; فلسطين المسلمة (2) | مجلة المجتمع

العنوان فلسطين المسلمة (2)

الكاتب سحنون

تاريخ النشر الثلاثاء 12-يونيو-1979

مشاهدات 71

نشر في العدد 449

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 12-يونيو-1979

  • السلطان عبد الحميد رفض الملايين العديدة لقاء فلسطين فقبل حزب الاتحاد والترقي مليونين لتنفيذ نفس الغرض
  • الأسباب التي أدت إلى نجاح اليهود في استلاب فلسطين
  • الجامعة العربية بدلًا عن الجامعة الإسلامية كان بتخطيط إنجليزي
  • كلما أرادت إسرائيل التوسع صوّت لها الأنظمة العربية بضرب الحركات الإسلامية

1- تخطيط اليهود وصبرهم على إنجاحه:

وقد بدأ التخطيط تفكيرًا من مفكريهم كما أشرنا، ثم انتهى إلى إقرار خطة في مؤتمر بال ۱۸۹۷ ترمي إلى تنمية الهجرة وشراء الأرض من ناحية، والبحث عن الحماية الدولية من دولة عظمى تظلها الشرعية الدولية الزائفة من ناحية أخرى..

 ويقال: إن البروتوكولات وضعت في المؤتمر الصهيوني الأول..

وكلا الخطتين تدل على معرفة بأغوار النفس الإنسانية، وإدراك بالجو الدولي الموجود واستغلال لأحداثه.

  • وصبرهم على تنفيذ ذلك التخطيط رغم الأحداث الجسيمة التي واجهتهم من بعده، كالاضطهاد الذي حدث لهم في شرق أوروبا، ثم الاضطهاد الذي حدث لهم في ألمانيا على يدي هتلر. ثم العقبات التي قامت في طريق إقامتهم دولتهم من مقاومة الشعب الفلسطيني وانضمام الشعوب العربية الإسلامية إلى هذه المقاومة، ومن قبلها رفض الخلافة العثمانية لوجودهم. وتآمرهم على هذه الخلافة بما صرح به هرتزل في مذكراته من أن السلطان عبد الحميد رفض الملايين العديدة لقاء فلسطين، فقبل حزب الاتحاد والترقي مليونين لتنفيذ نفس الغرض.

 كل ذلك وغيره يكشف عن حسن تخطيط.. وعن صبر في التنفيذ..

  • وفي مقابلة ذلك- وتقررها بكل أسف- انتقى التخطيط لدى الأمة الإسلامية أو بالأصح لدى «اليقظى» من الأمة الإسلامية، وتوافر عندهم إخلاص بغير تخطيط، شابه في كثير من الأحيان «قلة الصبر» على التنفيذ، واستجابة لغير المخلصين لإنهاء أوضاع تقلق اليهود.

2- إبعاد الإسلام عن المعركة 

واضح أن الإسلام كان الخطر الأول في المعركة...

 أولًا بما يحمله من عقيدة تؤثر الموت في سبيل الله على الحياة في ظل عبودية تفرضها أذل أمة في الأرض، وبما يحمله كذلك دعوة إلى الجهاد واعتباره فرض عين، إذا أغزيت ديار الإسلام.. هذه العقيدة من غير سلاح كفيلة- بإذن الله- بتحقيق النصر..

فإذا أضفنا إليها أمر الإسلام «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم...» وأحسنا فهم الأمر الرباني لوجدنا أن الإسلام يأمر:

أ - بالتخطيط القوي.. وهو ما يحمله لفظ الإعداد وما يحمله لفظ القوة.

ب - بالإعداد المعنوي..

 ج - بالإعداد العسكري... حشدًا، وتدريبًا، وتسليحًا...

 د- الإكثار من السلاح الثقيل وهو ما تعنيه «رباط الخيل» بعد «القوة» فهو تخصيص للأهمية والخطر...

ثانيًا- ما يحمله دخول الإسلام المعركة من دخول ثقل بشري لا قبل لليهود به، ونعني به الأمة الإسلامية التي تناهز اليوم ألف مليون من البشر وهو أكبر تجمع بشري لدولة على وجه الأرض.

 ثالثًا- ما يحمله دخول الإسلام المعركة من ثقل سياسي واقتصادي لا قبل لليهود بمواجهته.. فمصالح أصدقاء إسرائيل أكثرها في أمم الإسلام.. واحتياجات مناصرو اليهود الاقتصادية أكثرها في قبضة المسلمين..

 أما عن مظاهر إقصاء الإسلام عن المعركة وكيفيته فقد بدأ وبدأ... بما رتبه اليهود داخل دولة الخلافة نفسها.. وقام على تنفيذه يهود الدونمة ومنهم ومعهم حزب الاتحاد والترقي وحزب تركيا الفتاة، وهو ما عناه الكاتب الروسي سرجس نيلوس من اقتحام الأفعى للأستانة في طريقها إلى فلسطين..

 ثم تأكد بعد ذلك بإقصاء السلطان عبد الحميد الذي رفض عرض اليهود.

- ثم بالقضاء على الخلافة نفسها التي ما كان يمكن أن تسلم بقيام وطن يهودي وسط وطنها..

- واستمرت محاولات إقصاء الإسلام عن المعركة بتكوين الجامعة العربية «بدلًا من الجامعة الإسلامية» بفكر وزير الخارجية الإنجليزي، وقبل تمام الكارثة بثلاث سنوات.. وبحمل الجامعة العربية لواء الجهاد من أجل فلسطين ثم تخدير بقية العالم الإسلامي عن النهوض للمعركة!

- وزاد إقصاء الإسلام عن المعركة بدخول جيوش سبع دول عربية إلى المعركة... فما حاجة بقية المسلمين للجهاد وقد تولته جيوش سبعة فيها أبطال ومغاوير!

- وحين دخل عنصر إسلامي شعبي إلى معركة فلسطين، وحين صرح إمامهم الشهيد بإعلان التعبئة الدينية للجهاد في فلسطين وعزمه دخولها في عشر الاف مقاتل فدائي... 

وحين ذاق اليهود بأس أولئك المسلمين بما شهدوا هم وبما شهد به قادة الجيش المصري أمام القضاء المصري..

حين كان ذلك تمت طعنة الفدائيين المسلمين من الخلف على يد الحكومة الحاكمة في ذلك الحين فأصدرت قرارًا بحل جماعتهم، وقرارًا باعتقالهم، وكانت تتمة الخيانة قتل إمامهم في ميدان عام على يد بعض رجال الشرطة السريين..

وفي كل مرة كان يتم لإسرائيل التوسع في عامي ١٩٥٦، ١٩٦٧ كان يتم إدخال العنصر الإسلامي إلى السجون، ولا يمكن أن يكون هذا الأمر مع تكرره في أعوام ٤٨، 55، ٦٦ من قبيل المصادفات السعيدة!

 وتكشف وثيقة تضمنها حكم قضائي صدر في مصر في ٣٠-٣ -١٩٧٥ عما كانت تحمله السلطة الحاكمة وقت التوسع من عداء للإسلام والمسلمين وتخطيط للقضاء عليهم، كشفت ذلك وثائق لاحقة.

3- إقصاء الشعب الفلسطيني عن المعركة

- منذ ذاق الإنجليز ومن بعدهم اليهود بسالة الشعب الفلسطيني وتضحيته وتصميمه على الدفاع عن وطنه، وإذ عرفوا أنه صاحب المصلحة الأول في الدفاع عن التراب الإسلامي في القدس وفلسطين.. ومنذ ظهر منه أمثال الشهيد «عبد القادر الحسيني» قائد منطقة القدس والشهيد «حسن سلامة» قائد المنطقة الوسطى.. فقد قرروا إقصاءه عن المعركة.

- وكانت قمة التخطيط والتنفيذ إدخال سبعة جيوش عربية إلى فلسطين لتخوض المعركة مع اليهود «بالنيابة» عن الشعب الفلسطيني!

- وسبقها وعاصرها حرمان الشعب الفلسطيني من التدريب ومن التسليح وتشكيك الجيوش العربية في أمانة الشعب الفلسطيني، واتهامه بالعمل لحساب العدو اليهودي.

 وكنت أعجب كيف لجيش عربي يقوده إنجليزي صريح أن يخوض حربًا لصالح المسلمين وضد اليهود الذين ضمن لهم الإنجليز بالوعد والتخطيط والتنفيذ قيام وطن لهم في فلسطين؟ وكنت أعجب لجيش آخر؟ بل جيوش أخرى في بلاد يحتلها الإنجليز.. كيف سمحوا لها بالمرور إلى فلسطين...

حتى أدركت إن المطلوب هو إقصاء الشعب الفلسطيني عن المعركة..

وفعلا نجحت الخطة..

 وأقصي الشعب الفلسطيني عن المعركة..

وسلمت أراضي فلسطين جزءًا جزءًا.. من الجيوش العربية الباسلة إلى إسرائيل المزعومة. 

وبعد أن انتهت حرب فلسطين سنه ١٩٤٨ كان الشعب الفلسطيني قد تم إقصاؤه حربيًا من المعركة. 

  • وتم بعد ذلك إقصاؤه سياسيًا عنها.. فتحولت القضية أمام الأمم المتحدة إلى نزاع بين دول ذات سيادة... عربية وإسرائيلية.

وحين بدت بادرة ظهور العنصر الفلسطيني سنة ١٩٦٧.. تم حشد القادرين منهم فيما سمي بجيش التحرير الفلسطيني ليتم التهامهم في أول ضربة لليهود في يونيه سنة ١٩٦٧ وقامت جيوش أخرى بالواجب في القضاء على العنصر الفلسطيني الثائر... 

بعضها في مذبحة «أيلول الأسود» التي قتل فيها اثنان وعشرين ألفًا على يد جيش عربي..

 والبعض الآخر في مذابح تل الزعتر وما قبلها وما بعدها.. وتدخل جيش عربي ليتم النصر ويتوجه ويحميه.

  • حكم الخلافة في الشريعة الإسلامية

تظاهرت نصوص الكتاب والسنة وأقوال الصحابة وآراء الفقهاء على أن تأسيس الخلافة واجب على الكفاية فإن أدى هذا الواجب بعض المسلمين سقط عن الآخرين، وإن لم يقم به أحد أثم الجميع وهذا أمر مجمع عليه لم ينقل فيه خلاف كما يحكي الماوردي: 

«الخلافة موضوعة لخلافة النبوة... موضوعة لحراسة الدين والدنيا... وهي نظام واجب بالإجماع» 

ثم يقول: وذلك لأن أول اختصاص للخليفة حفظ الشرع... فتعيين الإمام حتم واجب على الجماعة الإسلامية، والقرآن يوصي بطاعة ولي الأمر وإذن فمصدر سلطة الإمام هو الله- تبارك وتعالى-».

«الخلافة والإمامة لعبد الكريم الخطيب نقلًا عن المقدمة لابن خلدون ص ۱۹۷».

ويؤيده ابن خلدون فيقول:

«فوجب بمقتضى الشرع حمل الكافة على مقتضى الأحكام الشرعية في أحوال دنياهم وآخرتهم... وكان هذا الحكم لأهل الشريعة، وهم الأنبياء ومن قام مقامهم وهم الخلفاء».

 «الخلافة والإمامة نقلًا عن المقدمة لابن خلدون ص ۱۷۹»

والحافظ ابن تيمية- رحمه الله تعالى- يقول:

«يجب أن يعرف أن ولاية الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا يقام الدين إلا بها»

«الخلافة والإمامة نقلًا عن السياسة الشرعية لابن تيمية- رحمه الله تعالى- ص ۷۷»

وما قاله ابن تيمية حق فالقرآن الحكيم صرح بأن الغرض من إرسال الرسل هو أن يقوم الناس بالقسط

فيقول الله- سبحانه وتعالى-: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ (الحديد: آية ٢٥) 

فهذه الآية الشريفة صريحة في أن قيام الناس بالقسط هو الغرض من إرسال الرسل وتنزيل الكتب والميزان معهم.

ولما كان القيام بالقسط لا يتم إلا بالقوة السياسية رمز الله- سبحانه وتعالى- إليها بالحديد وأشار إلى أنه هو الذي وضع هذه القوة في الحديد.

فقال سبحانه وتعالى:  ﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (الحديد: آية 2٥).

ثم بين الله- تعالى- في سورة الشورى أن إقامة الدين كان واجبًا على أولي العزم من الرسل: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ (الشورى: آية ١٣).

وخص الله عز وجل نبينا محمد- صلوات الله وسلامه عليه- بصفة كونه خاتم الأنبياء والمرسلين بأن بعثه لإظهار دين الحق على الدين كله فيقول- سبحانه وتعالى-:

﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (الصف: آية 9 والفتح).

وهناك نصوص من الكتاب والسنة كثيرة توجب على المسلمين لزوم الجماعة والسمع والطاعة وتصرح بأنه من مات وليس في عنقه بيعة إمام فقد مات ميتة الجاهلية.

وأما الذين يستدلون بآيات من القرآن الكريم على أن النبي- صلى الله عليه وسلم- لم يكن إلا داعيًا ومنذرًا ولم يكلف باستعمال القوة السياسية ويحتجون من الآيات الكريمة ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ ۖ (الرعد:7) ﴿ولَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ (الغاشية:22) و﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ (الكهف:29) وبأمثالها.

 فهم يضعون هذه الآيات الكريمة في غير محلها، فإنها وردت لتبين أن الإيمان والكفر من اختيار العباد وليس لأحد أن يكرههم على الايمان فيقول الله- سبحانه وتعالى-:

﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (يونس:99) فلا يجوز استعمال القوة لقهر الناس على الإيمان بالله ولا على أية عقيدة.

وأما إقامة القسط والعدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة حدود الله ودفع الفتن من أرض الله بالقتال في سبيل الله فهذه أمور لا تتم إلا بالقوة، إذن فمنصب الخليفة أو الإمام واجب ليتولى الإمام مهمة أداء هذه الواجبات نيابة عن المسلمين.

الرابط المختصر :