; اعتقال د. موسى أبو مرزوق في أمريكا.. محاولة إسرائيلية لإجهاض توجه «حماس» السياسي؟ | مجلة المجتمع

العنوان اعتقال د. موسى أبو مرزوق في أمريكا.. محاولة إسرائيلية لإجهاض توجه «حماس» السياسي؟

الكاتب مراسلو المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 08-أغسطس-1995

مشاهدات 133

نشر في العدد 1161

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 08-أغسطس-1995

إسرائيل لن تطالب بتسليمه؛ خوفًا من انتفاضة جديدة، والولايات الأمريكية تكتفي بطلب ترحيله لعدم وجود أدلة ضده

كان من الطبيعي أن يثير اعتقال الدكتور موسى أبو مرزوق - رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية «حماس» -، عقب وصوله الأسبوع الماضي إلى الولايات المتحدة كثيرًا من ردود الفعل العربية والعالمية، فشخص بحجم أبو مرزوق وجماعة بحجم «حماس» لا بد أن تثير اهتمام العالم لارتباطهما -الشخص والجماعة- بقضية القرن.. القضية الفلسطينية.

لقد تمت عملية الاعتقال أثناء دخول د. أبو مرزوق الولايات المتحدة من مطار كيندي بنيويورك الثلاثاء قبل الماضي بدعوى أن اسمه كان مدرجًا على قائمة الإرهابيين، وفيما بعد أعلن بوليس الهجرة والجنسية والمسئولين في الإدارة الأمريكية أنهم ليس لديهم أدلة على اشتراكه فيما يطلقون عليه عمليات إرهابية ضد المدنيين داخل إسرائيل، وأن من الصعب إثبات ذلك، وهي نفس المشكلة التي تواجه سلطات الاحتلال الإسرائيلي في طلبها تسليم أبو مرزوق لها.

والسؤال الذي طرح نفسه في أوساط المراقبين في واشنطن، وتردد في الصحافة الأمريكية هو: هل معنى أن تكون مسئولًا سياسيًّا لجماعة تستهدف تحرير أرضها من الاحتلال بكل الوسائل المشروعة والممكنة أن تلصق بك صفة «الإرهابي»؟.

في هذا الإطار جاءت تصريحات ستانلي كوهين - محامي أبو مرزوق - الذي قال: «إن "أبو مرزوق" ليس له من تهمة سوى أنه من مؤيدي حركة حماس، ولم يرتكب من قريب أو بعيد أية جريمة إرهابية سواء داخل أو خارج الولايات المتحدة»، وأضاف: «إن د. أبو مرزوق لم يسبق له أن أنكر تأييده للحركة مثله مثل مئات الآلاف من الفلسطينيين والملايين من العرب والمسلمين»، وأكد كوهين أن حماس ليست كما تعتقد الولايات المتحدة حركة إرهابية، فهي تنشئ وتدير المدارس والمستشفيات والمساجد في الأراضي العربية المحتلة، ووصف كوهين د. أبو مرزوق بأنه رجل أعمال ناجح.

دور إسرائيل القذر:

منذ اللحظة الأولى للقبض على د. أبو مرزوق اتضح بجلاء الدور الإسرائيلي في العملية، فهي كما تبين من تصريحات المسئولين الأمريكيين عن الهجرة والجنسية كانت وراء وضع اسم أبو مرزوق على قائمة الإرهابيين، وهذا ما أكدته كارول فلورمان الناطقة بلسان إدارة الهجرة والجنسية الأمريكية بقولها: «لقد تلقينا مؤخرًا طلبًا بإدراج اسم د. أبو مرزوق على قائمة الإرهابيين»، وإن كانت لم تفصح عن اسم الدولة أو الجهة التي طلبت ذلك، فإن هناك إجماعًا من قبل المراقبين على أن الطلب كان إسرائيليًّا رغم أن د. أبو مرزوق -كما تؤكد مصادر إسرائيلية- لا يواجه أية اتهامات محددة داخل إسرائيل، وانتهازًا للفرصة بادر رئيس الوزراء الإسرائيلي بإظهار رغبة إسرائيل غير الحقيقية لتسليم أبو مرزوق إليها، وهو يعلم تماما أن هذا الأمر قد لا يكون ممكنا رغم وجود اتفاقية بين الطرفين لتبادل «المجرمين»، على أساس أن د. أبو مرزوق بعد أمام القانون الأمريكي مواطنًا أمريكيًّا بموجب حصوله في عام 1990م على حق الإقامة والعمل في الولايات المتحدة «الجرين كارد»، كما أنه يدرك أنه ليس هناك اتهامات محددة سواء أمريكية أو إسرائيلية للرجل يمكن على أساسها طلب تسليمه.

رأي رابين:

من جانب آخر فإن رابين -بحسه اليهودي- يدرك تمامًا المشكلات، التي يمكن أن يثيرها وصول أبو مرزوق إلى إسرائيل، خاصة بعد أن حذرت حماس الولايات المتحدة من تحمل ما قد يترتب على عملية تسليمه إلى سلطات الاحتلال من نتائج على جميع الأصعدة، وبالتالي فإن الهدف الإسرائيلي من المطالبة الشكلية بتسليم أبو مرزوق هو إلقاء مزيد من الشكوك حول الرجل، وإيجاد ذريعة للسلطات الأمريكية لاحتجازه ومحاكمته أو على الأقل لطرده من البلاد، وعلى المدى الطويل استمرار إدراج اسم حماس كمنظمة إرهابية، ولعل هذا ما يضطلع به حاليًا بعض أصدقاء إسرائيل المخلصين في الإعلام الأمريكي مثل الصحفي ستيفين أميرسون المعروف بعدائه الشديد للعرب والمسلمين، ومارتن كرامر الأستاذ الإسرائيلي الزائر بجامعة جورج تاون، عن طريق ربط حماس بإيران، ويستطيع المراقب أن يلحظ أن إسرائيل غير راغبة بالمرة في تسلم الرجل؛ لأنها تعلم تمامًا ما قد يجره هذا الأمر من أعمال عنف داخل إسرائيل نفسها، قد تفجر انتفاضة جديدة، وهذا عبر عنه رابين بقوله: «إننا نريد في حالة عدم تسليمه إلينا أن تتم محاكمته وفقا للقانون الأمريكي الخاص بالإرهاب، والأمر التنفيذي للرئيس كلينتون الصادر في يناير الماضي، والذي اعتبر حركة حماس حركة إرهابية».

فلسطين.. المحطة القادمة: نأتي بعد ذلك إلى الموقف الفلسطيني في هذا الإطار، فإن حماس وهي تؤكد ارتباط الرجل بها، طالبت الولايات المتحدة بالإفراج عن د. أبو مرزوق دون قيد أو شرط، وحملت الإدارة الأمريكية مسئولية ما قد يتعرض له داخل المعتقل أو بعد ترحيله من متاعب، كما طالبتها بعدم الرضوخ للضغوط الإسرائيلية وتسليمه إلى سلطات الاحتلال الصهيوني، وكان من أهم النقاط التي أبرزتها حماس أنها لم تهاجم من قبل أي أهداف أو مصالح أمريكية، وأن كل عملها ينصب على مقاومة الاحتلال، أما السلطة الوطنية الفلسطينية فقد عبرت عن معارضتها لهذه الخطوة، وقال مروان كنفاني -المتحدث باسم الرئيس ياسر عرفات-: «إن الشيء الوحيد الذي يمكن قبول اعتقال أبو مرزوق من أجله هو أن يكون قد انتهك قوانين الهجرة الأمريكية»، وهذا لم يحدث إطلاقًا، ونحن لا نقبل اعتقال الرجل؛ بسبب آرائه السياسية، والإيجابي هنا أن السلطة الفلسطينية عرضت قبول أبو مرزوق في حالة ترحيله من الولايات المتحدة.

لقد بدأت سلطات الهجرة والجنسية إجراءات المطالبة عبر المحكمة بترحيل د. أبو مرزوق خارج البلاد، ومنعه من دخول الولايات المتحدة استنادًا إلى فقرتين من قانون الهجرة، هما: ترحيل أي أجنبي يشارك في أنشطة إرهابية، أو يعتقد ضباط الهجرة أو المدعي العام أنه سيرتكب أعمال إرهابية داخل الولايات المتحدة.

الإقامة الشرعية:

والحقيقة أن كلا النصين لا ينطبقان على حالة د. أبو مرزوق، فهو يملك إقامة شرعية في الولايات المتحدة منذ عام 1990م، ويحق له الحصول على الجنسية الأمريكية بعد أن أمضى خمس سنوات حاملًا لـ «الجرين كارد»، كما أن أربعة من أولاده أمريكيون بالمولد، إلى جانب ذلك فإن الأمريكيين والإسرائيليين -كما يتضح من تصريحاتهم- ليس لديهم أية أدلة على اشتراكه في عمليات إرهابية، أما فيما يتعلق بالنص الثاني فإنه إلى جانب كونه نصًّا افتراضيًّا فإنه ليس هناك ما يدعمه، خاصة وأن حماس لم يسبق لها أن نفذت أي أعمال فدائية ضد المصالح الأمريكية سواء في الداخل أو في الخارج، والصعوبة التي يواجهها الادعاء الأمريكي في القضية هي كيف سيثبت للقضاة أن «أبو مرزوق» إرهابي دون أن يكون هناك أي أعمال إرهابية قد ارتكبت من جانب حماس داخل الولايات المتحدة أو ضد مصالح أمريكية في الخارج، والواضح كما تقول مصادر قضائية في واشنطن: إن المحاكمة ستكون لآراء وأفكار الرجل، التي تدور حول ثلاثة محاور هي:

1 - اتباع الوسائل السلمية في معارضة السلطة الوطنية الفلسطينية؛ للمحافظة على الوحدة الوطنية الفلسطينية.

2 - معارضة اتفاق أوسلو وما ترتب عنه من اتفاقيات تالية كاتفاق القاهرة على أساس أن كل هذه الاتفاقات لا تلبي الطموحات الفلسطينية في حدها الأدنى، وتجعل من السلطة الوطنية ألعوبة في يد سلطات الاحتلال.

3 - انتهاج العمل العسكري كإستراتيجية ثابتة لا تتغير المقاومة الاحتلال وتحرير الأرض، ورهن أساليبه - أي أساليب العمل العسكري - وتكتيكاته وأدواته وتوقيته بالمصلحة، وتغييرها من وقت لآخر بهدف إيقاع أكبر قدر من الضرر بالاحتلال.

4 - إن العمل العسكري الحماس لن يكون يومًا موجهًا لغير الاحتلال.

لماذا الآن؟

إن الضربة الأمريكية لحماس باعتقال د. أبو مرزوق جاءت في غير موعدها تمامًا وجانبها الصواب لأكثر من سبب، فقد وجهت إلى الجناح السياسي في الحركة، الذي طور موقفه كثيرًا في البرنامج السياسي للحركة، الذي يصفه المراقبون بأنه أكثر مرونة وواقعية من طرح حماس السابق، ويتضمن تحركًا سياسيًّا، ودعوة للانتخابات، ومطالبة بتحسين ظروف التفاوض مع إسرائيل، وربط حجم المقاومة المسلحة للاحتلال بمدى التزام وتقيد إسرائيل واستعدادها للانسحاب من المناطق وجديتها في وقف حركة الاستيطان في الأراضي المحتلة، وتفكيك المستوطنات القائمة، وكلها تطورات كان على الإدارة الأمريكية تشجيعها لا إجهاضها بهذه العملية التي لا تخدم أحدًا حتى الإسرائيليين أنفسهم.

إن الأسئلة العديدة التي يثيرها اعتقال أبو مرزوق في هذا التوقيت بالذات تطرح اعتقادًا بأن هناك توجهًا إسرائيليًّا لإجهاض التوجهات السياسية لحماس، حتى تبقى صورتها لدى صانع القرار الأمريكي صورة جماعة إرهابية يجب مطاردتها في كل مكان وفقًا لقانون الإرهاب الأمريكي الجديد، وسواء بقي أبو مرزوق في الولايات المتحدة كمواطن أمريكي، أو عاد للأراضي المحتلة كمواطن فلسطيني، أو استقر به المقام في الإمارات كمواطن عربي، فإنه سيبقى رئيسًا للمكتب والبشر السياسي لحركة حماس، التي تحمل وحدها الآن أمانة مقاومة المحتل وتحرير الأرض والبشر.

الرابط المختصر :