; فلسفة الأعياد في الإسلام بين الترويح والتكبير | مجلة المجتمع

العنوان فلسفة الأعياد في الإسلام بين الترويح والتكبير

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 24-مايو-1994

مشاهدات 71

نشر في العدد 1101

نشر في الصفحة 5

الثلاثاء 24-مايو-1994

في حياة كل أمة فترات تستروح فيها من عناء، وترتاح فيها من نصب تنقلها من وضع إلى وضع، وتحولها من طبع إلى طبع، ومن يقظة وحرارة إلى هدوء وتوقف ومن كد وجهد إلى راحة وسكون، وهذه الفترات تسمى بالأعياد، وهي تسمية قديمة في قواميس كل أمة، وفى تاريخ كل شعب، وفي ملة كل قبيل، وفي الكتب المقدسة لكل شرعة.

وقد مر القرآن ببعض من تلك الأعياد والمناسبات مرورًا سريعًا حين يكون لها ارتباط بجهاد نبي أو كفاح رسول مر بها في الحديث عن إبراهيم عليه السلام مع قومه في واقعة هزت كيانهم وزلزلت عقيدتهم، حيث كسر إبراهيم أصنامهم وفتت آلهتهم وجعلها جذاذًا إلا كبيرًا لهم لعلهم إليه يرجعون وذلك في يوم عيد لهم.

ثم أشار القرآن الكريم إلى عيد المائدة عند أتباع عيسى وإلى ما وقع بين الحواريين وبين عيسى عليه السلام، حين طلبوا منه أن يُنزل عليهم مائدة من السماء، ولم يجد عيسى بدًّا من دعاء ربه حتى يُنزل عليه المائدة قال عيسى ابن مريم ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (المائدة: 114).

ثم أشار القرآن إلى يوم الزينة عند الفراعنة، وإلى ما وقع فيه بين موسى وبين فرعون وسحرته ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمَ الزِّيْنَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًىٰۚ (طه: 59).

وقد كان لقبط مصر في شهر (توت) عيد هو عيد النيروز وكان الفرس يحتفلون به أيضًا لمناسبة عندهم، وكانت هذه الأعياد تنتسب إلى أصحابها، تتلون بألوانهم وتتشكل بعاداتهم، تتفلت من الفضائل بتفلتهم، وتبتعد عن الوقار بابتعادهم عنه، قد تركت بغير قيود أو ضوابط ومورست بغير حدود أو قيم، فاختلط الفاسد بالقبيح والشر بالإثم، وضاع المعنى الكريم المقصود من الأعياد، وهو الترويح والاستجمام حتى يعود للجسم حيويته، وللفكر نشاطه، وللعقل صفاؤه، بل رجع بأوزار وأثقال وأخطاء، ترجعه إلى إعناته وإرهاقه وآثامه وآلامه.

لذلك كان للإسلام منهجه الخاص في استقبال الأعياد والاحتفاء بها، يوافق طبيعته ويساير وجهته، فهو الدين الذي لمس القلوب، وأيقظ الضمائر وخاطب العقول، وعدل الأهواء ونظم الشهوات واعترف بحاجات النفوس، ولبي نداء الفطرة وحث على العمل وجعل الراحة والاسترواح من تعاليمه «روحوا القلوب ساعة فساعة» «يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا»، فأعياد الإسلام على هذا، ترويح وعبادة، وتيسير وإقبال، وسرور ووصل، ليس فيها مجال للتمتع الرخيص، ولا للسرور الآثم ولا للغريزة الطائشة، ولا للنزوة الشرود، ولا للانحراف عن الجادة، أو عن حدود القصد والاعتدال، فهي إذن تحمل روح التعاليم الإسلامية، وعبير التوجيهات الربانية وعبق السيرة النبوية.. تفتتح بالتكبير والتهليل والصلاة والتواصي بالحق، والتآخي على الخير والتجمع على الحب.. تعود الفرح من غير بطر، والسرور من غير آثام والترويح من غير إسفافه واللعب من غير جهل، والحياة من غير عنت والتجمع من غير بغي أو عدوان، تعود النجاح في تطهير النفوس، والانتصار على نوازع الشر، والتقرب إلى الله بالاسترواح.

أعياد الإسلام تقصد إلى تجديد النفوس بالفرحة وتزيين الأجساد باللباس، وإشباع البطون بالتوسعة، وترقيق القلوب بالعطف والصدقة، وتجميع النفوس بالمودة والتواصل وإزالة الأضغان بالتسامح والتصافي.

أعيادنا حمدٌ لله على الطاعة، وشكرٌ لله على التوفيق.. يأتي عيد الفطر بعد رمضان الذي أنزل فيه القرآن، وبعد صيام المسلمين له إجلالًا وإعظامًا وطاعة وقربانًا وبرًا وإحسانًا، ويأتي عيد الأضحى ليذكر بتمام النعمة وكمال الدين ويوم عرفة، حيث نزلت فيه آية الإتمام والإكمال نزل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًاۚ (المائدة:3).

وحقيق أن يكون يوم التمام يوم عيد، ويوم إكمال النعمة يوم فرح وسرور، وقد ورد أن أحد اليهود دخل على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فسمع هذه الآية فقال: لو أن غير هذه الأمة نزلت فيها هذه الآية لنظروا اليوم الذي نزلت فيه فاتخذوه عيدًا يجتمعون فيه، فقال عمر: أي آية تقصد؟ فقال﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ (المائدة:3) فقال عمر: قد علمت اليوم الذي نزلت فيه، وكان يوم جمعة ويوم عرفة، وكلاهما بحمد الله عيد لنا.

وتمتاز أعياد المسلمين بمصاحبتها لتشريعات تستهدف البر بالفقراء والعطف عليهم، وإعطاء أصحاب الحاجات والمعونين، فصدقة الفطر والأضحية والتوسعة على الفقراء مصاحب لأعيادنا، كذلك وقوع أعيادنا عقب ركنين جليلين من أركان الإسلام فكلاهما تجربة غنية لتأديب النفس وصياغتها على مبادئ التعاطف والتواصل والبر والإحسان، والتكافل الشامل، وكمال الإحساس بما للجماعة على الفرد من حق المساواة والتراحم، وإشاعة السرور وصلة الأرحام، والانسلاخ من الإثرة والأنانية، ونبذ الخصام والبغضاء.

هذه المعاني الكريمة تتأصل كقاعدة في المجتمع المسلم تنطلق منها الروح الإسلامية الحريصة على إسعاد الفرد والجماعة.

ومن هنا تشع أعياد المسلمين بالمعاني الجليلة، مما يتعذر أن تسمو إليها الأعياد في أي أمة، حيث تستسيغ الأعياد الإسلامية الضحك والسرور، وتلتذ البهجة والمرح وتعانق السعادة على أنها طاعات يعبد بها الله سبحانه، وتبذل العون والرفد والمعروف والبر على أنه لون من ألوان السرور والبهجة وسمو النفس وأشواق الروح حتى يصبح العالم كله أسرة واحدة متحدة العواطف متعاونة على الخير الذي أراده الله لعباده، وقد طلب النبي -صلى الله عليه وسلم- من الرجال والنساء أن يخرجوا للحفاوة بالعيد حتى العوائق والحيض يخرجن لشهود الخير ومشاركة المسلمين البهجة والسرور والتهليل والتكبير ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا ذَكَرْتُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًاۚ (البقرة:200).

وهكذا تكون أعياد المسلمين سرورًا عامًا، وبهجة عامة وذكرًا وتهليلًا وتكبيرًا وتحميدًا وشكرًا وتمجيدًا، فهل يا ترى يكون المسلمون على مستوى العيد؟ أم ينزل العيد إلى مستواهم؟ أم لا يكون عيد حيث لا عيد؟

الرابط المختصر :