; فقه حديث نزول الوحي.. التربية على الصبر واحتمال الأذى | مجلة المجتمع

العنوان فقه حديث نزول الوحي.. التربية على الصبر واحتمال الأذى

الكاتب محمد حسن بريغش

تاريخ النشر الثلاثاء 22-فبراير-1977

مشاهدات 79

نشر في العدد 338

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 22-فبراير-1977

دراسات في السيرة 

الدعوة إلى الله، علم وعمل، ابتلاء وصبر ولقد تمثلت هذه المعاني في حديث نزول الوحي وفي حياة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- منذ أبصرت عيناه الدنيا وحتى لحق بالرفيق الأعلى. ولا ينهض بهذا العبء الثقيل إلا أولو العزم من الرجال، وهذا هو السر في اختيار الله لعبده ورسوله محمد- صلی الله عليه وسلم-. 

لقد كان من أوسط الناس نسبًا، وأكثرهم حلمًا وعدلًا، وأقواهم شكيمة، وأقدرهم صبرًا على المكاره واحتمال الأذى، وأنقاهم سريرة، وأطهرهم قلبًا، وأعذبهم بيانًا.

﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ 

وأراد الله لنبيه- صلى الله عليه وسلم- حياة حافلة بالمحن والمصائب قبل البعثة وبعدها. عاش حياته قبل البعثة في ابتلاء بعد أن فقد أباه ثم أمه ثم جده، وعاش يجمع بين مصائب ثلاث: مصيبة الفقر ومصيبة اليتم، ومصيبة غربته بين قومه ونفوره منهم وكره ما كانوا عليه من أخلاق وعقائد وعادات باطلة.

 وامتزجت المحنة بدعوته منذ أكرمه الله بالنبوة وأنزل عليه الروح الأمين: ابتلاه الله بحرب قومه له وإخراجهم إياه، وبعد أن أذن الله له بالنصر ابتلاه بالمنافقين وهم أخطر ظاهرة عرفها التاريخ الإسلامي، ومن ثم ابتلاه الله بوفاة أولاده.

وكانت عناية الله تلحظه وترعاه: فعندما فَقَدَ أباه وأمه سخر له من كان أشد حنانًا عليه من أبيه وأمه، وعندما فقد جده سخر له عمه الذي وقف يذود عنه بجنده وعشيرته وماله وهو على غير دينه، وسخر الله لنبيه زوجه خديجة- رضي الله عنها- فأغناه الله بها، وهداه الله فأنقذه من القلق والحيرة والضلال.

﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ. (الضحي:5-6-7) ،  ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا)

وارتباط المحنة بالدعوة دليل على أن الهدف العظيم يحتاج إلى عمل دائب وتكاليف باهظة، واستعداد دائم للتضحية والبذل، ويتفاوت الرجال تفاوتًا يتناسب مع علو همتهم وقدرتهم على تحمُّل الأذى.

 عن أنس- رضي الله عنه- أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء وإن الله- تعالى- إذا أحب قومًا ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط».

رواه الترمذي وقال: حديث حسن وعن مصعب بن سعد عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله أي الناس أشد بلاء؟ قال: «الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلي الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة» «1». 

وإذا كان الابتلاء يتناسب مع قوة إيمان الرجل وشدة بلائه فرسول الله- صلى الله عليه وسلم- خاتم الأنبياء والمرسلين وإمامهم، وقمة لا يدانيها مخلوق من مخلوقات الله- سبحانه وتعالى- فليس غريبًا عليه أن يكون أكثر الناس ابتلاء في سبيل الله، وأن يتولى الله إعداده وتهيئته لهذه المهمة، وأن يأتي حديث نزول الوحي للمرة الأولى بنماذج كثيرة على هذا الابتلاء منها:

1 – قال- صلى الله عليه وسلم- في حديث يرويه مسلم: «إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم على قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن»  كان هذا قبل البعثة، وما كان- صلى الله عليه وسلم- يعلم أنه نبي، وكانت أعصابه تحتمل هذه الواقعة التي يٍتهاوى أمامها أشد الناس شجاعة وإقدامًا.

 ماذا يفعل أحدنا لو أن حجرًا أو شجرًا سلم عليه أو كلمه.  بدون شك كان هذا اختبارًا من الله لنبيه وتهيئته وتربيته لما هو أخطر من سلام الحجر، ونجح- صلى الله عليه وسلم- بهذا الاختبار.

2 - فوجئ صلى الله عليه وسلم بالوحي، وقد أدهشته هذه المفاجأة لأنها جاءت على غير موعد والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَىٰ إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ. (القصص: ٨٦) وعاد إلى خديجة ترجف بوادره «۲» وقال لها: «قد خشيت على نفسي» وللعلماء أقوال في تفسير هذه العبارة منها:

خشيت ألا أنهض بأعباء النبوة، وأن أضعف عنها، أو كانت خشيته من قومه أن يقتلوه، ولا غرو فإنه بشر يخشى من القتل والأذية الشديدة ما يخشاه البشر، ثم يهون عليه الصبر في ذات الله كل خشية، ويجلب إلى قلبه كل شجاعة وقوة، أو خشي على نفسه الجنون أو الهاجس أو الموت من شدة الرعب أو المرض ودوامه، أو العجز عن النظر إلى الملك من الرعب، أو تكذيبهم وتعييرهم إياه. ورجح ابن حجر أن يكون قد خشي على نفسه الموت أو المرض ودوامه «۳».

وخديجة رضي الله عنها تطمئن زوجها الخائف ثم تنطلق به إلى ورقة بن نوفل ليقص عليه الخبر ويستنير برأيه، وورقة شيخ مسن عنده الكثير عن أخبار الأمم السابقة.

 إن خوف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الشديد، دليل على أن ما حدث له ليس مكاشفة ولا إلهامًا أو مجرد رؤية، وإن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لم يكن يترقب الوحي أو يتطلع إليه، ولو كان الأمر كذلك لما اعتراه هذا الرعب ولا عاد إلى خديجة خائفًا وجلًا، وخديجة لو كان عندها الجواب الشافي لما انطلقت به إلى ورقة بن نوفل.

3- لننظر الصورة التي نزل بها الوحي، كانت بحق صورة مخيفة فهو قد جاءه فجأة وبدون موعد سابق، وهذا المجيء كان في غار يبعث الرهبة في النفس بدون نزول وحي، وقد جاء في الصورة التي خلقه الله عليها فكان له جناحان من ياقوت يختطفان البصر ثم غطه بشدة ثلاث مرات، فلماذا كانت الغطات الثلاث مع المفاجأة والرهبة من الملك القادم؟!

لنرى ما قاله العلماء أولًا: قال أبو سليمان الخطابي: وإنما فعل ذلك ليبلو صبره ويحسن تأديبه فيرتاض لاحتمال ما كلفه به من أعباء النبوة، ولذلك كان يعتريه مثل حال المحموم وتأخذه الرحضاء أي البهر والعرق «٤».

وقال السهيلي:  وكان في ذلك إظهار للشدة والجد في الأمر، وأن يأخذ الكتاب بقوة، ويترك الأناة فإنه أمر ليس بالهوينى «٥»

وقال النووي: والحكمة في الغط شغله من الالتفات والمبالغة في أمره بإحضار قلبه لما يقوله وكررها ثلاثًا مبالغة في التنبيه فقيه أنه ينبغي للمعلم أن يحتاط في تنبيه المتعلم وأمره بإحضار قلبه «٦».

ومن العلماء من أول الغطات بثلاث شدائد يبتلى بها- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه وبعدها يكون الفرج: شدة الجوع في شعب أبي طالب، وشدة الخوف والإيعاد بالقتل، وشدة أخرى من الإجلاء عن أحب الأوطان إليه.

إذن: غطه الوحي ليمتحن صبره، وليعلمه بأن هذا الأمر جد، وينبغي النهوض به بقوة، وتكرار الغط كان من أجل أن ينتبه كلية للوحي ولا يشغله عنه أمر آخر.

 وتتابع الوحي يأتيه مثل صلصة الجرس. قالت عائشة: «ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد فيفصم «7» عنه وإن جبينه ليتفصد عرقًا».. وكانت راحلته تبرك على الأرض إذا كان راكبًا، وأشد حالات الوحي كانت في مراحل الدعوة الأولى، وما ذلك إلا التربية الرسول على تحمل المشاق وليعلم منذ اللحظات الأول أن دعوته تكاليف باهظة وبذل دائم وما عليه إلا العمل والصبر واحتساب الأجر عند الله.

4- قال ورقة بن نوفل الرسول الله- صلى الله عليه وسلم- بعد أن سمع منه: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، يا ليتني فيها جذعًا، ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك.

 فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: أو مخرجي هم؟

قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا. وورقة شيخ كبير كره عبادة الأوثان فخرج مع زيد بن عمرو بن نفيل إلى الشام، ولقي من بقي من الرهبان على دين عيسى ولم يبدل ولهذا أخبر بشأن النبي- صلى الله عليه وسلم-، والبشارة به إلى غير ذلك مما أفسده أهل التبديل «۸»

وكان ورقة يكتب من الإنجيل بالعبرانية، وعنده علم واسع بأخبار الأنبياء والمرسلين ولهذا حدد معالم الطريق لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقال له: سيخرجك قومك، ولسوف تحارب وتؤذى واستغرب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الخبر فقال: أو مخرجي هم؟

 فأجابه ورقة أنه لا بد من العداء والإخراج والابتلاء، وجميع الأنبياء والمرسلين سلكوا هذا الطريق.

 والدعوة تقتضي هذا إذ كيف ينكر الرسول على قومه ما ألفوه من عادات وعقائد ثم لا يتعرضون له بأذى؟!.. وعلم الرسول- صلى الله عليه وسلم- وهو يخطو أول خطوة في درب الرسالة أنه سيخرج من أحب البلاد إليه، ومع هذا مضى في طريقه ترعاه عناية الله ويصاحبه جبريل يعلمه القرآن ويجيبه على كل سؤال ويبلغه أوامر الله.

5 - اطمأن الرسول- صلى الله عليه وسلم- بأن الذي جاءه في حراء جبريل- عليه السلام-، وأن الله قد اختاره بشيرًا ونذيرًا ومنقذًا للبشرية من الجهالة والشرك.. أطمأن رسول الله وهدأت جوارحه بعد أن سمع كلام ورقة بن نوفل، وبينما كانت نفسه الثائرة تهدأ ويستبشر بوعد ربه.. في هذه اللحظات انقطع الوحي، وعاد- صلى الله عليه وسلم- يعيش مرحلة جديدة من القلق والاضطراب: إذا كان الذي جاءه ملكًا فأين هو، لماذا انقطع هل قلاه ربه وتخلى عنه؟! 

هل يكون صاحبه جنًا تمثل في صورة ملك كريم؟!

 وطال انتظار رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وترقبه لصاحبه، كان خلال هذه المحنة يتردد على غار حراء ويصعد قمم الجبال الشاهقة بحثًا عن جبريل- عليه السلام-، فهو شديد الشوق إليه، شديد الحزن على فراقه.

وقاربت هذه المحنة ستة أشهر «۹»، وكانت درسًا تربويًا بالغ الأثر في شخصية الرسول- صلى الله عليه وسلم-. 

وصار- صلى الله عليه وسلم- خلال هذه المحنة الربانية التربوية يستعجل نزول الوحي، ويتطلع إليه حبًا وشوقًا، وبعد أن كاد ييأس سمع صوتًا من السماء فرفع بصره فإذا الملك الذي جاءه بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فخاف منه وعاد إلى خديجة فرارًا من الوحي فأنزل الله- تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ. (المدثر:1-2)

 ما أشد رهبة الوحي، لقد امتلأت نفس رسول الله- صلى الله عليه وسلم- رعبًا منه، وهو الذي كان في غاية الشوق إليه، وما أظلم الذين يزعمون بأن الوحي إلهام وإشراق نفسي من ذات الرسول، فأين كان هذا الإشراق النفسي خلال فترة الوحي بل أين كان خلال أربعين عامًا عاشها- صلى الله عليه وسلم- قبل البعثة؟!

وتتابع الوحي بعد المدثر، كما تتابعت المحن وامتزجت بالدعوة امتزاجًا لا انفصام بعده، والله- سبحانه وتعالى- كان يرعى أمر رسوله ويحفظه من عدوان المشركين وأذاهم، وكان- صلى الله عليه وسلم- إذا كثرت مصائبه لجأ إلى ربه يسأله الثبات والصبر، وربه يرسل إليه جبريل يقرؤه كلام رب العالمين: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ. (الأحقاف: ٣٥) ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا. (الأنعام: ٣٤) ﴿وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (لقمان: ۱۷) ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا (الطور: ٤٨)

وكان- صلى الله عليه وسلم- بحاجة إلى هذه الآيات تذكره بأن الرسل جميعًا صبروا على الأذى، وتشعره برعاية الله له، وتؤكد له بأن الأمور بيد الله ووفق مشيئته، والبشر مهما كثر عددهم وتضاعفت قوتهم لا يصنعون شيئًا أمام قضاء الله وقدره. ما أشد حاجة الدعاة اليوم إلى حسن الاعتماد على الله وتطهير قلوبهم وعقولهم من الخوف من العبيد ومؤامراتهم وكيدهم.

وإلى الذين يؤثرون العافية، ويحرصون على حب السلامة، ويتهربون من كل عمل يكلفهم مشقة وبذل جهد.. إلى هؤلاء جميعًا نقول:

لا تضيفوا إلى تقصيركم وخمولكم فتاوى باطلة في مسخ الإسلام، قد يغفر الله لكم التقصير في تبليغ الدعوة أما من يفتي برأيه وبدون علم فليتبوأ مقعده من النار.

إن الدعوة إلى الله منذ يومها الأول تعني بذل الجهد، والاصطدام مع الأنظمة الجائرة الحائدة عن منهج الله، ليست الدعوة إلى الله مجالًا للرزق وجمع المال، ولا وسيلة إلى المناصب الرفيعة في أنظمة جاهلية ولا طريقة إلى التلاعب بعواطف الناس وجمعهم حول من أجادوا فن التمثيل وصناعة التضليل.

 إن الدعوة غرم وليست غنمًا، بذل وتضحية وليست مكسبًا وراحة صبر وابتلاء وليست هزلًا وتقطيعًا لأوقات الفراغ.

وهذا هو الإسلام كما أراده الله ولهذا جاء حديث نزول الوحي حافلًا بمعاني الابتلاء والصبر.

المصادر

1 - رواه الدارمي، وابن ماجه، والترمذي واللفظ له وقال عنه:

حدیث حسن صحيح.

۲- بوادره: جمع بادرة وهي عروق تضطرب عند الفزع.

3- الروض الأنف: 2/410 وفتح الباري 1/27.

4- البداية والنهاية: 7/3

5- الروض الأنف:2/400

6-مختصر صحیح مسلم بشرح النووي: 2/199

7- يفصم: يقلع ويتجلى ما يغشاني

8- فتح الباري: 1/28

9- قاله البيهقي، وابن سعد في رواية له عن ابن عباس، والسهيلي في إحدى روايتيه. 

انظر فتح الباري: 1/30

الرابط المختصر :