; فلسطين المحتلة .. الصحافة الأمريكية تتحدث عن: التخبط والفوضى والفساد في سلطة عرفات | مجلة المجتمع

العنوان فلسطين المحتلة .. الصحافة الأمريكية تتحدث عن: التخبط والفوضى والفساد في سلطة عرفات

الكاتب محمد دلبح

تاريخ النشر الثلاثاء 28-مارس-1995

مشاهدات 159

نشر في العدد 1143

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 28-مارس-1995

·       عملاء الموساد يتحولون إلى مستشارين اقتصاديين لياسر عرفات

·       الإنجاز البارز لعرفات هو إنشاء ستة أجهزة للأمن في غزة

نشرت الصحافة الأمريكية مؤخرا سلسلة من التقارير الإخبارية والتحليلية عن الأوضاع في منطقة الحكم الذاتي في غزة وأريحا التي تتولى إدارتها السلطة الفلسطينية التي يترأسها ياسر عرفات.. واللافت للنظر أن تلك التقارير أوضحت أن الوضع هناك يتسم بالتخبط وضياع المسؤولية، فالكل هناك مسؤول، وفي نفس الوقت يتنصل من المسؤولية بحيث إن المواطن الفلسطيني الذي اعتاد خلال فترة الاحتلال الإسرائيلي المباشر لغزة وأريحا طوال 27 عاما لم يعد يدري هذا المواطن- بعد ثمانية أشهر من تسلم عرفات السلطة- أين يقع مصدر القرار الإداري لتسيير معاملاته.

ويقول أحد هذه التقارير: على سبيل المثال إن وكيل توزيع لصحف أجنبية ودولية في غزة منذ فترة الاحتلال الإسرائيلي لم يعد الآن يعمل في هذا المجال، والسبب في ذلك كما يقول «الآن أحتاج إلى تصريح، لكن ليس هناك أحد يمكنه إرشادي من أين أحصل عليه، وقد طلبت مني سكرتيرة لعرفات تقديم طلب، وعندما سألتها ما إذا كانت تستطيع أن تخبرني من أين أحصل على التصريح، كان جوابها أنها لا تعرف».

وطبقا لتلك التقارير فإنه بالرغم من أن عرفات يسير الأمور بدعوى أن لديه خططا لتنظيم انتخابات وتوسيع الحكم الذاتي ليشمل الضفة الغربية، فإن الفلسطينيين يستعيدون دروس الشهور الثمانية من حكم السلطة الفلسطينية في غزة وأريحا، والدرس الأساسي كما يقول منصور الشوا الرئيس السابق لبلدية غزة هو أنه «ينبغي إرغام عرفات على السير في طريق محدد، إنه لا يستطيع أن يحكم بنفس الطريقة التي كان يقوم بها في لبنان وتونس».

قرارات واعتقالات تعسفية

وتمضي تلك التقارير إلى القول إنه لا أحد في غزة قد فكر أن إقامة حكومة سيكون أمرا سهلا، وخاصة أن غزة تعاني من دمار في البنى التحتية وكثافة سكانية هائلة وأكثر من 55 بالمائة من القوة العاملة عاطلة عن العمل، وتفتقد لأي مصدر دخل، ولكن مع بدء تسلم سلطة عرفات صلاحيات سلطة الاحتلال الإسرائيلي السابقة فإن رجال الأعمال يقولون بأن الأمر أصبح بالنسبة لهم أكثر صعوبة، والصحفيون الذين كانوا يخضعون للرقابة أثناء الاحتلال الإسرائيلي المباشر يواجهون الآن الإغلاق، ومنظمات حقوق الإنسان بدأت تدين الاعتقالات التعسفية التي تمارسها الشرطة الفلسطينية إلى حد أنها قامت باعتقال أحد أبرز النشطاء الفلسطينيين في الدفاع عن حقوق الإنسان، المحامي راجي الصوراني الذي سبق اعتقاله من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي وكانت منظمة رصد حقوق الإنسان في الشرق الأوسط منحته قبل ثلاثة أعوام جائزتها التقديرية.

ويخشى العديد من الفلسطينيين أن يعمل عرفات على خلق صورة أكثر مسخًا للأنظمة العربية الشمولية في المنطقة.. وهي الشكل الوحيد من الأنظمة التي عرفها عرفات واحتك بها.

وقد تزامنت هذه المشاعر مع تشدد وتصلب سلطات الاحتلال الإسرائيلي في تعاملها مع عرفات ومماطلتها في تنفيذ بنود اتفاق الحكم الذاتي، بل في تشددها في تفسير تلك البنود لجهة الطلب من عرفات للقيام بالمهام التي ينص عليها اتفاق أوسلو بشأن توفير الأمن لـ«إسرائيل» الأمر الذي يتطلب قمع وضرب ونزع سلاح القوى الفلسطينية في غزة المناهضة للصلح مع «إسرائيل»، وخاصة تلك التي تقوم بعمليات عسكرية فدائية ضد أهداف إسرائيلية، وكما تقول الصحافة الأمريكية فإن قرار عرفات بتشكيل محكمة أمن دولة في غزة لمحاكمة منفذي العمليات العسكرية ضد أهداف إسرائيلية يؤكد تلك المخاوف.

خيبة رجال الأعمال

ولا يقتصر الأمر على خيبة سكان غزة فقط إزاء المصاعب التي يواجهها الناس تحت السلطة الفلسطينية، بل يمتد الوضع ليشمل رجال الأعمال والمستثمرين الذين يرغبون في إقامة بعض المشاريع الاقتصادية في غزة وأريحا، حيث تراجعوا بسبب الافتقار إلى إطار عمل قانوني يحمي استثماراتهم، إذ إن غزة تعتمد في اقتصادها على التعامل النقدي، وليس هناك قوانين للضرائب، أو للاستثمارات البنكية، كما لا توجد سلطة نقد، أو آلية لجمع الدفعات المتأخرة للقروض البنكية، وقد أصبح جو العمل الاقتصادي في غزة تحت سلطة عرفات أكثر سوءا.

وتقول تقارير الصحافة الأمريكية: إن السلطة الفلسطينية قامت بمنح شركة إسرائيلية حقوقا خاصة لا ينازعها أحد لتوريد الأسمنت وحديد البناء إلى غزة، كما منحت شركة إسرائيلية أخرى حقوق توريد النفط إلى غزة، وقد قام عرفات بذلك دون علم مسؤول الاقتصاد في سلطته أحمد قريع « أبو علاء».

السماسرة

وربما كان التقرير المطول الذي نشرته صحيفة وول ستريت جورنال على صدر صحيفتها الأولى يوم الثاني من شهر فبراير 1995 يتضمن معلومات أكثر وضوحا وتفصيلا عن الوسطاء الذين يديرون أعمال عرفات لجهة الصفقات الاقتصادية والتجارية لسلطة الحكم الذاتي بعيدا عن وزرائه ذوي الاختصاص، وتقول الصحيفة: إن ما يميز هؤلاء الوسطاء ليس أنهم غير فلسطينيين فقط بل إن بعضهم من اليهود الإسرائيليين وبعضهم سبق أن عمل في جهاز الاستخبارات الإسرائيلية الخارجية المعروف باسم «الموساد» أو من الذين تعاونوا معه ومن بين هؤلاء الوسطاء بيير رزق الذي عمل رئيسا لجهاز الاستخبارات التابع للقوات اللبنانية الانعزالية والذي كان يتعامل بشكل مباشر مع الموساد وجهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، أما الثاني فهو جبرائيل بانون وهو إسرائيلي مغربي المولد معروف بعلاقاته مع الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، ويقيم الاثنان حاليا في باريس، وتقول الصحيفة إن الاثنين يلعبان دورا مهما في صياغة قرارات عرفات الاقتصادية والسياسية أيضا، ونسبت الصحيفة إلى ويليام بينزلر محامي بانون قوله إن مسؤولين إسرائيليين ممن يرتبط معهم بانون بعلاقات وثيقة لعبوا دورا في تشجيعه على العمل مع عرفات في شهر نوفمبر 1993، ومنذ ذلك الحين برز بانون كواحد من أهم مساعدي عرفات الاقتصاديين.

وكان دور كل من رزق، وبانون قد برز بعد انكشاف ما يقال إنه فضيحة صفقة شبكة الهاتف التي تنوي السلطة الفلسطينية تركيبها في غزة حيث نصح بيير رزق؛ عرفات بأن يرسي الصفقة على شركة آي تي آي (ITI) التي تتخذ من ضاحية ماكلين قرب واشنطن مقرا لها، وقد تبين أن رئيس تلك الشركة هو نزار دلول ابن وزير الدفاع اللبناني محسن دلول، وزوج ابنة رئيس الحكومة اللبنانية رفيق الحريري، وتقول الصحيفة إن العلاقات بين عرفات، ورزق تعود إلى عام 1981 عندما طلب منه عرفات فتح قناة اتصال دبلوماسية مع الإسرائيليين لتجنب قيامهم بغزو لبنان الذي تم فيما بعد في يونيو 1982، وبعد أن تسلم رزق مسؤولية استخبارات القوات اللبنانية عام 1985 عمل مع عرفات ضد الفصائل الفلسطينية المتحالفة مع سوريا في المخيمات الفلسطينية في لبنان ونسبت الوول ستريت جورنال إلى بيير رزق قوله لقد وجدنا أرضية مشتركة، وقد طورنا علاقات ثنائية نشطة جدا».

شبكة الهاتف

وتقول الصحيفة: إن عرفات أخذ بنصيحة رزق ووقع عقد صفقة الهاتف في تونس في الثالث من أكتوبر 1993 مع شركة آي تي آي مفضلا إياها على شركتي «إيه تي آند تي (AT&T) و«إم سي آي»(MCI) التي يصفها السكرتير التنفيذي للشركة دينيس سكوناكر بأنها تمنح الحقوق الخاصة.. لبناء وتشغيل واستغلال شبكة الاتصالات المحلية والدولية في غزة والضفة الغربية لمدة 25 عاما، وينص الاتفاق على منح الشركة حرية الوصول إلى كافة الأموال والمنح والمساعدات الخاصة بالاتصالات التي تقدم للسلطة الفلسطينية أو للحكومات التالية وأن تكون متوفرة لشركة آي تي آي بدون أي تكاليف وقد جاء توقيع العقد بعد عشرين يوما فقط من توقيع اتفاق الحكم الذاتي بواشنطن.

جهاز اقتصادي جديد

وقد أوكل إلى بانون مسؤولية جهاز جديد قام بإنشائه باسم مؤسسة مستشاري سياسة الإستراتيجية والتنمية ومهمتها صياغة وتنفيذ سياسة صناعية باستخدام موارد وتمويل خاص وعام، ويرى بعض المسؤولين الأمريكيين والفلسطينيين في تلك المؤسسة نهاية للمجلس الاقتصادي الفلسطيني للتنمية والإعمار (بكدار) المخول من البنك الدولي في محاولة لحماية الدول المانحة بوضع قيود على تعاملات عرفات المالية.

وتقول الصحيفة: إن بانون بعث إلى عرفات بمذكرة في 11 إبريل 1994 أشار فيها إلى أن تشكيل تلك المؤسسة التي يترأسها مصممة لكي تمنحه (عرفات) استقلالية بعيدا عن مطالب البنك الدولي حتى لا يكون المجلس الاقتصادي الفلسطيني للتنمية والإعمار أداة إرهاب من قبل البنك (الدولي).

وقد عقد مؤخرا اجتماع صاخب في الغرفة التجارية في غزة حيث أعرب التجار عن استنكارهم للصفقات التي تعقدها السلطة الفلسطينية وهاجموا مسؤولي السلطة حول ذلك، ونسبت مجلة «يو إس نيوز آند وورلد ريبورت» إلى أحد متعهدي البناء الأغنياء في غزة قوله: «لقد خسرنا المنافسة التجارية»!

وقد طلب عدم الإفصاح عن هويته حتى لا يتعرض لانتقام السلطة الفلسطينية بأن تحرمه من المناقصات التجارية التي تتولى عرضها، وربما كان أوضح وصف لحالة التخبط والمزاجية التي تتميز بها قرارات عرفات هو ما نقلته صحيفة وول ستريت جورنال عن الاقتصادي الفلسطيني سمير البرغوثي عندما قال: يوما ما، ستأتي مجموعة من رجال الأعمال إلى عرفات لتعرض منتجها وسيقول لهم بأن ينفذوا ذلك، وفي اليوم التالي ستأتي مجموعة أخرى إليه وتقول بأن لديهم سعرا أفضل، ربما لنفس المنتج، وسوف يقول لهم بأن ينفذوا ذلك. ويضيف البرغوثي موضحا: ولا أحد يعرف أين تتم صياغة السياسة الاقتصادية، ولا أحد يدري ما الذي يجري، وفي الواقع ليس هناك من شيء قد أنجزه.

ولا يقتصر هذا السلوك التعسفي والاعتباطي للسلطة الفلسطينية في تعاملها مع رجال الأعمال عند هذا الحد، بل يمتد بحيث يمكن لأي مواطن عادي في غزة أن يلمسه لدى تعامله معها، فالغزيون لدى وصولهم إلى حاجز إيريز الذي يفصل بين غزة وفلسطين المحتلة عام 1948 غالبا ما يطلب منهم دفع ضرائب جمركية (أداءات) للسلطة الفلسطينية، وهو ما يعتبر انتهاكا لاتفاق القاهرة الموقع في مايو 1994 بين عرفات ورابين، الذي يأذن لإسرائيل بجمع تلك الضرائب وتحولها فيما بعد إلى السلطة الفلسطينية.

ويقول أحد هذه التقارير: إنه عندما طلب مسؤولو الجمارك الفلسطينية مؤخرا من مواطن فلسطيني يعمل لدى الإسرائيليين كان تلقى مجانا من صاحب العمل الإسرائيلي ثلاجة قديمة دفع 100 دولار ضريبة جمارك، فإن العامل الفلسطيني (القرفان) لم يجد بدًّا من إلقاء الثلاجة على جانب الطريق قبل عبوره نقطة العبور باتجاه غزة حتى يتجنب الدفع.

وتشير هذه التقارير إلى تزايد المشاعر من ذلك النوع في غزة التي تؤدي بالفلسطينيين إلى ضرورة ممارسة ضغوط على عرفات حتى يتغير، وقد اندفع بعض الشخصيات المعروفة في غزة على شاكلة الدكتور حيدر عبدالشافي الرئيس السابق للوفد الفلسطيني المفاوض إلى الإعداد لتشكيل حركة ديمقراطية في الضفة الغربية وغزة لتقييم أداء السلطة الفلسطينية استعدادًا لما يعتقد أنه انتخابات قادمة لمجلس الحكم الذاتي.

وعبثًا يحاول مستشارو عرفات أن يقنعوه بأنه ببساطة لا يمكن له أن يستقبل كل الناس وأنه ينبغي أن يحيل هؤلاء الناس طالبي المساعدة إلى أقسام إدارات السلطة ذات الاختصاص، ولكنه يرفض ذلك بإصرار عجيب ويتولى مستشاره الخاص لشؤون الصفقات الاقتصادية محمد رشيد إلى جانب خالد سلام المفاوضات الخاصة بتلك الصفقات نيابة عنه، متجاوزين وزراء عرفات.

وبالطبع فإن المانحين الأجانب والبنك الدولي يقومون بدفع رواتب موظفي إدارات سلطة الحكم الذاتي شهريًا وهو ما يحافظ على الحد الأدنى للمعيشة لعشرات الآلاف من الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة.

ويبدو أن الملياري دولار التي كانت تلك الدول وعدت بها قبل نحو عام ونصف سوف تنفق فقط في هذا الاتجاه، أما مشاريع التنمية فلا يبدو أنها ستقام في مدى العامين المقبلين، وهو الأمر الذي يعتقد الكثيرون أنه الفترة التي ستبدأ فيها المفاوضات على المرحلة النهائية، ولا أحد يدري مصيرها فيما يقول أحد مستشاري عرفات وهو نبيل أبو ردينة في رده على الذين يشتكون من أداء السلطة الفلسطينية: «إن كافة هذه المشاكل هي خارج سيطرتنا»، وبالطبع ليس كل سكان غزة يتفقون مع ما يقوله أبو ردينة، وكما تقول مجلة «يو إس نيوز آند وورلد ريبورت» في تقرير لها من غزة: إن الأمر الوحيد الذي أنجزه عرفات هو إقامة ستة أجهزة أمن تتصارع فيما بينها، ولا أحد يعرف لماذا تم تشكيل هذا العدد.

الرابط المختصر :