العنوان خواطر و أفكار خلف القضبان و محطات في ملف رهائن الأقصى (8) - فكرنا الباشا.. « باشا»! ( 2 من 2 )
الكاتب الشيخ رائد صلاح
تاريخ النشر السبت 12-نوفمبر-2005
مشاهدات 75
نشر في العدد 1676
نشر في الصفحة 48
السبت 12-نوفمبر-2005
فشلت مخططات الأجهزة الأمنية التي كانت ولا تزال تصف نفسها بأنها صاحبة القدرات الخارقة لدرجة أنها تعرف ما يدور في أعماق البحار والنجوم!!
تعرض جهاز تلفازنا لصعقة برق مما أدى إلى احتراقه، ثم انتشر الخبر بين المعتقلين أن تلفازنا قد احترق!! فماذا حدث؟! لم يمض سوى ساعات وإذا بأحد المعتقلين اليهود من الطائفة القوقازية ، يأتي بجهاز تلفاز كبير إلينا ريثما نقوم بإصلاح جهازنا المحترق!! كان ذلك يوم الأربعاء ٧ يناير ٢٠٠٤م وكي لا نقع في حرج معه قلنا له مسبقًا إن غرفتنا تعج بالصراصير وقد تدخل هذه الصراصير إلى جهاز تلفازه فتحدث فيه خرابًا!!
إلا أنه أصر على إعارتنا هذا الجهاز رغم ذلك! وكان واضحًا لدينا أن هذا المعتقل كان يبادلنا الاحترام الخاص وكان يؤكد لنا قائلًا: إنكم مظلومون وأنا على يقين من ذلك!! وفي تمام الساعة العاشرة ليلًا من هذا اليوم، إذا بفرقة كبيرة من أجهزة الأمن تدخل غرفتنا فجأة ال ثم داسوا على الغطاء الذي كنا نصلي عليه بأحذيتهم رغم أننا طلبنا منهم الانتظار دقيقة كي نطوي الغطاء!! وقاموا بإخراجنا من الغرفة وقاموا بتفتيشنا بدقة لدرجة أنهم طلبوا من كل واحد منا أن يرفع يديه وينظر إلى الحائط خلال التفتيش، ثم واصلوا تفتيش كل شيء في غرفتنا!! فخلطوا الحابل بالنابل وتسببوا بإتلاف بعض المعلبات وأكياس الطعام الأخرى!! ووضعوا كل حاجيات غرفتنا على الأرض، وبعد أن أنهوا تفتيشهم الدقيق الذي زاد على الساعة رفضوا إعادة حاجيات الغرفة إلى حيث كانت في مواضعها المختلفة!! ثم خرجوا يجرون ذيول خيبتهم خلفهم حيث لم يجدوا في غرفتنا ما يثير آية شبهة!!
هدف التفتيش!
سألت نفسي بعد ذلك: لماذا جاءت هذه الفرقة من خارج المعتقل لتفتيش غرفتنا؟ ما الجديد؟! هل لأنني كنت قد كتبت في آخر عدد من صوت الحق قبل 7 يناير ٢٠٠٤ مقالًا بعنوان المعيات ديختر؟ أم لأن المحامية سونيا بولس ممثلة جمعية حقوق المواطن كانت قد زارتنا ثلاث مرات قبل هذا الموعد فظنوا أننا نخطط لأمر ما؟! أم جاءت خطوة التفتيش ردًا مزاجيًا على قرار نصب خيمة اعتصام قبالة معتقل الجلمة؟!
لم يطل تساؤلي، ففي اليوم التالي انتشر خبر تفتيش غرفتنا بين المعتقلين فجاءنا صاحب التلفاز، وأخبرنا أن سبب تفتيش غرفتنا هو جهاز تلفازه لأنه يعتقد أن الأجهزة الأمنية كانت قد وضعت في تلفازه آلة تصوير خفية أو جهاز تنصت خفي، فلما أخذت هذه الأجهزة الأمنية تشاهد صورًا غريبة أو تسمع أصواتًا غريبة عبر جهازهم الخفي لا تتعلق بصاحب الجهاز أصلًا جاؤوا يبحثون عن تفسير هذا التغير الطارئ فقاموا بتفتيش الغرفة التي كان فيها هذا التلفاز وضرب لنا مثالًا على ذلك، فقد احترق مصباح الكهرباء الطويل المعلق في سقف غرفة اعتقاله. فلما حاول تصليحه اكتشف آلة تصوير خفية كانت مثبتة وملاصقة لذلك المصباح!! فقام بخلعها وتسليمها لمحاميه وهي ذات حجم صغير جدًا!! وهكذا فشلت مخططات هذه الأجهزة التي كانت ولا تزال تصف نفسها بأنها صاحبة القدرات الخارقة التي تعرف كل شيء!! لدرجة أنها تعرف ما يدور في أعماق البحار وما يدور في النجوم!! لكن وبكل بساطة، جاءت هذه الحادثة الطريفة لتبين لنا أن هذه الأجهزة الخارقة بات ينطبق عليها المثل القائل: «فكرنا الباشا باشا فوجدنا الباشا زلمه»!!
عداء وبغض
يوم الأحد الموافق ١٨ يناير ٢٠٠٤ عندما عقدت جلسة في المحكمة المركزية بحيفا لإعادة النظر في توقيفنا - وذلك على ضوء طلب من كل طاقم محامينا - وبالفعل تم عقد الجلسة ثم تواصل الحديث فيها بداية من محامينا. ثم انتقل حق الحديث إلى النيابة وما لاحظناه على النيابة في هذه الجلسة أن ممثلهم كان يتحدث عنا في غاية الحقد والعدائية لدرجة أننا قاطعناه وكذبناه وتحديناه أن يأتي بدليل واحد على أكاذيبه!! إلا أنه تمادى بعدائيته لدرجة أنه اتهمنا أننا النواة الأولى لكل الإرهاب في المنطقة!! فما كان منا إلا أن قلنا له: أنت الإرهاب ووجهك هو وجه الإرهاب، وسعيك لمنع الإغاثة عن الأيتام هو الإرهاب!! ثم حاول أن يتمادى أكثر وادعى أنني قد وقعت في مخالفة قانونية في الثمانينيات فقاطعته وقلت له: ماذا تقصد؟! هل تقصد يوم أن وجدوا في جيبي مائتي دولار كانت عبارة عن صدقة لأحد مساجد أم الفحم؟! ثم أكملت متسائلًا: وهل هذا المبلغ يمثل خطرًا على أمن الجمهور؟! فما كان من العجوز سلفيا رئيسة طاقم النيابة إلا أن قالت: نعم إنه يمثل خطرًا وتهديدًا!! فانتهرتها على الفور وقلت لها: أنت لا تخجلين!! وهكذا تحولت الأجواء مباشرة من أجواء محكمة إلى أجواء هابطة سعت من خلالها النيابة إلى شن هجوم أرعن على قيمنا!! وهكذا نسيت النيابة نفسها وخرجت عن جلدها الرسمي وليست لنا جلد النمر وراحت تطعن في قيمنا وتصمها بالإرهاب!! فأي نيابة هذه؟ وأي قانون تمثله وهي في هذه الوضعية الهابطة؟! وهل هي إلا الخطر الحقيقي على القانون الذي تحاول أن تنتصر له؟! وهل هي إلا كما قال المثل: «فكرنا الباشا باشا فوجدنا الباشا زلمه»!!
خيوط الملف! وفي يوم الجمعة الموافق ١٣ فبراير ٢٠٠٤م تم لقاء موسع بيننا وبين محامينا في المعتقل وخلال هذا اللقاء استعرض طاقم محامينا ما جرى بينهم وبين القاضي شطراوس ورئيسة النيابة سلفيا وذلك عقب جلسة المحكمة الأخيرة بتاريخ ١٠ فبراير ٢٠٠٤م حيث أكدوا لنا أن القاضي قال لهم ولسلفيا بصريح العبارة إنه يرى أنه من الضروري العمل على إنهاء الملف بأسرع وقت ممكن لأن لائحة الاتهام لا تحمل أي بعد أمني إطلاقًا، وإن كان هناك مخالفات فهي مخالفات إدارية ليس إلا، ثم أكد القاضي شطراوس أنه لا يرى أي دافع المواصلة اعتقالنا!! وبالإمكان إطلاق سراحنا وعودتنا الممارسة حياتنا الطبيعية!! ثم طلب القاضي من الطرفين التوصل إلى صيغة اتفاق لإنهاء الملف!! إلا أن العجوز سلفيا أكدت أنها لا تستطيع أن تقرر في هذا الموضوع!! وهي مضطرة أن تستشير جهاز المخابرات ونيابة الدولة!! وهذه ليست المرة الأولى التي تبق فيها سلفيا الحصوة فقد بقت الحصوة قبل ذلك وبتنا على قناعة أن طاقم النيابة ما هم إلا دمى في أيدي جهاز المخابرات تحديدًا في هذا الملف!! وبتنا على قناعة أن جهاز المخابرات بات يعتبر ملفنا قضية شخصية الأفراد طاقم المخابرات الذين أشرفوا على حبك حيال ملفنا منذ البداية، وواضح أن العدالة في إجازة مؤقتة!! ولو كانت العدالة قائمة على كرسي سيادتها لأمرت فورًا بفصل عشرات الرامبو من رجال المخابرات الذين حبكوا خيوط ملفنا!! ولكن ريثما تعود العدالة فسيبقى يطاردهم المثل القائل: «فكرنا الباشا باشا فوجدنا الباشا زلمه»!!
عيد ضحاضحة!: في يوم الثلاثاء ١٧ فبراير ٢٠٠٤م عندما توجهنا إلى قاعة المحكمة بحيفا لمتابعة جلسات ملفنا، وخلال هذه الجلسة قام طاقم محامينا بتوجيه عشرات الأسئلة إلى المرأة التي حققت مع الدكتور سليمان وتدعى ليلاخ وخلال إجاباتها اتضح للجميع سفاهة إجاباتها لدرجة أن الجمهور قد ضحك منها مرارًا!! واحمر وجهها مرارًا!! وطلبت الماء بعد أن جف حلقها مرارًا!! وعندما كانت تحرج بالإجابة كانت تقول: هناك مواد سرية!! وعلى سبيل المثال عندما سئلت: هل لديها دليل واحد يبين أننا قد أعطينا أموالًا إلى تنظيم حماس أجابت: إن هناك مواد سرية!! وعندما سئلت عن طبيعة المساعدات التي كنا نقدمها؟ أجابت: إنها شاحنات أغذية أو طرود غذائية!! ثم عندما سئلت: كيف استنتجت أننا قدمنا أموالًا إلى تنظيم حماس؟ أجابت أن هناك مواد سرية!! وهكذا دواليك!! لذلك قام المحامي فلدمان بتوبيخها عدة مرات لدرجة أنه كان يقول لها: ألا تستحين أن تسألي الدكتور سليمان عن طرود الزيت والسكر والحلويات؟! وكذلك وبخها المحامي مصطفى سهيل والمحامي رياض أنيس والمحامي حسين أبو حسين!! الدرجة أن المحامي حسين أبو حسين سألها: من أين لك المعلومات حول المدعو عيد ضحاضحة!! فأجابت من المواد السرية!! فسألها: هل أنت متأكدة فأجابت: نعم!! عندها توجه المحامي حسين أبو حسين إلى القضاة وإلى كل الحضور وقال: يؤسفني أن أقول إن عيد ضحاضحة ليس شخصًا بل هو في حقيقة الأمر عيد الأضحى ولكن النيابة أخطات قراءة هذه الكلمة وأخطأت ترجمتها وبقدرة قادر حولتها من عيد الأضحى إلى عيد ضحاضحة!! أي زمان نعيش فيه؟! وأية سفاهة يحاولون فرضها علينا؟! وأي ظلم يحاولون رجمنا به ولكن كل ذلك لم يزعزع قناعتي بأنهم بانوا على حقيقتهم!! بالضبط
كما قال المثل: «فكرنا الباشا باشا فوجدنا الباشا زلمه»!!
المؤسسة المنضبطة!: وهنا أؤكد أن الشواهد التي تتفق مع سياق هذه المقالة كثيرة جدًا!! ولو أردت أن أحصيها لكتبت مجموعة حلقات حولها ولكنني سأختم بمشهد أخير مازالت أتخيله كأنه يقع الآن!! رغم أنه وقع قبل أكثر من سنة في أحد المعتقلات التي نزلنا بها!! ومرة أخرى أقول: لا يزال هذا المشهد ماثلًا أمام عيني!! وقد وقع ذلك المشهد بينما كنا نتجول خلال الاستراحة اليومية في ساحة المعتقل التي تفصل بين غرفتنا وبين مطبخ المعتقل!! وفجأة ونحن في تجوالنا إذا بالبوابة الضخمة التي تحجبنا عن المطبخ قد فتحت وإذا بسجان يهودي يدعى (ي) يتسلل منها ويأتي بثلاثة معلبات لبن خلسة على خوف وفزع!! ثم عاد مسرعًا وهو يلتفت حوله هل راه أحد المسؤولين أم لا ثم راح يشكو لنا أمره متظلمًا ومبينًا لنا أنهم قد فرقوا موزًا وغفلوا عنه!! فذهب أحدنا وأحضر له بعض الموز من غرفتنا! وهنا أؤكد أن هذا المشهد قد ذكرني ببعض أفراد طاقم التحقيق في بات - يام الذين كانوا يتظلمون بصوت عال!! لماذا لأن كبار المحققين منهم يأكلون في المطاعم، أما هم فيأكلون من طعام معتقل بات - يام!! وأن هذا المشهد قد ذكرني ببعض عناصر محكمة تل. أبيب، حيث كان بعضهم يشتم زملاءه الغائبين على مسمع منا!! ويتظلم طوال الوقت بأنه يعيش في حالة أقرب إلى الفقر والجوع!! وهذا يعني أن ليس كل ما يلمع ذهبًا!! وأن وراء الأكمة ما وراءها!! وأن هالة ما يسمى الجهاز المنضبط والمؤسسة المنضبطة تخفي وراءها فحوى هذا المثل القائل: «فكرنا الباشا باشا فوجدنا الباشا زلمه»!!
يتبع..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل