; فلسفة الاقتصاد الماركسي بين الوهم والجهل والاستغلال | مجلة المجتمع

العنوان فلسفة الاقتصاد الماركسي بين الوهم والجهل والاستغلال

الكاتب عبدالله الصالح

تاريخ النشر الاثنين 25-ديسمبر-1978

مشاهدات 83

نشر في العدد 425

نشر في الصفحة 34

الاثنين 25-ديسمبر-1978

لماذا تهمل الشيوعية الناحية الدينية والروحية...؟ 

لماذا تسوس الشيوعية شعوبها بالحديد والنار..؟

هل صدقت الشيوعية في وعودها..؟ وكيف أثبتت الأحداث كذب دعواها..؟ 

ملاحظات: 

نرجو أن يعلم الإخوة القراء أننا في نقدنا للشيوعية بمرحلتيها الاثنتين وتحليلنا لها لسنا مع غيرها من المذاهب أو المبادئ الوضعية مثل الرأسمالية أو غيرها وإنما نحن دائمًا وأبدًا مع الإسلام ذلك المنهج الرباني الإلهي العظيم لا نرضى عنه بديلًا ولا شريكًا. 

كما نبين ونوضح بادئ ذي بدء أن الشيوعية إنما تقوم على مبدأ خطير جدًا نخالفه –نحن المؤمنين- كل الخلاف وهو الإلحاد ومادية الحياة وعدم الاعتراف بما وراء الحس من وجود مهما كان هذا الوجود. وهي بالإضافة إلى ما سبق تشمل كل نواحي الحياة العقائدية والفكرية والاقتصادية والاجتماعية وغير ذلك. 

ومن غير الممكن -بديهيًا- أن نفند مزاعم الشيوعية جميعًا في مقال أو كتاب، لذلك سنكتفي اليوم في إلقاء بعض الأضواء على الناحية الاقتصادية من الشيوعية وسوف نقف بعض الوقفات المتأنية مع تناقضاتها وأسسها ومنطلقاتها الخاطئة راجين من الله تعالى أن يتيح لنا مع هذا المذهب الهدام وقفات أخرى في القريب العاجل. 

المرحلة الأولى

لا يمكن أن نتحدث عن الشيوعية –وهي مرحلة لم ولن تصل إليها المجتمعات اليسارية- إلا بعد أن نتحدث عن المرحلة الأولى منها وهي مرحلة الاشتراكية. 

ولا قيمة لما نراه اليوم من تنويع للاشتراكية مع اشتراكية علمانية أي لا دينية وغير ذلك من المسميات فهذه الإضافات لكلمة الاشتراكية لا قيمة لها من الناحية العلمية أو العملية لأنها كلمة تنطلق من منطلق واحد ولقد صرح عدد من المسئولين بذلك كما عبر عن ذلك الرئيس بومدين. لذلك لن نعير هذه التقسيمات أو المسميات أي اهتمام منا في هذا المقال على الأقل. 

علام تقوم الاشتراكية؟

إنها تقوم على أنقاض المجتمع الرأسمالي معبرة عن الثورة التاريخية المحتومة على الرأسمالية التي تأخذ أو سوف تأخذ بالاحتضار حسب ادعاء الشيوعيين. 

ما أهداف المرحلة الاشتراكية؟ 

إنها تهدف في نهاية المطاف إلى إقامة المرحلة الشيوعية، لذلك نراها تمهد لذلك الهدف النهائي بأهداف مرحلية قريبة نستطيع أن نجملها بما يلي: 

أولًا: إقامة المجتمع اللا طبقي

ويكون ذلك بمحو الطبقات في المجتمع التي لا يعتبرونها أمرًا فطريًا لا يمكن التغلب عليه أو إزالته كما سوف نرى وإنما يعدونها سبب جميع أنواع الصراعات بين البشر. وهذا يعني أنهم يركزون تركيزًا شديدًا على العامل الاقتصادي في حياة الأمم والشعوب ناسين أو متناسين كل عامل آخر. ولا نستطيع أن نسلم معهم بهذا لأننا نجد كثيرًا من الحروب والصراعات في تاريخ الإنسانية الطويل قد قامت لأسباب غير اقتصادية أبدًا بل قامت لأسباب دينية أو سياسية أو فكرية أو غير ذلك. كما أن هذه الأسباب أو العوامل بالإضافة إلى العامل الاقتصادي تؤدي إلى وجود طبقات متعددة في المجتمع لذلك لم تختف الطبقات حتى في مجتمع الاتحاد السوفياتي أو الصين أو غيرها بمجرد زوال العامل الاقتصادي كما  سوف نرى. 

وذلك لأن المرحلة الاشتراكية نفسها قد أدت بطبيعتها الاقتصادية والسياسية إلى وجود طبقات جديدة قد قامت على الأسس الجديدة التي كونتها هذه المرحلة الجديدة. 

فما هي هذه الطبقات الجديدة؟ 

لقد فرضت الطبيعة السياسية للمرحلة الاشتراكية وجود هذه الطبقات الجديدة. وذلك لأنها تشترط أن تتحقق الثورة الاشتراكية وأن تُقاد بأيدي ثوريين محترفين، إذ ليس من المعقول أن تشترك البروليتاريا كلها بالتخطيط أو القيادة، وإنما تمارس نشاطاتها في ظل القيادة والتوجيه. 

وهذه القيادة يجب أن تكون دكتاتورية مركزية ذات صلاحيات مطلقة وذلك حتى تستطيع –بحسب رأيهم- أن تصفي حساباتها مع الرأسمالية نهائيًا كما تدعي ولكن في الحقيقة حتى تستطيع بالإضافة إلى ما تقدم أن تستمر في قهر الطبيعة الإنسانية لشعوبها وأن تسوسهم في ظل الحديد والنار حتى يرضخوا لخططها  وأهدافها. 

وهذا النهج الثوري الدكتاتوري يجب أن يستمر في جميع مناحي الحياة وبشكل غير محدود حتى تستطيع القيادة –حسب ادعائها- أن توجد الإنسان الاشتراكي الجديد البريء من أمراض المجتمعات الطبقية السابقة. 

وهكذا نجد أن هؤلاء القادة يتمتعون بإمكانات لم تتح لأي طبقة في تاريخ الإنسانية من قبل إلا إذا كانوا على شاكلتهم وذلك لأنهم جمعوا في أيديهم سلطات عدة هي: 

1- سلطة مطلقة على جميع الممتلكات ووسائل الإنتاج المؤممة في البلاد. 

2- سلطة سياسية تتيح لهم الانتفاع بجميع الممتلكات ووسائل الإنتاج والتصرف بها طبقًا لمصالحهم الخاصة التي تتستر بادعاءات مزيفة مزركشة هي «السعادة والرخاء للجميع». 

وهذا نفسه هو ما كانت تدعيه جميع الطبقات الحاكمة السابقة ما عدا فارقًا وحيدًا بين طبقة هؤلاء الثوريين الحاكمين وبين الطبقات السابقة وهذا الفارق هو أن الطبقات السابقة قد قامت تبعًا لعلاقات الملكية القائمة بين الناس، بينما طبقة هؤلاء القادة اليساريين الثوريين قد أوجدها وحددها الانتماء للحزب الحاكم فقط وهذا يعني أن الحزب الشيوعي نفسه هو مصنع هذه الطبقة. 

إذن إن الطبقية لم يقض عليها وإنما قد استبدلت طبقة بطبقة أخرى فقط. وهذه الطبقة الجديدة تتمتع بأكثر مما كانت تتمتع به الطبقة السابقة من مميزات، الأمر الذي يؤدي إلى تضخم سرطاني عند رجالاتها مما يؤدي إلى ألوان رهيبة من الصراع، فتحل محلها طبقة جديدة تتهم الأولى باتهامات شتى، أقلها استغلال الطبقات العاملة واستغلال المنصب وغير ذلك. 

ثانيًا: السلطة الدكتاتورية

وهي الركن الثاني من أركان المرحلة السابقة للشيوعية وهي الاشتراكية وهذه السلطة الدكتاتورية ضرورية لتحقيق أمرين اثنين هما: 

1- تصفية الحسابات مع الرأسمالية والقضاء على جميع خصائصها من الناحية الروحية والفكرية والاجتماعية. 

2- وهي ضرورية أيضًا حتى تستطيع أن تساعد في إنجاح الانقلاب في جميع أوجه الحياة العامة بما تملكه من سلطة قوية غير خاضعة للمراقبة أو المحاسبة وبما تتمتع به من إمكانات هائلة تتيح لها أن تمسك البلد بيد فولاذية ولا بد أن يسبق هذا التنفيذ تخطيط مركز يفرض على السلطة السياسية طبيعية دكتاتورية إلى حد بعيد -كما يدعون-. 

ولكن هذه السلطة الدكتاتورية التي قامت لأجل الشعب سرعان ما تتحول إلى كابوس يخنق الشعب، وإلى غول مفترس يقضي على كل من يتعاون معه بعد أن ينتهي من خدماته ويستغني عنها الأمر الذي سوف يؤدي إلى الثورة عليه بعد موته إذا لم تستطع الثورة عليه في أثناء حياته وهذا مثل الذي حدث مع ستالين ومثل الذي سوف يحدث مع ماوتسي تونغ وغيرهما. 

ثالثًا: التأميم: وهو الركن الثالث يعني القضاء على كل شكل من أشكال الملكية الخاصة قضاءً مبرمًا وتحويلها إلى ملكية عامة أو بمعنى دقيق إلى ملكية الدولة وإذا أردنا المعنى الحقيقي لهذا التعبير فهو ملكية قادة الحزب أنفسهم. 

وتقوم فكرة التأميم على أساس تناقضات القيمة الفائضة التي تتكشف عنها الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج والتي تتراكم حتى يصبح تأميم كل وسائل الإنتاج ضرورة تاريخية لا محيد عنها حسب ادعائهم. 

وإذا نظرنا بإمعان إلى معنى الملكية لوجدنا أن المالك الحقيقي لأي شيء هو الإنسان الذي يستطيع أن يتمتع به ويستفيد منه، وليس المالك حقيقة هو الذي قد سجل باسمه الشيء المملوك، لذلك نجد أن الملكية الحقيقية لوسائل الإنتاج بعد التأميم لا تنتقل إلى ملكية الشعب إلا اسميًا، وإنما في الحقيقة إنما تنتقل ملكيتها إلى الطبقة الحاكمة التي تفعل ما تشاء في وسائل الإنتاج وما تنتجه. 

وهكذا نجد أن هذه الطبقة الحاكمة قد ورثت جميع ما كان الرأسماليون السابقون يتمتعون به في النظام الرأسمالي، وإنما يكون هذا على اعتبار أن التأميم لم يقم على أسس روحية أو على قناعات أخلاقية وإنما يقوم على أسس مادية بحتة فمن الطبيعي أن لا تجد السلطة حرجًا من أن تحيط نفسها بأكثر ما تستطيعه من ميزات ومتع ولعل هذا ما يفسر لنا ما نراه من خيانات الموظفين القائمين على الممتلكات المؤممة ومن إثرائهم غير المعقول على حساب الممتلكات العامة وبمدة وجيزة قياسية دون مراعاة لمصلحة المعمل المؤمم أو العمال أو إنتاجهم وإنما همهم فقط استغلال المنصب الجديد الذي تربعوا فوقه لمدة يتوقعون أن لا تطول، لذلك فإنهم يريدون أن يستخدموا السرعة القصوى في الابتلاع، تدفعهم شهوة عارمة ناتجة من الحرمان السابق الذي كانوا يعيشون فيه، ويدفعهم أيضًا تقليد أعمى لما يفعله قادتهم الحزبيون من سرقة وأبهة وترف واستغلال، الأمر الذي سيؤدي إن عاجلًا أو آجلًا إلى إفلاس المصنع، ومن ثم إلى تدهور الاقتصاد. وإذا تعرض هؤلاء الموظفون إلى أي حساب أو تفتيش فلقد اخترعوا لذلك طرقًا عدة منها: 

1- أنهم سوف يستفيدون من مركزهم الحزبي الذي يعطيهم مناعة من أن يحاكموا أو يُدانوا. 

2- ويستفيدون أيضًا من تهديدهم لمن سوف يفتشون عليهم أو يحاكمونهم وذلك لأنهم أكثر منهم نهبًا وسرقة، ولا بد وأنهم مرتبطون معًا بعمليات عدة. 

3- كما يمكنهم إذا ضاقت بهم الحيل أن يفتعلوا حادثة تؤدي إلى احتراق مخازن المصنع وأوراقه الرسمية ثم يخرجون هم بعد ذلك بسلام. 

4- وهناك طرق أخرى كثيرة، ولكن هذا لا يعني أنه لن يسقط أحد فلا بد من تقديم ضحية بين الحين والحين يحكم عليها بأشد أنواع الأحكام بعد أن يلقي عليها الجميع أوزارهم وجرائمهم وسرقاتهم حتى يظهروا أمام الشعب بمظهر الشرفاء، وغالبًا بعد ذلك يُعفى عن هذه الضحية بعد أن تدخل في غيابة النسيان بعدما تعوض عما نالته بكرم وسخاء. 

وليس هذا افتراء على الشيوعية أو الاشتراكية، فهذا ستالين يعترف بأن كبار رجالات الدولة والحزب قد استغلوا فرصة انشغال دولتهم بالحرب الأخيرة فجمعوا الأموال والثروات، حتى أنه أذاع ذلك في منشور عممه على جميع أبناء الشعب. 

الركن الرابع: المبدأ القائل: (من كل حسب طاقته، ولكل حسب عمله)

يرتكز هذا المبدأ على قوانين التفسير المادي للتاريخ، وذلك لأن المجتمع بعد أن يصبح –كما يدعون- طبقة واحدة، يصبح من الضروري لكل فرد أن يعمل ليعيش ويكون له نصيب من الإنتاج يتناسب مع كمية عمله. 

وهذا المبدأ لو أمعنا فيه النظر نجده يتناقض مع الطبيعة اللا طبقية للمرحلة الاشتراكية عندما يوضع موضع التنفيذ، وذلك لاختلاف الأفراد تبعًا لاختلاف قواهم وكفاءتهم ونوعية العمل الذي يقومون به، فهناك العامل القوي وهناك الضعيف، وهناك العامل الذي يملك اختصاصًا أو دربة أو مهارة وهناك من لم يملك، وهناك عمل يحتاج إلى جهد والجهد قد يكون عضليًا أو عقليًا أو يجمع بينهما، وبالإضافة إلى ذلك كله فهناك ما بين كل طرفين مما ذكرنا كثير من المستويات المتعددة المتنوعة. 

ومن البديهي لذلك أن تؤدي هذه الاختلافات السابقة الذكر إلى تفاوت في العمل ومن ثم إلى تفاوت في القيم التي تخلفها هذه الأعمال المختلفة. 

وهذه مشكلة مهمة، فكيف يواجهها المجتمع الاشتراكي

1- إنه إما أن يحتفظ بمبدأ التوزيع القائل (لكل حسب عمله) فيوزع الناتج على الأفراد بحسب ما يبذلونه ويقدمونه من أعمال، وبالتالي فإنه سينشئ من جديد طبقات جديدة على أنقاض الطبقات السابقة. 

2- وإما أن يساوي بين أجور جميع العمال، وهذا أمر مستحيل لأنه يقتل مواهب الإنسان وإمكاناته الفكرية وطموحاته بسبب قتله للحوافز الأمر الذي يدفع الإنسان إلى الأعمال البسيطة التي لا تحتاج إلى جهد ما دام الأجر لن يتغير وبالإضافة إلى ذلك فإن الشيوعية إذا ساوت بين جميع الأجور تكون قد حرمت العامل النشيط من فائض القيمة الحاصلة مما يمتاز به عمله عن العامل البسيط، وهذا هو نفسه ما عابته الشيوعية من قبل على صاحب المصنع الرأسمالي. 

وأما ما يُقال من أن الفرد الذي يقوم بأعمال معقدة أو راقية فيجب عليه أن لا يطالب الدولة بأي إضافة على أجوره، وذلك لأن الدولة هي التي قامت بتدريسه وتأهيله، فهذا قول مردود، لا أساس له من الصحة، وذلك لأنه أهمل قدرات الإنسان الذاتية والفروق الفردية بين البشر. 

وأمام هذا لم تجد الاشتراكية العلمية إلا أن تقسم الأعمال بحسب طبيعتها، وأن تقر الاختلاف بين أجور العمال بحسب الاختلاف بينهم أو بين كفاءاتهم أو طبيعة عملهم، الأمر الذي يعد تراجعًا منها أولًا، والذي يعبر عن فشلها ثانيًا، والذي يعبر عن إخفاقها في إدراك كنه الطبيعة البشرية. 

المرحلة الثانية: الشيوعية

تتلو المرحلة الأولى الاشتراكية مرحلة أخيرة هي المرحلة الشيوعية، وتقوم هذه المرحلة على دعامتين اثنتين: 

الدعامة الأولى: محو الملكية الخاصة في جميع المجالات بصورة عامة

سواء أكانت إنتاجًا أو استهلاكًا، وهذه الفكرة تقوم على فرضية تعتبر أن المجتمع قد بلغ بفضل النظام الاشتراكي درجة عالية من الثروة أولًا، وقد نمت القوى المنتجة فيه نموًا هائلًا ثانيًا، الأمر الذي يلغي الحاجة للتملك نهائيًا بعد أن صار الفرد يستطيع الحصول على ما يحتاج إليه أو يتوق إلى استهلاكه في أي وقت شاء. وعلى هذا فإن المبدأ الاشتراكي السابق (من كل حسب طاقته، ولكل حسب عمله) قد ألغي ليحل محله مبدأ جديد (لكل حسب حاجته) أي أن كل فرد يعطى بقدر ما يشبع رغباته ويحقق أمنياته وطموحه وأطماعه. 

وهذا مجرد خيال مفرط في التحقيق، وذلك لأنه يفترض تحول الناس إلى عمالقة في الإنتاج على الرغم من انعدام الدوافع الذاتية والحوافز أولًا، ولأنه يفترض ثانيًا أن الناس سوف يتجردون عن الطموح والطمع وسوف يتحولون إلى زهاد قانعين. 

وهاتان فكرتان ليس من الصعب تحقيقهما بل هما مستحيلتان قطعًا، وذلك لأنهما يتنافيان مع الطبيعة البشرية، وبخاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار تركيز الشيوعية على الناحية المادية في الإنسان وفي الحياة مع إهمالها أي ناحية أخرى من النواحي الروحية والدينية والأخلاقية. 

لذلك نجد قادة الشيوعية قد فشلوا في أن يخلقوا هذا الفردوس المزعوم، بل أعلنوا عن عجزهم عن تحقيق الشيوعية بالفعل على الرغم مما اقترفوه من قتل وتشريد واعتقال ومحاكمات وغير ذلك. 

الدعامة الثانية: زوال الحكومة

وهذا أمر يزيد عن الدعامة الأولى إمعانًا في الخيال وجهلًا بالطبيعة الإنسانية. 

وتقوم هذه الدعامة على نظرة الشيوعية للحكومة، إذ تعتبرها وليدة للتناقض الطبقي، واختراعا اخترعته الطبقة المالكة لإخضاع الطبقة العاملة لسيطرتها. لذلك فليس هناك ما يبرر وجودها –كما يتصورون- بعد اختفاء الطبقة المالكة المستغلة وقيام المجتمع اللا طبقي المزعوم. 

كيف يكون الانتقال من المرحلة الأولى إلى الثانية؟ 

وأما كيفية الانتقال من الاشتراكية إلى الشيوعية، أو من مرحلة الدولة إلى مرحلة اللا دولة فكيفية غامضة لأمور عدة: 

1- إذا كان الانتقال بطريقة ثورية فمن الذي سيقوم بالثورة؟ وبخاصة إذا علمنا أن الثورة لا يقوم بها إلا أعداء الحكومة، ولن يكون هناك أعداء حسب زعمهم. 

2- وإذا كان الانتقال بطريقة تدريجية هادئة، فهذا يتنافى مع قوانين الديالكتيك التي ترتكز عليها الماركسية، والتي تؤكد أن التغييرات الكيفية لا تكون تدريجية وإنما فجائية. ولذلك آمنت الماركسية بضرورة الثورة في مطلع كل مرحلة تاريخية. فكيف يبطل هذا القانون في هذه المرحلة؟ مرحلة تحول الاشتراكية إلى الشيوعية. هذا وكيف يتصور الإنسان أن تتنازل الحكومة تدريجيًا عن السلطة وتقضي بنفسها على نفسها، بينما نرى كل الحكومات تتمسك بمراكزها وتدافع عن وجودها إلى آخر لحظة، وبكافة ما تملك من قوة، وبخاصة الحكومات الدكتاتورية المطلقة. 

وبعد ذلك.. هل يمكن أن يعيش مجتمع ما بغير حكومة تنظم نواحي حياته وتحفظ ضعيفه من كيد قويه وبخاصة إذا خلا هذا المجتمع من أي قيم روحية أو دينية. إن هذا لأمر مستحيل. 

وهكذا نجد وبوضوح أن الشيوعية مذهب هدام يخالف الطبيعة الإنسان ويناقضها في جميع مناحيها جملة وتفصيلًا، ولقد أثبتت الأيام والأحداث عن فشل هذا المذهب فكرًا وتطبيقًا، وليس هذا إلا لأنه نظام وضعي قد اخترعه إنسان غير معصوم أولًا ثم أقامه على كفر صراح، الأمر الذي أدى إلى إخفاقه، مثله في ذلك مثل أي نظام وضعي آخر كالرأسمالية وغيرها ولن يجد الإنسان ملاذًا يؤمن له السعادة والأمن في غير الإسلام دين الله تعالى وصنعه ومن أحسن من الله صنعا. 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 741

65

الثلاثاء 12-نوفمبر-1985

المجتمع المحلي: (741)