; أسطورة «إسرائيل» عن اللاجئين «جـدار آخر» يعيق السلام | مجلة المجتمع

العنوان أسطورة «إسرائيل» عن اللاجئين «جـدار آخر» يعيق السلام

الكاتب جمال خطاب

تاريخ النشر السبت 06-أكتوبر-2007

مشاهدات 71

نشر في العدد 1772

نشر في الصفحة 16

السبت 06-أكتوبر-2007

بقلم: باري لاندو(*)

ترجمة: جمال خطاب

(*) كاتب أمريكي مقيم في باريس

المصدر: www.truthdig.com

ادعاءات صهيونية: الفلسطينيون تركوا منازلهم عام ١٩٤٨ استجابة لوعود الحكام العرب لهم بالعودة إليها بعد النصر!

«بني موريس»: الصهاينة الأوروبيون أعدوا خططًا سرية لطرد السكان العرب من فلسطين في مدينة «زيورخ» عام ١٩٣٧م

أكثر من ٤٠٠ مدينة وقرية فلسطينية أحرقت أو نسفت بالديناميت أو أزيلت بالجرافات، ثم محيت من الخرائط «الإسرائيلية»

لننس لوهلة موضوع حماس وغزة والأراضي المحتلة، فهناك قضية مفصلية لا يمكن أن يقوم سلام بدونها بين «إسرائيل» والفلسطينيين، وهي قضية الاعتراف بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، وهذا الحق يقوم على دعوى العرب بأن الدولة الصهيونية هي التي خلقت مشكلة اللاجئين الفلسطينيين في حرب عامي ١٩٤٧ و١٩٤٨، من خلال حملة بربرية للتطهير العرقي.

وهو اتهام ينفيه قادة «إسرائيل» باستمرار مدعين أن هذه الجرائم لا يمكن أن يرتكبها الجنود اليهود، وأن العرب أنفسهم هم الذين قاموا بها كما يدعى «الإسرائيليون» وقادتهم، وهكذا يكون العرب أنفسهم هم الذين خلقوا المشكلة! إلا أنه قد أصبح جليًّا أن الحديث عن أن اللاجئين غادروا ديارهم باختيارهم محض افتراء، وأسطورة اختلقتها الدولة الصهيونية، ومازالت تغذيها وتلح عليها، والعجيب أن واشنطن مازالت تقبل هذه الفرية السخيفة! 

وتحكى الأسطورة هكذا: «في عام ١٩٤٨، عندما هاجم العرب دولة «إسرائيل» المعلنة حديثًا فر السكان العرب بالآلاف، ليس بسبب هجمات الإسرائيليين عليهم، ولكن بسبب نداءات الحكام العرب لهم بترك منازلهم مؤقتًا ضامنين لهم الرجوع بعد انتصار جيوشهم على دولة «إسرائيل» الوليدة»! 

والواقع- كما يدعي «الإسرائيليون»- أن السكان العرب فروا؛ رغم توسل جيرانهم اليهود لهم بالبقاء! وهذا ما يصوره «الفيلم الإسرائيلي» «أكسودس» ويعنى الهجرة الجماعية، «إذن لماذا نسمح لهؤلاء الخونة بالعودة؟» هكذا يتم تقديم الأسطورة للعالم ولا يذكرون أن عودة ملايين اللاجئين يعنى نهاية الدولة اليهودية.

هدم الأسطورة

هذه هي الأسطورة التي يتعلق بها اليهود وقادتهم منذ أكثر من نصف قرن، ولكن جيلًا جديدًا من الباحثين والمؤرخين والصحفيين هدموا هذه الأسطورة مع بداية التسعينيات من القرن الماضي من خلال البحث في الوثائق «الإسرائيلية» ومذكرات القادة «الإسرائيليين» أنفسهم، وطبقًا لهذه الأبحاث، فإن الفلسطينيين لم يتركوا ديارهم بناء على نداءات القادة العرب- كما يدعي الصهاينة- ولكن بسبب حملة منظمة من الإرهاب والرعب تضمنت صنوفًا من المجازر وحوادث الاغتصاب التي اقترفتها الوحدات العسكرية للدولة الإسرائيلية المعلنة حديثًا.

وكما كتب «جدعون ليفي» المحلل بجريدة «هآرتس»: «كانت سنة ١٩٤٨ أروع ساعات إسرائيل وذروة الحلم الصهيوني المجنون عندما تكونت دولة يهودية مستقلة، وكانت أيضًا أحلك لحظات «إسرائيل»، حيث ارتكبت جرائم حرب على نطاق واسع، ارتكبناها بضمير مستريح».

وهناك نقطة محورية أخرى يتم التغافل عنها، وهي أن قرار الأمم المتحدة رقم «۱۸۱» لم يدع فقط إلى إقامة دولة يهودية على أرض فلسطين التي كانت تحت الانتداب البريطاني، بل إن القرار أوصى بقيام دولتين منفصلتين- عربية ويهودية- مرتبطتين اقتصاديًّا.

خطط سرية

ويوضح «سيلفان سيبل» مراسل بجريدة «لوموند» الفرنسية- أن النسخة الكاملة القرار الأمم المتحدة لم تنشر أبدًا باللغة العبرية، والسبب بسيط جدًا، فقادة إسرائيل، كانوا مصممين- من البداية- على أن تكون دولتهم- التي أقيمت على أنقاض جزء من فلسطين تحت الانتداب- مجرد خطوة أولى للسيطرة على كل فلسطين.

وخاطب «بن جوريون»- أول رئيس وزراء «إسرائيلي»- أعضاء حزب العمل في عام ١٩٤١ قائلًا: إننا بمجرد الحصول على السلطة وتأسيس الدولة فسوف نمحق التقسيم، وتنتشر في كل أرض «إسرائيل»! 

ولكن كان هناك مشكلة ديموجرافية تحول دون تحقيق هذه الأطماع، ولو سمح للفلسطينيين بالبقاء في أرضهم لفاقوا الإسرائيليين في العدد، ولكانت الدولة الإسرائيلية مازالت وليدة.

ويؤكد «بني موريس»- أحد المؤرخين «الإسرائيليين» الجدد- أن قادة الصهاينة الأوروبيين كانوا قد ناقشوا سرًّا، وأعدوا خططًا لطرد السكان العرب من فلسطين في مدينة زيورخ السويسرية عام ١٩٣٧م، وظنوا أنهم يمكنهم أن يرحلوا خمسمائة ألف بهدوء وسلام، إلا أن «بن جوريون» قال لاحقًا في عام ١٩٤١م: «لا يمكن أن نتخيل ترحيلًا بدون اللجوء إلى القوة»!

كان هذا الكلام حبيس الجدران وسريًّا للغاية، بينما كانوا يعدون للرأي العام أسطورة مختلفة ومخالفة للحقيقة، «لقد كذبوا، وكذبوا، وزوروا» يصرخ جدعون ليفي: «لقد كان العرب دائمًا هم الأشرار، وكنا- نحن اليهود- الضحايا دائمًا، هذا هو ما أخبرونا به!»

ادعاءات يفضحها أرشيفهم

والحقيقة التي اكتشفها «موريس»- من خلال البحث في الأرشيف الإسرائيلي»- هي أنه لا يوجد أي دليل على أن أحدًا من القادة العرب ناشد أو طلب من الفلسطينيين ألا يتركوا منازلهم في عامي ١٩٤٨ و١٩٤٩م، ولا توجد حالة واحدة ترك فيها الفلسطينيون بيوتهم دون أن يهاجموا، والعكس هو الصحيح، فقد رصدت الاستخبارات «الإسرائيلية» نداءات من القادة العرب تطلب من الفلسطينيين ألا يتركوا بيوتهم، ونداءات لمن تركوها بالعودة إليها.

والنتيجة التي توصل إليها «بني موريس» ومؤرخون «إسرائيليون» آخرون هو أن فرار الفلسطينيين نتج عن سياسة «تطهير عرقي متعمدة» للقوات الصهيونية للقرى العربية التي غزوها. 

وطبقًا للجنرال «إيجال آلون» في ١٢ مايو ١٩٤٨م، أنه كان يلقي منشورًا كلما اقترب من قرية فلسطينية مكتوبًا فيه بالعربية: «إذا لم تغادروا في الحال فسوف تذبحون جميعًا وتغتصب بناتكم»، «ولم تكن هذه مجرد تهديدات فارغة»!

والواقع كما يكتب «سيبل» في كتابه المنشور حديثًا بعنوان «Walled» أن «الترحيل كان مقصودًا ومرغوبًا ومنسقًا ومرتبًا ومنفذًا من خلال أعمال بربرية وقتل للمدنيين، ونهب، وتدمير للممتلكات والبيوت من منطقة لأخرى، وتمت نصف أعمال الترحيل قبل تدخل القوات العربية. 

واستنتج «جيل أهر ليتش»- مؤرخ «إسرائيلي»- أن اثنتي عشرة مذبحة على الأقل، قتل في كل واحدة منها خمسون ضحية في المتوسط، قد ارتكبت أثناء حرب الاستقلال، بالإضافة إلى مائة حادثة قتل أخرى المجموعات وأفراد. 

ويتحدث «أهرليتش» عن مؤامرة صمت تحيط بالمذابح التي ارتكبتها قوات الصفوة من الجيش «الإسرائيلي»، والتي استمرت حتى إلى ما بعد قيام دولة «إسرائيل».

ويقول سيلفان سيبل- مراسل لوموند، الذي عاش اثنتي عشرة سنة في «إسرائيل» وخدم في الجيش: «عندما وقعت الحوادث الأولى للترحيل لم يعترض أحد، ولم يتسلم ضابط محلي أي أمر بالتوقف، ولذلك فهم الجميع أن هذه هي السياسة وهذه هي التعليمات، وأنه لا حاجة لتعليمات صريحة»!

تطهير عرقي

وفي عام ٢٠٠٤م، كتب «بني موريس» دراسة جديدة، توصل من خلالها إلى حدوث «تطهير عرقي ومذابح وحالات اغتصاب» أكثر وأبعد مما كان يعرف ويتصور، وتوصلت الدراسة إلى أن المقاتلين «الإسرائيليين» قد أعطوا أوامر صريحة به اقتلاع القرويين وطردهم وتدمير القرى نفسها».

وتقول الدراسة إنه في أكتوبر ١٩٤٨م، وفي منطقة الجليل- «تمت عمليات قتل وإعدام كثيفة أمام الجدران وبالقرب من الآبار بشكل منهجي ومنظم، الذي وقع لا يمكن أن يكون صدفة بل سبق إصرار، وقد صدرت الأوامر بعد زيارة رئيس الوزراء لمراكز القيادة التي اقترفت هذه الجرائم».

ويقول سيبل: «من بين ٨٧٥ ألف فلسطيني وجدوا أنفسهم في دولة «إسرائيل» لم يتبق إلا ١٥٠ ألفًا بعد نهاية الحرب والإبعاد والترحيل الذي تلى وقف إطلاق النار مع الدول العربية، أما الآخرون ويشكلون ۸۲٪، فقد طرد نصفهم بالقوة العسكرية، والنصف الآخر تحت تأثير التهديد والإرهاب والشعور العميق بالاضطهاد وقلة الحيلة».

وأصبح حتمًا ومقدرًا على هؤلاء النازحين ألا يعودوا بسبب قرار الحكومة «الإسرائيلية» في عام ١٩٤٨م رفض عودة أي فلسطيني فر، مهما كان سبب هذا القرار ودوافعه، وفي الوقت ذاته يمنحون حق العودة لأي أحد في العالم يدعى أنه من أصول يهودية!

إنهم دمروا ويدمرون كل إشارة ودليل على الماضي الفلسطيني، فأكثر من ٤٠٠ مدينة وقرية من أصل ٥٠٠ أحرقت، أو نسفت بالديناميت، أو أزيلت بالجرافات ومحيت من الخرائط «الإسرائيلية».

زيف وتضليل

عندما اندلعت الحرب في كوسوفا عام ١٩٩٩م، قال كاتب «إسرائيلي» ساخرًا:

«لقد كنا محظوظين للغاية إذ لم تكن توجد «CNN» في عام ١٩٤٨م، وإلا لرأى العالم كله في فلسطين ما نراه الآن في كوسوفا!

والمفارقة العجيبة والساخرة أن «إسرائيل» تريد من العالم كله أن يتعاطف مع مآسي اليهود التاريخية المزعومة- خصوصًا «الهولوكوست»- رغم أن تلك المآسي لا يمكن أن تقارن بما حدث من «تطهير عرقي» للفلسطينيين.

يقول جدعون ليفي: «ربما تكون اضطررنا لفعل هذا، ربما لم يكن أمامنا غير هذا، وكان هذا هو الممكن الوحيد، ولكن لماذا الكذب كل هذه السنين؟! لماذا لا تقول هذه بتلك؟! كنا ضحايا وكنا جناة، وكانت هذه نتيجة حتمية، كان لابد من طردهم، إما نحن أو هم وهذا ربما كان أكثر إقناعًا من الكذب، ويمكن أيضًا أن يؤدي إلى السلام، ومازال معظم «الإسرائيليين» غير راغبين في اتخاذ هذه الخطوة، ويتحججون بأن الفلسطينيين سيتفوقون عليهم في العدد، ومن ثم تباد الدولة العبرية جراء فيضان الفلسطينيين العائدين، والقادة العرب لا يصدقون أن «إسرائيل» يمكن أن تفتح أبوابها الأربعة ملايين لاجئ، وهم لا يطلبون من إسرائيل، إلا اعترافًا رسميًّا بما حدث في عامي ١٩٤٨ و١٩٤٩م، يلزم الدولة الصهيونية ببعض الالتزامات تجاه اللاجئين، ونحو الحل النهائي لمشكلتهم، وهم يعلمون أن الأغلبية العظمى منهم لن يعودوا. 

وهذا هو ما كان الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات يحاول الحصول عليه في «كامب ديفيد ۲۰۰۰» سيئة الطالع؛ صفقة لحفظ ماء الوجه تجعله يدعي نوعًا من الانتصار، رغم علمه بأنه لن يكون هناك حق حقيقي للعودة، إلا أن إيهود باراك- رئيس الوزراء «الإسرائيلي» آنذاك- رفض تقديم أي تنازل في هذه القضية، والادعاء بأن العرض «الإسرائيلي» في ذلك الوقت- وفق ما يقول «سيبل»- كان سخيًّا ما هو إلا زيف وتضليل، وهذه أسطورة إسرائيلية أخرى، وأثبتت المفاوضات في السنوات التالية أن الطرفين كانا على وشك الوصول إلى حل وسط في هذه القضية.

حق العودة: وبعد فشل كامب «ديفيد ۲۰۰۰»، قدم يوسي بيلين اقتراحًا بحل مشكلة اللاجئين، ذكر فيه أن الدولة «الإسرائيلية» الناشئة قد غرقت في حرب عامي ١٩٤٨ و١٩٤٩م، وكان لهذه الحرب ضحايا في الجانبين، من بينها تهجير ومصادرة أملاك السكان الفلسطينيين، ومنذ ذلك الحين واللاجئون الفلسطينيون- ولعقود طويلة- يعيشون بلا كرامة ولا جنسية ولا ممتلكات، و«إسرائيل» سوف تكون شريكًا نشطًا في غلق هذا الملف الرهيب، وقدم الاقتراح عدة خيارات للاجئين من بينها: العودة لـ «إسرائيل» في حدود متفق عليها، والعودة لدولة فلسطين المرتقبة، والتوطين في الدولة المضيفة أو في مكان آخر، ويتعهد المجتمع الدولي بضمان التنفيذ والتمويل.

«هكذا ولأول مرة»- يقول سيبل- «تعترف «إسرائيل» بعدم شرعية طلبها من الشعب الفلسطيني بأن ينسى تاريخه».

ويوسي بيلين- بحديثه هذا إلى الإسرائيليين- يريد أن يقول لهم: «من المستحيل أن يتنازل الفلسطينيون عن حق العودة، ولو طلبنا منهم ذلك فلن يكون هناك حل نهائي»، ورغم ذلك، فقد أنهى إيهود باراك مباحثات طابا، عام ٢٠٠١م لهذا السبب!

وبعد عامين، جرت مفاوضات في جنيف، أدت إلى موافقة الفلسطينيين على إنهاء المشكلة، وتعهد «إسرائيل» بتعويض اللاجئين وورثتهم، إلا أن ذلك انتهى برفض وإدانة من قبل شارون.

والآن- وبعد أربعة أعوام أخرى- ما زال أغلبية الإسرائيليين يرفضون تحمل مسؤولية مشكلة اللاجئين، ومازال هناك خوف من أن تتأثر صورة «إسرائيل» التي ترسمها لنفسها كدولة تتصف بالسمو الأخلاقي، وأنها دائمًا الضحية!

إن أي كشف لأدنى خطأ وأقل وصمة- في الماضي أو في الحاضر- تستحضر هذا الخوف الذي لا يتحدى فقط الوجود «الإسرائيلي»، ولكنه يتحدى أيضًا شرعية هذا المجتمع في عيون أبنائه أنفسهم.

وإذا كانت إسرائيل تجد صعوبة في إقناع أبنائها بهذه الأسطورة، فإلى متى ستنجح في إقناع القادة الأمريكان بها وبالتعامل معها؟!

الرابط المختصر :