العنوان فلسطين بين ظلم الشقيق ووحشية العدو
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الجمعة 10-سبتمبر-2004
مشاهدات 66
نشر في العدد 1617
نشر في الصفحة 49
الجمعة 10-سبتمبر-2004
الفلسطيني الصابر الثابت المجاهد البطل الذي لم ييأس ولم يهن وهو في وسط الميدان وفي قلب المعارك التي لا تهدأ، والقتل الذي لم يتوقف والتشريد الذي لا ينقطع، والأسر الذي لا يرحم، والاعتقال الذي لا يفرغ، يستحق الاحترام والمساعدة الفلسطيني الذي تتنازعه رياح الشتات والغربة اليوم، وتقف في طريقه حواجز العدو، وسدود الشقيق معرض حيثما حل للملاحقة والاضطهاد والقمع وهو على هذا الحال متهم بمجرد انتمائه لفلسطين ومجابه بالأسئلة والشكوك أينما حل.
والفلسطيني الذي قدر له أن يبقى صامدًا على أرضه تحت نير الاحتلال، معرض في كل لحظة إلى الوحشية العدو، والاعتقال اليومي وقسوة الزنازين والمعسكرات الصحراوية، وما أن يجتاز حدود وطنه حتى يوقف مشكوكًا في أمره في مخافر الحدود وقاعات الترانزيت يقف كأنه خطر على العدو والصديق، لأنه الوحيد الذي لا يملك جواز سفر، والوحيد غير المعترف ببراءته، ويظل في استجواب على يد المخابرات الصهيونية، إلى تحقيق على يد المخابرات العربية وغير العربية من اتهام في ذمته وقصده، إلى ظنون بالإرهاب والعنف في بيته وكان دنياه غير دنيا الناس وبلاده غير بلادهم.
تغيرت البلاد ومن عليها *** فوجه الأرض مغبر قبيح
تغير كل ذي لون وطعم *** وقل بشاشة الوجه الصبيح
وكان عليه أن يتعلم كيف يواجه المحن في دنيا الوحوش، بإيمان ووعي وصبر وجلادة وقوة تمكنه من الصمود والمضي في حمل راية وطنه وهوية جهاده، حتى لا يقع في شرك الانهيار، أو فقدان الثقة بأمته وبني جلدته ودينه رغم أنهم تركوه نهبًا للضياع والسحق والتدمير، ولسان حاله يقول:
وإني لأرضى منك يا خل بالذي *** لو أبصره الواشي لقرت بلابله
بلا، وبأن لا أستطيع، وبالمنى *** وبالوعد حتى يسأم الوعد آمله
الفلسطيني ابن أمته وتراثه وعقيدته الأصيل في فهمه المنضبط في عزمه المستقيم في مسيرته العظيم في هدفه القوي في إيمانه، الذي يدفعه دائمًا إلى الشموخ والتضحية، وتحمل الآلام والمشاق والسير في الصعاب غايته عنده أسمى من الحفاظ على الذات، وأعلى من حاجات الجسد ومقومات الحياة، يمضي إلى هدفه غير عابئ بما يعتريه من قتل وتشريد ونكبات ولا مكترث بجوع أو عري أو ظماء أو حزن على دار أو مال أو متاع مثل في حياة الانهيار وضياع العزيمة، قدوة في زمن الضعف والخور والعمالة ضياء في دنيا الظلام والعماية علم في أيام النكسات والهزائم بشير وأمل في أوقات اليأس والقنوط أليس هؤلاء هم أمل الأمة وشبابها العائد ونهارها الوضاح، وتراثها القادم، وهويتها الآيبة.
ألا يستحق كل هذا التفاتة من الأمة ومؤازرة من السلطة، وعونًا من الشعوب الذهول عن هؤلاء المكافحين جريمة يخشى عواقبها على الجميع، فالأمة تغلي من الغيظ، وتتمزق من الغضب، ويتوقع المراقبون انفلات الشعوب وثورة البركان وساعتها لا يعلم إلا الله كم سيكون هول الكوارث، وحجم الانتقام للكرامة الضائعة والعزة الممتهنة.
وكيف لا تغضب الشعوب، وهم يرون أكثر من عشرة آلاف في سجون إسرائيل قد أضربوا عن الطعام، ويوشك أن يموتوا جوعًا، ويقضوا نحبهم صومًا تحت مطارق التعذيب، دفاعًا عن كرامتهم وثمنًا لآدميتهم وإنسانيتهم وقد تجاوبت معهم المسيرات الحاشدة من الشعب الفلسطيني تضامنًا معهم وشدًا لأزر الذين يخوضون معركة الأمعاء الخاوية، مطالبين العالم أن يقف إلى جوارهم والأمم المتحدة بتطبيق الاتفاقات الدولية، ونصوص معاهدات جنيف الموقعة سنة ١٩٤٩م على الأراضي الفلسطينية، وفرض الحماية الدولية تمهيدًا لحصول الفلسطينيين على حقوقهم الشرعية، وغير القابلة للتصرف والمتمثلة في حق العودة وتقرير المصير وإقامة دولتهم المستقلة وعاصمتها القدس الشريف هذا هو الشعب الأعزل الذي تحاربه العن الدول وأقذر الشعوب، يقف شامخًا مطالبًا بحقوقه، متفاعلًا مع قضيته، لا يكل ولا يمل سواء كان أسيرًا في أقبية السجون والمعتقلات أو طلقًا تحت القصف والقتل والتشريد.
فما بالنا نحن الذين نمرح ونلعب ونلهو ولا نشعر بشيء أو نحس بتبعة، ما بالنا لا نفعل شيئًا حتى الاحتجاج أو الإضراب أو حتى رفع مظلمة إلى الأمم المتحدة، وقضيتنا عادلة والظلم فيها صارخ يقره الجميع، وتتكلم عنه المنظمات الدولية، ويرقى إلى جرائم الحرب تقول منظمة العفو الدولية في تقريرها السنوي العام ۲۰۰۳م: إن الانتهاكات التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي في حق الفلسطينيين، تمثل جرائم حرب من إعاقة للمساعدات الطبية واستهداف العاملين في المهن الطبية، وتدمير الممتلكات بشكل واسع، والتعذيب والمعاملة القاسية واللاإنسانية والاحتجاز واستعمال الدروع البشرية.
كما أشار التقرير إلى احتجاز ما يزيد على ۹۰۰۰ شخص رهن الاعتقال الإداري دون تهمة أو محاكمة، ومن حوكم منهم أمام محاكم عسكرية لا تفي إجراءاتها بالمعايير الدولية المطلوبة، مشيرًا إلى أن معاملة هؤلاء الأسرى في غاية السوء والوحشية التي لا تليق حتى بالحيوان، هذه بعض تقارير المنظمات الدولية، فأين بعض تقارير الدول العربية والإسلامية، هل بلغنا الحد الذي لا يجرؤ أحد فيه على الكلام، أو الشكوى من الظلم، إن هذا الشيء عجاب !!، ما حجم هذا الخوف وما مقدار هذا الضعف، وما كمية تلك الرهبة التي أصابتنا، فعقدت الألسن وهدت العزائم، وشلت التفكير والإحساس، وهل ستستمر، لا أظن لا أظن وإن غدا لناظره قريب.