; فلسطينيو لبنان.. من «نهر البارد» إلى المجهول | مجلة المجتمع

العنوان فلسطينيو لبنان.. من «نهر البارد» إلى المجهول

الكاتب جمال الدين شبيب

تاريخ النشر السبت 09-يونيو-2007

مشاهدات 60

نشر في العدد 1755

نشر في الصفحة 18

السبت 09-يونيو-2007

«المجتمع» عايشت مأساتهم بـ «البوادي»..

مخيم البداوي «شمال لبنان»:

  • مسؤول بالبداوي: حشرنا في كل غرفة من 30 إلى 50 نازحًا.. ويفترش البعض ملاعب المدارس

  • «البداوي» يضم 4422 نازحًا بجانب الآلاف في 7 مدارس للأونروا والأندية وقاعات المساجد وبيوت الأقارب

  • الشيخ محمد الحاج: الجثث تملأ الشوارع والقصف العشوائي لم يبق بيتًا

  • أهالي البارد: مساجدنا مدمرة ومستشفياتنا بلا أطباء ولا ماء ولا كهرباء

  • مريم شحادة: كلما خرجنا لجلب الطعام انهمر الرصاص علينا

في عام 1948م نزح إلى لبنان أكثر من 100 ألف فلسطيني واتبع هذا العدد أعداد أخرى عقب حربي 1956م و 1967م، ويبلغ عددهم في لبنان أكثر من 400 ألف فلسطيني، وفقا لإحصاءات «الأونروا» عام 2003م، سكن نحو 40% منهم المدن والقرى اللبنانية، أما القسم الأكبر منهم فيقيم في المخيمات بين شمال وجنوب، أهمها:

مخيمات شمال لبنان: أكبرها «مخيم نهر البارد»، يضم 42862 نسمة، يليه مخيم البداوي، يضم 15770 نسمة. 

أما مخيمات الجنوب: فتضم أكبر مخيمات لبنان: «مخيم عين الحلوة» الذي أقيم عام 1948م، ويضم أكثر من 45492 لاجئًا.

بجانب تلك المخيمات، هناك مخيمات أقل في المساحة وعدد اللاجئين، مثل: الرشيدية: 26035 – البرج الشمالي 18835 - المية ومية: 4515.

مخيمات مجاورة للعاصمة بيروت: برج البراجنة 15581، شاتيلا: 7615، مار إلياس: 613 نسمة.

وهناك مخيم واحد في منطقة بعلبك يسمى «ويفل» يضم 8288 نسمة.

وخلال الحرب الأهلية اللبنانية في 1975م اختفى عن خريطة اللجوء ثلاثة مخيمات هي: مخيم النبطية في الجنوب، وتل الزعتر، وضبيه في شرق بيروت، وتوزع سكانها «نحو 195 ألف نسمة» على باقي المخيمات.

معاناة الشتات والتهجير: تفاقمت في الفترة الأخيرة نتيجة لما تشهده مخيمات «نهر البارد» من أحداث قابلة للتكرار في بقية المخيمات حسب المراقبين.

وفي محاولة لنقل الصورة عن قرب، زارت «المجتمع» مخيمات شمال لبنان والتقت عشرات الآلاف من النازحين الفلسطينيين الذين دمرت بيوتهم ومحلاتهم التجارية في مخيم «نهر البارد»، وانتقلوا إلى «مخيم البداوي.

من «البارد» إلى «البداوي»

بدأت الزيارة ضمن قافلة من سيارات الإسعاف من أمام مستشفى الشفاء بطرابلس، برفقة وفد من العلماء: الشيخ داود مصطفى، والشيخ محمد الحاج من أهالي مخيم «نهر البارد»، وم. جميل من الجمعية الطبية الإسلامية، وعثمان مقبل من مؤسسة MUSLIM HANDS. 

قذائف محرمة دوليًا

حول الأوضاع داخل مخيم «نهر البارد»، قال الشيخ محمد الحاج – عضو رابطة علماء فلسطين: الأمور تسير من سيئ إلى أسوأ، وهناك تصاعد في أعمال العنف والقصف واستخدام الأسلحة الثقيلة والمحرمة دوليًا كقذائف الـ 155 والـ 120 والقذائف المسمارية.

ويضيف الحاج: نحن نسعى مع الخيرين لوقف القصف وتهدئة الأمور، والبحث عن حل يجنب المدنيين مزيدًا من الخسائر في الأرواح والممتلكات من خلال هدنة إنسانية، وحل مشكلة المطلوبين بما يحفظ أرواح وممتلكات الأبرياء والمدنيين.

وحول الأوضاع الإنسانية داخل المخيم، أشار الحاج إلى أن هناك سبعة مساجد مدمرة بشكل جزئي أو كلي.. ولا يوجد بالمخيم حاليًا مقومات الحياة الطبيعية من ماء وكهرباء، ولا أطباء ولا مستشفى يعمل.. والجثث في الشوارع.. كما أن القصف العشوائي لم يبق بيتًا سالمًا من الدمار.

وبعد فشل الدخول لمخيم «نهر البارد» بعد إطلاق رصاص على القافلة – التي كانت «المجتمع» ضمنها، من قبل قناصة «فتح الإسلام» - عدنا إلى مخيم «البداوي» مجددًا بناء على أوامر الجيش اللبناني والصليب الأحمر الذي يشرف. على نقل إمدادات الإغاثة لمتضرري «نهر البارد».

وفي «البداوي»، تضم المدارس التابعة للأونروا 4422 نازحًا، إضافة إلى أعداد كبيرة، يتوزعون على 7 مدارس، فضلًا عن الأندية الكشفية وقاعات المساجد وبيوت الأقارب. 

ضاق المخيم بنازحيه، فهو ضيق على أهله أساسًا، فكيف بعشرة آلاف نسمة جديدة، هي ربع سكان البارد، تعادل حجم نصف سكان «البداوي»؟! 

ويقول أحمد خليل، الناشط في تأمين توزيع النازحين على المدارس في المخيم: ربما تجاوز عددهم الـ 12 ألف نسمة، لافتًا إلى أن المدارس الخمس في المخيم لم تعد تستوعب وافدين جددًا، حيث «حشر» في كل غرفة من 30 إلى 50 شخصًا، فيما افترش البعض ملاعب المدارس أو حل ضيفًا على أقارب له، وكذلك في المساجد. 

وتصل قافلة جديدة من النازحين من البارد كل دقيقة، بعضهم في باصات، والبعض الآخر في شاحنات، وقلة قليلة في سيارات خاصة.

تتشابه حال الجميع: إرهاق وشرود ذهن وكلام قاسٍ أقسى من مأساتهم ذاتها: «نكاد نعيش نكبة 48 نفسها».

تقول «فاطمة حازم» وهي تشير إلى قوافل النازحين، التي تمتد لأكثر من 1000م: «كأننا نشاهد فيلمًا عن تلك الحقبة، أو كأننا نعيشها واقعًا ملموسًا».

خرجنا بثياب النوم

وفي «نادي الإسراء»، التقينا بعدد من النازحين، يقول زياد «32 عامًا» – مدرس في «الأونروا»: «خرجنا بثياب النوم بعد الفجر بقليل، القصف كان هستيريًا وتدميريًا بأسلحة محرمة دوليًا.. لم نستطع دفن الجثث، وهناك 28 جثة في غرفة عادية تفوح منها الروائح بسبب تحللها، والسوق مدمر كليًا».

وعن الأوضاع الإنسانية للأهالي المحاصرين يقول زياد: «لا يوجد مستشفى في المخيم ولا ماء ولا كهرباء ولا حليب أطفال.. هناك ضحايا بين النساء والأطفال حتى الحيوانات لم تسلم».

أما «أم محمد» – تسكن قرب «جامع الحاووز» في المخيم - وهي الآن لاجئة في مدرسة روضة الأقصى، في مخيم البداوي مع أطفالها الـ 9، أما زوجها، فلا تعرف أين هو، تجهش بالبكاء وتتساءل عن كرامة العرب والمسلمين؟ قائلة: «لم يبق بيت في المخيم إلا وأصيب بالقصف العشوائي من العيار الثقيل.. لا نريد طعامًا ولا شرابًا.. نريد كرامتنا وأن نعود إلى ديارنا قبل أي شيء». 

بجانب النازحين، هناك مئات المقعدين والعجائز بين النازحين لا تتوافر لهم تسهيلات النظافة الشخصية، ولا أحد يهتم بهم لأن أهلهم ما زالوا داخل مخيم نهر البارد، تقول الحاجة درية «83 عامًا»: «أخرجوني بسيارة الإسعاف، وحدي، لا أحد معي ليساعدني، أما أولادي وأحفادي فلم يسمح لهم بالخروج». 

انهيار الخدمات الصحية كارثة

وحول الاستعدادات الصحية بالمخيم لمواجهة الكارثة الإنسانية، يقول د. مرشود: «نحتاج لكل شيء.. أدوية ومعدات طبية، حمالات، وأكياس لحفظ الجثث، مياه للشرب والاستعمال، طعام وحليب أطفال.. لا توجد عيادة أو مستشفى يعمل داخل المخيم».

ثلاثة أيام من الرعب

عاشتها «مريم شحادة»، التي غادرت منزلها منذ اليوم الأول للمعارك لأنه يقع بالقرب من مركز «صامد»، التابع لحركة «فتح الإسلام»، تقول: ارتأى الوالد أن نذهب إلى منزل عمتي في «صفوري النهر»، وهو يقع في المنطقة الساحلية من المخيم، فغادرت على عجل كون القذائف كانت تنهمر علينا، وتهدم منزل جارنا أبو خالد بالكامل.

ولكن ما كدنا نصل إلى منزل العمة حتى انهمرت القذائف فاضطررنا إلى الاختباء في غرفة ملاصقة للحمام، كنا أكثر من عشرين شخصًا هناك، تسمر النازحون داخل المخيم من دون ماء أو طعام يكفي للجميع، خيم الرعب على صوت القذائف والرصاص.

تتابع مريم سرد مأساتها: الأطفال يصرخون تارة من الجوع والعطش وتارة من الخوف.

يحاول أحد الرجال التسلل إلى الخارج للمجيء بطعام، فينهمر الرصاص علينا، وكأن هناك عينًا تراقب التحركات.

تقول مريم: مع إعلان الهدنة تمكن المحتجزون من الحصول على بعض المعلبات وعمدت النساء إلى خبز بعض العجين في فرن المنزل، إلا أن أمد الهدنة كان قصيرًا، فعاد القصف وعادت معه القوقعة في الغرفة الصغيرة.

رغيف خبز

أما شادية نجار «10 أعوام» فلا تعرف أي شيء عن «فتح الاسلام» ولا تعلم لماذا يقصف الجيش اللبناني المخيم، كل ما أرادته خلال الأيام الماضية في المخيم هو الحصول على رغيف خير، ولكنها لم تر سوى الجرحى والقتلى بعد قصف قافلة المساعدات، فكرهت الخبز والأكل، واعتقدت أن المخيم سيدمر على من فيه.

وهي الآن تريد الاستحمام وارتداء ثياب نظيفة لا أكثر ولا أقل، لا يهمها بيتها ولا ألعابها، تقول: إن عائلتها سلمت من الموت لأنها أمضت الليالي في الدعاء والصلاة. 

وفي «مستشفى صفد» استنفار للطاقم الطبي، حركة لا تهدأ، ممنوع الدخول، ضاق المستشفى بأكثر من عشرين جريحًا، فيما استمر الأطباء بمناشدة أهل الخير والمؤسسات الصحية مدهم بالمستلزمات الطبية وبالأغطية لأن الوضع سيئ، ولا أماكن للجرحى. 

بعد تحويل كل مقعد أو أريكة إلى سرير، لا سيما مع توافد حالات إغماء عديدة بفعل كثافة النازحين في المدارس.

إيجابية البداوي

وبالرغم من أن «البداوي»، المجروح أصلًا يفعل الحرمان، إلا أنه عض على جرحه وشكل لجانًا للاهتمام بالنازحين، وفتح أهله قلبهم وبيوتهم ومدارسهم القليلة لاحتضان الوافدين الفلسطينيين من البارد.

وفيما شاحنات المساعدات التابعة للصليب الأحمر اللبناني ومؤسسة محمد بن راشد للأعمال الخيرية والإنسانية والـ MUSLIM HANDS والجمعية الطبية الإسلامية تفرغ حمولتها من مساعدات، ينهار أحد أبناء مخيم البارد، باكيًا، رافضًا لجوءًا جديدًا مخففًا بمساعدات وإحصاءات تحوله مرة أخرى إلى رقم في بطاقة، قد يكتب عليها هذه المرة «لاجئ من البارد إلى البداوي»!!

الرابط المختصر :