; فقه الشراكة العالمية في المياه | مجلة المجتمع

العنوان فقه الشراكة العالمية في المياه

الكاتب د. مسعود صبري

تاريخ النشر الأحد 01-أغسطس-2021

مشاهدات 92

نشر في العدد 2158

نشر في الصفحة 57

الأحد 01-أغسطس-2021

قضايا فقهية

فقه الشراكة العالمية في المياه

من شروط الشراكة في الماء أن يكون من نوع الملكية العامة كالبحار والمحيطات مما لا يقع في ملك خاص

يجب مراعاة مصالح الدول التي تمر بها قنوات المياه والتوازن بين المصالح المشتركة والأوزان النسبية

د. مسعود صبري

يعد الماء من نِعَم الله تعالى على بني آدم، وهو أول مقومات الحياة، كما قال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) (الأنبياء: 30)، وتبلغ نسبة الماء على وجه الأرض 71%.

ولما كان الماء أهم الموارد الطبيعية التي لا غنى للأفراد والمجتمعات عنها؛ جعل النبي صلى الله عليه وسلم ملكية الماء ملكية عامة، لا يجوز منعها، كما ورد في حديث أبي داود، وابن ماجة، من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «المسلمون شركاء في ثلاثة؛ في الماء والكلأ والنار»، وفي الصحيحين: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمنع الماء مخافة أن يرعى الكلأ».

والتصرف في ملكية الماء على ثلاثة أنواع:

الأول: الملكية العامة في الماء: 

وتتمثل في مياه البحار والأنهار والمحيطات وغيرها، فالناس فيها شركاء لا يجوز لأحد أن يمنع أحداً من الانتفاع بها، كما لا يجوز بيعها، بل تبقى ملكية عامة للجميع.

الثاني: الملكية الخاصة في الماء: 

وهو ما حصل عليه الإنسان وامتلكه عنده، كالمياه التي تكون في الأواني أو الخزانات، أو تلك التي تملأ في عبوات ونحوها، فهذه ملكية خاصة، لا يجوز أخذها إلا بإذن الإنسان، إما عن طريق الهبة، أو عن طريق شرائها منه. 

ودليل جواز الملكية الخاصة ما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «لأنَ يَأخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَأْتَي بحُزْمَةِ حَطَبٍ على ظَهْرِهِ فيبيعها فَيكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهَ خَيْرٌ لَهُ منْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ»، فدل الحديث على جواز الملكية الخاصة في الحطب فيقاس عليه الماء، وإذا ثبتت الملكية الخاصة فلا يجوز أخذها إلا ببيع أو هبة.

الثالث: الملكية المشتركة:

وهي المياه التي امتلكها الإنسان بحيازته لأنها وقعت في أرضه، كالبئر في أرض معينة، وهذه محل خلاف بين الفقهاء، والراجح فيها أنها ملكه، لكن لا يجوز له منع ما فاض منها.

وفي المذهب الحنبلي روايتان، قال أحمد: إنما هذا في الصحاري والبرية دون البنيانِ؛ يعني: أن البنيان إذا كان فيه الماءُ، فليس لأحد الدخولُ إليه إلا بإذن صاحبه، وهل يلزمُه بذْل فضل مائه لزرعِ غيره؟ فيه وجهان، وهما روايتان عن أحمد.

ومن الأحكام التي استقرت عند الفقهاء منع بيع الماء الفائض، ودليله حديث ما أخرجه مسلم عند جابر رضي الله عنه قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع فضل الماء»، وفي مسند الإمام أحمد: «من منع فضل مائه أو فضل كلئه، منعه الله فضله يوم القيامة».

بل جاء النص على أن ثمن ما فاض عن الإنسان من ماء حرام، كما في رواية عند ابن ماجة من حديث ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المسلمون شركاء في ثلاث؛ الماء والنار والكلأ، وثمنه حرام».

معنى الشراكة في الماء:

الشركاء في الماء الواردة في الحديث النبوي تتخذ أشكالاً متعددة، من أهمها:

1- الشراكة الفردية: يعني أنه لا يجوز للأفراد أن يمنع بعضهم بعضاً من الانتفاع بالماء العام، كالأنهار والبحار والمحيطات ونحوها.

2- الشراكة بين الأقاليم: وهي تكون بين المدن أو الأقاليم المتجاورة.

3- الشراكة بين الدول: وهي التي تكون بين الدول المتجاورة.

شروط الشراكة في الماء:

هذا أمر يحتاج إلى نوع من التدقيق والتحقيق والتمحيص والاجتهاد، لأنه من المسكوت عنه، ويبدو أن شروط الشراكة في الماء ما يلي:

1- أن يكون الماء من نوع الملكية العامة كالبحار والمحيطات والأنهار والأودية وغيرها مما لا يقع في ملك خاص.

2- أن يكون الماء موجوداً في محيط أو بلد المنتفعين والشركاء، كأن يكون البحر يطل على عدد من المدن أو الأقاليم أو الدول، أو يكون النهر مخترقاً عدة دول، مثل: نهر النيل، الذي يعد أطول نهر في العالم، ويمر على إحدى عشرة دولة، تسمى دول حوض النيل، مثل: تنزانيا، أوغندا، رواندا، بوروندي، الكونغو، كينيا، إريتريا، جنوب السودان، السودان، مصر، وكذلك نهر دجلة، الموجود في كل من تركيا وسورية والعراق، وكذلك نهر السنغال الذي يضم أربع دول، هي: غينيا، ومالي، والسنغال، وموريتانيا، وكذلك نهر الأمازون الذي يمر بالبرازيل وبيرو، وتصل روافده إلى كل من فنزويلا وكولومبيا والإكوادور وبوليفيا، وكذلك نهر دانوب، الذي يمر على عدة دول، مثل: ألمانيا، والنمسا، وسلوفاكيا، والمجر، وكرواتيا، وصربيا، ورومانيا وبلغاريا.

3- أنه يجب مراعاة مصالح الدول التي تمر بها قنوات المياه، والتوازن بين المصالح المشتركة، والأوزان النسبية، التي تتفاوت بين دول المنبع ودول المصب.

4- أنه يجب احترام القوانين الدولية المتفق عليها بما لا يضر مصالح البلاد التي تمر فيها القنوات المائية.

ولما كانت المياه ليست متوفرة في كل دول العالم، فإن الشراكة تكون بنقل هذه المياه إلى الدول التي ليست فيها مياه، من خلال الاتفاقات بين دول العالم، وكذلك، فإن الدول التي ليس فيها مصادر مياه، فإن فيها مصادر أخرى غير المياه؛ ما يعني تبادل المنافع بين الدول التي عندها مياه والتي ليست عندها.

الرابط المختصر :