; بعد ثلاثة أسابيع من المداولات.. يصدر مجلس الأمن قرارًا هزيلًا | مجلة المجتمع

العنوان بعد ثلاثة أسابيع من المداولات.. يصدر مجلس الأمن قرارًا هزيلًا

الكاتب عاطف الجولاني

تاريخ النشر الثلاثاء 29-مارس-1994

مشاهدات 69

نشر في العدد 1093

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 29-مارس-1994

  • ·       قرار مجلس الأمن لا يساوي نقطة من دم شهيد واحد

    ·       المفاوضون يقبلون بكلمات هزيلة مقابل العودة لطاولة المساومات.. واليهود يخرجون منتصرين من قاعة مجلس الأمن.

    لم يفاجأ أحد بالقرار الهزيل الذي أصدره مجلس الأمن واكتفى فيه بإدانة مذبحة الخليل التي ارتكبها مستوطنون وجنود يهود في 25 من شهر فبراير وسقط خلالها عدد كبير من الشهداء والجرحى، فموقف مجلس الأمن المنحاز من القضايا العربية والإسلامية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وقضية البوسنة والهرسك لم يعد خافياً على أحد وبات من السهل توقع طبيعة القرارات التي تصدر بشأنها، وبنفس الدرجة كذلك لم يفاجأ المواطن العربي والمسلم بالقرار السريع والمتوقع للأطراف العربية المعنية، والتي بادرت إلى الإعلان الفوري عن موافقتها على استئناف المفاوضات فور صدور القرار، فالجميع كان يدرك منذ البداية أن إعلان تلك الأطراف عن مقاطعة المفاوضات بعد ارتكاب المذبحة لم يكن جاداً، وإنما كان تكتيكياً وهدفه تجاوز ردود الفعل القوية والغاضبة في العالم العربي والإسلامي.

    وقد سارع المسؤولون السوريون بالترحيب بالقرار فور صدوره واعتباره إيجابياً وأعلنوا استعدادهم لاستئناف المفاوضات بالتنسيق مع بقية الأطراف العربية، وفي الأردن صرح وزير الإعلام الأردني عقب جلسة لمجلس الوزراء بأن الحكومة تدارست القرار ووجدت أنه تضمن نقاطاً إيجابية وقال رداً على سؤال حول تأثير القرار على استئناف المفاوضات: «أعتقد بأن القرار يكفي لاستئناف المفاوضات العربية الإسرائيلية». أما قيادة منظمة التحرير فهي وإن علقت مفاوضاتها الرسمية مع الإسرائيليين فإن اللقاءات لم تنقطع بين قادتها وخاصة ياسر عرفات وبين مسؤولين إسرائيليين.

    ورغم ضعف الشروط التي طرحتها قيادة المنظمة لاستئناف المفاوضات وسقفها المتواضع، إلا أن تلك القيادة لم تتمسك بتلك الشروط والمطالب وسرعان ما بدأت بالتراجع عنها تدريجياً، فبعد أن كانت تطالب بإزالة المستوطنات ونزع سلاح المستوطنين، بدأت تطالب بنزع سلاح بعض المستوطنين في الخليل، ثم تنازلت إلى المطالبة باختفاء المستوطنين من شوارع الخليل، وبعد أن كانت تطالب بوجود قوات دولية لحماية الفلسطينيين، تنازلت إلى المطالبة بوجود دولي مؤقت كما نصت عليه اتفاقية غزة - أريحا، ويذكر أن ياسر عرفات كان قد وافق في نفس اليوم الذي ارتكبت فيه المذبحة على اللقاء مع رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين في واشنطن ولم يكن أمر تعليق المفاوضات وارداً لديه في ذلك الوقت، ولكنه تراجع عن ذلك بعد تزايد ردود الفعل الغاضبة ضد المفاوضات وضد قيادة المنظمة.

    وقد كشفت المداولات التي سبقت اتخاذ قرار مجلس الأمن حجم الانحياز الشديد في الموقف الأمريكي لصالح العدو الإسرائيلي، حيث عملت الإدارة الأمريكية على تأخير صدور القرار مدة طويلة لتضمن إمكانية اتخاذ قرار ضعيف دون إثارة المشاعر العربية والإسلامية الملتهبة والغاضبة، وقد امتنعت الولايات المتحدة عبر مندوبيتها الدائمة لدى الأمم المتحدة عن التصويت على فقرتين من فقرات القرار الذي تم التصويت على كل فقرة من فقراته على حدة لضمان عدم استخدام الولايات المتحدة لحق «الفيتو».

    وقد شكل امتناع الولايات المتحدة عن التصويت على الفقرتين تراجعاً عن المواقف الأمريكية السابقة، فقد رفضت الولايات المتحدة التصويت على فقرة نصت على «الأراضي الفلسطينية المحتلة» وفقرة أخرى تضمنت الإشارة إلى القدس كجزء من الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967 م، وقد بررت المندوبة الأمريكية الامتناع عن التصويت على الفقرتين بقولها: «إن الولايات المتحدة لا تؤيد وصف الأراضي التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1967 م بأنها أراضٍ فلسطينية محتلة». ويعد هذا الموقف الأمريكي الجديد من القدس والأراضي الفلسطينية المحتلة واعتبارها أراضي متنازعاً عليها تراجعاً أمريكياً عن رسائل الدعوة التي انعقد على أساسها مؤتمر مدريد، وقد وصف وزير الخارجية الإسرائيلي شمعون بيريز الموقف الأمريكي الجديد من القدس بأنه «تغيير إيجابي» وقال: «في الماضي صوتت الولايات المتحدة على قرارات تشير إلى القدس كأرض محتلة، إن موقفها الحالي يشكل تغييراً إيجابياً». ورغم الانحياز الواضح في الموقف الأمريكي فإن 88 عضواً في مجلس الشيوخ الأمريكي من أصل 100، قد طالبوا الإدارة الأمريكية بضرورة استخدام حق النقض «الفيتو» ضد القرار، وهذا يكشف مدى تغلغل اللوبي الإسرائيلي في الإدارة الأمريكية الحالية.

    أبرز الملاحظات على القرار:

    عبر القرار رقم 904 الذي أصدره مجلس الأمن بخصوص مذبحة الخليل عن قلقه البالغ إزاء الخسائر في الأرواح بين الفلسطينيين نتيجة المذبحة واحتمالات تأثيرها على المفاوضات، وأدان القرار المذبحة وطالب إسرائيل بمواصلة اتخاذ تدابير تضمن سلامة وحماية المدنيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها توفير وجود دولي أو أجنبي مؤقت وهو الأمر المنصوص عليه في إعلان المبادئ، كما أكد المجلس دعمه للعملية السلمية الجارية ودعا راعيي المفاوضات إلى مواصلة جهودهما من أجل إنعاشها، ولكن أبرز الملاحظات على القرار:

    • تأخر صدور القرار 22 يوماً بعد ارتكاب المذبحة، مما أفقده صفة الأهمية والاستعجال، وكان الهدف من ذلك تهدئة الخواطر تمهيداً لإصدار قرار ضعيف.
    • أدان القرار المذبحة ولم يقم بإدانة الحكومة الإسرائيلية رغم أنها الجهة المسؤولة عن أمن الفلسطينيين.
    • تحدث القرار عن تدابير من بينها مصادرة الأسلحة دون أن يلزم إسرائيل بشيء محدد يضمن إنهاء خطر المستوطنين.
    • ورد الحديث عن الوجود الدولي أو الأجنبي المؤقت كما هو منصوص عليه في اتفاقية المبادئ «غزة - أريحا» وهذا يعني أن الوجود الذي تحدث عنه القرار لا علاقة له بالمذبحة، وإنما هو نتيجة اتفاق المبادئ.
    • لم يتطرق القرار لقضية رفع الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع منذ ارتكاب المذبحة، وهو الإجراء التعسفي الذي اتخذته السلطات الإسرائيلية لمعاقبة الضحية ومكافأة المستوطنين المعتدين الذين يتمتعون بالحرية الكاملة في التنقل تحت حماية الجيش.

    وباختصار فقد جاء القرار منسجماً تماماً مع الرغبة الأمريكية الإسرائيلية، وتم تفريغه من أية مضامين قد تكون في صالح الطرف الفلسطيني ولم يتضمن عنصراً جديداً يمكن الإشارة إليه، وقد اعتبرت حركة المقاومة الإسلامية حماس الموقف الأمريكي المؤيد للكيان الصهيوني في القرار انحيازاً سافراً للموقف الصهيوني، وقالت في بيان أصدرته عن مكتبها الإعلامي إنها لم تكن تتوقع من مجلس الأمن شيئاً أفضل من الذي قدمه بعد أن أصبح مطية للولايات المتحدة تستخدمها لتنفيذ مصالحها ومصالح حلفائها وأهمهم الكيان الصهيوني.

    كما أعلن الناطق الرسمي لحركة حماس إبراهيم غوشة رفض الحركة للقرار رقم 904 باعتباره «قاصراً وناقصاً» وعبر عن خيبة أمل الحركة في موقف الأطراف العربية التي لم تستجب لمطالب الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات ومطالب الأمة العربية والإسلامية بالخروج من المفاوضات، وقد اعتبرت الحركة موافقة المنظمة على العودة للمفاوضات استخفافاً بدماء الشهداء وخروجاً عن إرادة الشعب.

    وفي تصريح لمجلة المجتمع قال ممثل حركة حماس في الأردن محمد نزال: «أصبحنا نشعر بأن مجلس الأمن والهيئات الدولية تتعامل مع القضايا العربية والإسلامية بشكل مغاير عن بقية القضايا، فالقرارات لا تصدر لصالح قضايانا، وإن صدرت فإنها لا تطبق أو يتم التراجع عنها، كما حدث لعشرات القرارات التي صدرت بحق فلسطين والبوسنة، في حين أن القرارات التي تصدر بحق الدول العربية والإسلامية تنفذ بصرامة وسرعة».


    مسؤول حماس يجيب على سؤال «المجتمع»:

    لماذا تقوم حماس بتصفية العملاء؟ وحقيقة تصفية العميل أبو لافي:

    • العميل يعترف بأنه تم تجنيده عام 86 وشارك في 20 طلعة مع قوات الاحتلال و3 مع القوات الخاصة وأطلق النار على شباب الانتفاضة.

    القدس المحتلة: خاص للمجتمع:

    تشكل ظاهرة العملاء المتعاونين مع المخابرات الإسرائيلية أحد التحديات الخطيرة التي تواجه الانتفاضة الفلسطينية وتهدد حياة الكوادر العسكرية المجاهدة ضد الاحتلال، ورغم العدد الكبير الذي تم تصفيته من العملاء على أيدي الأجهزة العسكرية للتنظيمات الفلسطينية، إلا أن عدداً لا يستهان به ما يزال متورطاً في التعامل مع العدو والذي يشمل تزويده بمعلومات استخبارية عن نشطاء الانتفاضة والمطلوبين وكذلك إسقاط وتجنيد عملاء جدد في صفوف الشعب الفلسطيني، ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد بل إن العملاء يشاركون قوات الجيش الإسرائيلي والوحدات الخاصة في عملية ملاحقة النشطاء الفلسطينيين وإطلاق النار عليهم.

    العميل أبو لافي كان أحد العملاء الخطرين:

    وعلى هذه الخلفية نشأت أزمة قبل أسبوعين بين حركة المقاومة الإسلامية حماس والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بزعامة نايف حواتمة، حيث أعلنت الحركة مسؤوليتها عن تصفية العميل يوسف أبو لافي «27 عاماً» عبر بيان أصدرته كتائب الشهيد عز الدين القسام في 20/2/1994. فيما أعلنت الجبهة الديمقراطية أن «أبو لافي» أحد قادتها العسكريين داخل الأراضي المحتلة واعتبرته شهيداً وهددت بالانتقام لمقتله.

    ولمتابعة تفصيلات وتطورات الأزمة بين حماس والديمقراطية توجهت مجلة «المجتمع» إلى مصادر حركة حماس للاطلاع على حقيقة الأمر حيث أكد أحد مسؤولي الحركة مسؤولية حماس عن تصفية العميل «أبو لافي» وقال إنه كان أحد العملاء الخطرين.

    وأضاف: لقد قامت كتائب القسام بمتابعة العميل وبعد أن تأكد لها تورطه في التعاون مع العدو الإسرائيلي قامت باختطافه والتحقيق معه، حيث اعترف وبدون إكراه بأنه عميل لسلطات الاحتلال، وبأنه قد تم تجنيده عام 1986 وشارك في 20 طلعة مع قوات الاحتلال و3 طلعات مع القوات الإسرائيلية الخاصة، وأنه أطلق النار على شباب الانتفاضة وأصاب عدداً منهم، كذلك اعترف العميل بأنه قام بتشكيل خلية النجم الأحمر التابع للجبهة الديمقراطية في قطاع غزة للتغطية على عملياته وأنه قام بتجنيد اثنين آخرين من أعضاء الجبهة لصالح قوات الاحتلال.

    قمنا بكشف الحقائق لفضح ادعاءات الجبهة الديمقراطية:

    وأضاف المسؤول في حماس أن الحركة أرادت تجنب ذكر الفصيل الذي ينتمي إليه العميل المذكور، ولكن تصعيد الجبهة الديمقراطية وإصرارها على تأزيم الموقف دفعنا للكشف عن الحقائق، حيث قامت الحركة بتوزيع أشرطة فيديو تتضمن الاعترافات الكاملة للعميل.

    وحول تفسيره لإصرار الجبهة الديمقراطية على اعتبار «أبو لافي» شهيداً وإنكار عمالته رغم الاعترافات الواضحة، قال المسؤول في الحركة: «لقد وضعت الجبهة الديمقراطية نفسها في موقف حرج لا تستطيع التراجع عنه، فهي تخشى أن يؤثر ذلك على أوضاعها التنظيمية المترهلة داخل الأراضي المحتلة لذلك فهي تجد نفسها مضطرة للعناد والدفاع عن عميل تدرك أنه يستحق القتل».

    وأضاف: لقد قمنا بإبلاغ جميع الفصائل المشاركة في تحالف القوى الفلسطينية بكافة التفصيلات كما قمنا بتزويدهم بنسخ من أشرطة الفيديو التي تكشف اعترافات العميل. لقد كان بإمكاننا أن نقتل العميل دون أن نعلن مسؤوليتنا عن الحادث، ولكننا نرفض التعامل بهذا الأسلوب، فقد أعلنا قبل عامين مسؤوليتنا عن قتل فلسطيني بالخطأ وقمنا بدفع الدية لعائلته، رغم أنه كان بإمكاننا السكوت وتجاوز الموضوع، إن مصداقيتنا وأخلاقنا المستمدة من عقيدتنا الإسلامية تمنعنا من التعامل بالأساليب التي قد يتعامل بها البعض.

    حريصون على التعاون ونرفض الانجرار إلى المهاترات مع أي طرف:

    وحول الانعكاسات المتوقعة للحادث على العلاقة بين حماس والديمقراطية قال المسؤول في حماس: «نحن حريصون على أن تكون علاقاتنا ودية وطيبة مع جميع القوى والتنظيمات الفلسطينية، وقد رفضنا مراراً الانجرار إلى المهاترات مع أي طرف فلسطيني، ولكن لابد لي أن أشير هنا إلى أن الجبهة الديمقراطية تحديداً قد قامت خلال الشهور القليلة الماضية بتبني عدد من العمليات الجهادية التي نفذتها كتائب القسام ورغم محاولاتنا المتكررة لإقناعهم بالكف عن هذا الأسلوب المبتذل إلا أنهم ما يزالون يصرون على ذلك وبشكل مكشوف، فالعمليات التي نفذناها وتبنتها الجبهة الديمقراطية أعلن الجيش الإسرائيلي نفسه أن حركة حماس هي المسؤولة عنها، وأنها تركت بيانات باسمها في مواقع العمليات تؤكد أنها هي التي نفذتها».

    وأضاف: «إن ظاهرة العملاء ظاهرة مقلقة حيث يقف هؤلاء الخونة الذين أعتبرهم أخطر من ضباط المخابرات الإسرائيلية وراء قتل عدد من أبطال الانتفاضة ومنهم الشهيد عماد عقل أحد أبطال القسام».

     

الرابط المختصر :