم عدمه «كتب الأصول مباحث العلل»، إن تعليل الصيـــام بواحدة من حكمه وآثاره أو بها مجتمعة، يثير التباسًا وجدلًا حول من لا تتوفر فيهم موجبات الصوم من الأصحاء. وهكذا يموه جوهر القضية، وتحور لتتخذ شكلها الصحيح، وهو أن على الدعاة للإسلام، إما أن يثبتوا لشرعة الصوم تلك المنزلة التي ألحقتها بأركان الإسلام، ويتقبل المنطق المعاصر مثل هذا التقويم، أو أن يظل قرن الفتنة مذرًا في عقول شبابنا المثقف، حتى لا يبرحوا ينظرون إلى الصوم على أنه -وإن كان لا ينكر ما يحققه من فوائد، غير إنه لا يرقى إلى درجة، تجعله في مصاف ما أضفى عليه من أهمية.
وننتهزها فرصة لتعقب بعض الأسباب -بلمحة خاطفة- التي جرت لأفكار خاطئة، سادت لا عن الصوم وحسب، بل وسائر العبـادات الأخرى.
على سبيل المثال، يشيع في محــــاولات لفلسفة العبادات، أنها «تنظيم للعلاقة بين الإنسان وربه»، وهذا لا يوهم حصرها بمـا يزعم وحسب، بل ينطوي على ادعاء عزلها عن الحياة، وعلى الرغم من أن العبادات تحقـق تنظيمًا من هذا القبيل، غير إنها غير قاصرة عليه، فكل عبادة- في الوقت الذي تعزز القرب من الله تعالى، وتوفر للقائم بها الأنس إليه، فإن لها أهدافها الأخرى التي لا سبيل إلى تحديدها، ومصداق هذا كثير في كتاب الله تعالى، من أمثاله قوله عز وجل :﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ (العنكبوت: 45). وقوله -في موضوع بحثنا-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183) واللفظة الأخيرة هذه، التي تنص على أهداف الصوم، لا تضاهيها أو تؤدي مدلولها أية عبارة في العموم والشمول.
ولا يسعنا -بهذا الصدد- أن ننسى «الروحية»، ونعني بها الفلسفة المغرقة في القدم، فنظرًا لتواجد وجوه شبه بين الأنماط المتعددة لهذه المذهبية -ومنها الصوفية- وبين الرسالات، فإنه ما من شرع أنزله اللـه تعالى على رسول من أنبيائه، إلا وبذلت محاولات من متفلسفة لاحتواء شرعته، مجتذبة الأحكام ذات السمة العبادية التي لها جانبها الروحي.
و«الروحية الفلسفية» هذه، ليست مـــن الوحي في شيء، وهي بالإضافة إلى نزعتها «الفردية»، أو «الجماعية المطلقة - وحدة الوجود»، فإنها ترتكز على مبدأ معـاداة «الجسد»، لهدف ما يزعم من تحرير «الروح»، وهذا لا إثارة له في الإسلام على هذه الصيغة.
إن أمثال هذه الدخائل على الإسلام والتي هي غزو له، من أهدافها «تصييغه» على غير الصورة التي أنزله الله تعالى عليها، ولقد تركت آثارها بسوء نية من أقوام وحسنها من آخرين، والآثار هذه كانت لها مفاسدهـا وأخطارها على المفاهيم الصحيحة لحقائـــــق الإسلام وشرعاته.
من مجمل ما سبق سيتخلص أنه، بالإضافة إلى ضرورة تحرير المفاهيم القرآنية، وتنقية ما علق بأذهان المسلمين من الشوائب الدخيلــــة على الفكر الإسلامي، فإنه يتعين أن يتخذ العمل الدعوي للتعريف بالإسلام، خطـــين اثنين لا غنى عنهما معًا:
الأول: ربط الأحكام الشرعية الفرعيـــة بأصولها العقائدية، فالصوم- بهذا الاعتبار هو شرعة ثابتة، بنصوص القرآن والسنـــة القطعيين ثبوتًا ودلالةً، وبالإجماع والتوارث.
ولما كان -شأنه في ذلك شأن أية شرعة إسلامية أخرى- مبتنى على العقيدة، وكان ثبوته منوطًا بثبوتها، فإنه يتعين -والحالة هذه- أن تتواصل الفروع بالأصول على صعيد التناطر.
وأما الثاني: فلما كانت تظل هناك فئات لا يكبح جماحها، سوى طرح قضايا ومسائل الإسلام الكبرى، على بساط التحقيق من الناحية الواقعية، مطالبة بتعليلها أو تحليلها، وتظل طلاعة ومتشوفة لتعقل كل أصل من أصول الإسلام، بل فرع من فروعه، على الأخص في عصر غــدا الفكر فيه يأبى إلا ربط المعلولات بالعلل والمسببات بالأسباب، فإنه يتعين على الداعية المسلم، أن تكون لديه وسيلة لإشباع رغبة هؤلاء، وإن كان يتحتم استثناء السمعيات، وبعض الشعائر العبادية التي يرتهن التصديق بها على خبر السماء، ولا يتناقض مع بدهيات العقل.
والمسئولية الدعوية لا مناص لها عن أن تمضي في الخطين كليهما، كاشفة ما يعترض مسيرتها من شبهات، ولكن -وهذا هو المهم- ليس بالاقتصار على طرائق وأساليب الوعظ التقليدية، التي يبدو اللذين يمارسونها، وكأنهم يعيشون في غير مجتمعهم، ولكن مع مراعاة إفهام الأجيال.
الشيخ عثمان صافي
الرابط المختصر :