العنوان فقه السياحة في الإسلام
الكاتب د. فتحي يكن
تاريخ النشر الثلاثاء 24-فبراير-1998
مشاهدات 77
نشر في العدد 1289
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 24-فبراير-1998
ساح فلان في الأرض سيحًا وسيحانًا وسياحة: ذهب وسار، وساح: ذهب فيها للتعبد والترهب وساح: لزم المسجد، وساح أدام الصوم.
-السائح: الصائم الملازم للمسجد، والسائح المتنقل في البلاد للتنزه أو للاستطلاع والبحث والكشف ونحو ذلك.
السياحة: التنقل من بلد إلى بلد طلبًا للتنزه أو الاستطلاع والكشف (1).
السياحة والسيوح والسيحان والسيح: في الأرض للعبادة، ومنه المسيح ابن مريم (۲).
والسياحة: الذهاب في الأرض للعبادة والترهب، وساح في الأرض يسيح سياحة وسيوحًا وسيحًا وسيحانًا؛ أي ذهب، وفي الحديث: لا سياحة في الإسلام، أراد بالسياحة مفارقة الأمصار والذهاب في الأرض، وأصله من سيح الماء الجاري، قال ابن الأثير: أراد مفارقة الأمصار، وسكنى البراري، وترك شهود الجمعة والجماعات، قال وقيل أراد الذين يسعون في الأرض بالشر والنميمة والإفساد بين الناس، وقد ساح، ومنه المسيح ابن مريم -عليهما السلام- في بعض الأقاويل: كان يذهب في الأرض فأينما أدركه الليل صف قدميه وصلى حتى الصباح، فإذا كان كذلك فهو مفعول بمعنى فاعل. (۳)
السياحة في القرآن الكريم:
قال -تعالى- في كتابه العزيز: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة التوبة: 112).
السائحون: وتختلف الروايات فيهم، فمنها ما يقول: إنهم المهاجرون، ومنها ما يقول: إنهم المتنقلون في طلب العلم، ومنها ما يقول إنهم الصائمون، ونحن نميل «والكلام للشهيد سيد قطب» إلى اعتبارهم المتفكرين في خلق الله وسننه، ممن قيل في أمثالهم في موضع آخر: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (سورة آل عمران:190-191) فهذه الصفة أليق هنا بالجو بعد التوبة والعبادة والحمد.
فمع التوبة والعبادة والحمد يكون التدبر في ملكوت الله على هذا النحو الذي ينتهي بالإنابة إلى الله، وإدراك حكمته في خلقه، وإدراك الحق الذي يقوم عليه الخلق، لا للاكتفاء بهذا الإدراك وإنفاق العمر في مجرد التأمل والاعتبار.
وفي تفسير «السراج المنير» للإمام الخطيب الشربيني: اختلف في المراد منهم قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: كل ما ذكر في القرآن من السياحة فهو الصوم، قال رسول الله ﷺ: سياحة أمتي الصوم، وعن الحسن أن هذا صوم الفرض، وقيل هم الذين يديمون الصيام، قال الأزهري: قيل للصائم سائح لأن الذي يسيح في الأرض متعبدًا لا زاد معه كان ممسكًا عن الأكل، والصائم ممسك عن الأكل فلهذه المشابهة يسمى الصائم سائحًا، وقال عطاء: السائحون الغزاة في سبيل الله تعالى، وروى عثمان بن مظعون أنه قال يا رسول الله: ائذن لنا في السياحة فقال: إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله، وقال عطاء: السائحون هم طلاب العلم، والسياحة أمر عظيم في تكميل النفس؛ لأنه يلقى أفاضل مختلفين فيستفيد من كل واحد فائدة مخصوصة.
وفي «تفسير القرطبي»: قال -تعالى- في محكم التنزيل: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ۙ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ (سورة التوبة: 2)، أي قل لهم سيحوا، أي سيروا في الأرض مقبلين ومدبرين، وفي قوله تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ﴾ (سورة التوبة: 112). يورد القرطبي ما يلي:
-السائحون: الصائمون، وقال سفيان بن عيينة إنما قيل للصائم سائح لأنه يترك اللذات كلها من المطعم والمشرب والمنكح.
وروي عن عائشة أنها قالت: سياحة هذه الأمة الصيام «أسنده الطبري، ورواه أبو هريرة مرفوعًا عن النبي ﷺ أنه قال: «سياحة أمتي الصيام».
قال الزجاج: ومذهب الحسن أنهم الذين يصومون الفرض، وقد قيل إنهم الذين يديمون الصيام، وقال عطاء: السائحون المجاهدون.
وقيل: السائحون المهاجرون قاله عبد الرحمن بن زيد، وقيل هم الذين يسافرون لطلب الحديث والعلم، قاله عكرمة، وقيل هم الجائلون بأفكارهم في توحيد ربهم وملكوته، وما خلق من العبر والعلامات الدالة على توحيده وعظمته، حكاه النقاش.
قال القرطبي: لفظ (س ي ح) يدل على صحة هذه الأقوال، فإن السياحة أصلها الذهاب على وجه الأرض كما يسيح الماء، فالصائم مستمر على الطاعة في ترك ما يتركه من الطعام وغيره، فهو بمنزلة السائح، والمتفكرون تجول قلوبهم فيما ذكروا قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ ۚ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ﴾ (سورة الروم: 42).
فوائد ودروس وعبر السياحة:
للسياحة فوائد قد يعجز الإنسان عن إدراكها جميعًا، أو تعدادها على سبيل الحصر، وما لا ندركه اليوم قد يستدركه غيرنا غدًا، لتبقى سنة التطور والتطوير والتجدد والتجديد ضاربة عبر التاريخ والأجيال إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها:
۱- فمن هذه الفوائد التعرف على آيات الله في خلقه، في أجناس الناس وألوانهم وألسنتهم، في عاداتهم وتقاليدهم، في أفكارهم وثقافاتهم، في طباعهم وأمزجتهم، في ميولهم وهواياتهم فيزداد إجلالًا لله، وتعظيمًا لقدرته، وإقرارًا بعظمته وإقبالًا على طاعته، ورجاء بعفوه ومغفرته: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ﴾ (سورة الروم: 22).
2- ومن فوائد السياحة التعرف على آيات خلق الله في الأرض واختلاف تكوينها وتضاريسها ومناخاتها ومعادنها وكنوزها وأنهارها وبحارها وثرواتها، وفوارق ليلها ونهارها، وحرها وبردها: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (سورة الحج: 46).
3- ومن فقه السياحة: التعرف على نهايات الظالمين وعاقبة المجرمين ومصير الطغاة والجبارين، لتطمئن النفس إلى أن العاقبة للمتقين والنصر للمؤمنين، وأن دولة الباطل ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة، قال سبحانه: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (سورة غافر: 82).
إنه تأكيد رباني على أن سنة التدافع بين الحق والباطل ستنتهي لا محالة بانتصار الحق وأهله، وهزيمة الباطل وجنده ولو بعد حين: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ (سورة الأنبياء: 18).
- في ألمانيا مررنا بمقر قيادة «هتلر» -الرايخ- الذي أطبقت جيوشه في فترة من الزمن على روسيا ومعظم الدول الأوروبية، ثم أصبح أثرًا بعد عين.
- وفي إيطاليا تذكرنا ما فعله الديكتاتور موسوليني، وما اقترفه من جرائم بحق الشعوب الأوروبية وبعض الشعوب العربية مستذكرين ثورة عمر المختار، وانتفاضة الشعب الليبي المسلم.
- وفي مصر تذكرنا الفراعنة القدامى، والجدد، وظلمهم وبغيهم.
- وفي فلسطين مررنا بالبحر الميت، وتذكرنا قصة آل لوط والمصير الأسود الذي لقيه أهل «سدوم وعمورية» بسبب فحشهم وشذوذهم.
- وهكذا لا نكاد نمر ببلد إلا والعبرة مائلة: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (سورة ق: 37).
4- ومن فوائد السياحة والسفر اتساع المعرفة من خلال التعرف على ما لدى الآخرين من علوم وفنون ومستجدات ومبتكرات وأساليب واقتباسها، فالحياة مدرسة تتسع وتضيق بقدر اتساع أو ضيق دائرة تعرف الإنسان عليها زمانًا ومكانًا وظروفًا، فالإنسان ابن محيطه، فمن كان حبيس بينه كان ابن بيته، ومن كان حبيس قريته أو مدينته أو بلده كان ابن هذه الدائرة. أما من ارتحل في أرض الله الواسعة يتلمس العبر ويقلب الفكر، ويستطلع الأحوال والثقافات والمعارف، والأعراف، والتقاليد، والتجارب، فإنه لا شك سيكون أوسع نظرًا، وأعمق تصورًا وأكثر خيرًا، وأعظم أثرًا، حيث يكون ابن عصره.
والإسلاميون بشكل خاص مطالبون بالسياحة لمعرفة زمانهم وما فيه من قوى، وحضارات، ومخترعات، وتحديات، وخصائص للتعلم والتعليم، والأخذ والعطاء، والاحتكاك بالغير وإفادته والاستفادة منه.
5- ومن فوائد السياحة الاعتبار بتجارب الآخرين وما مر بهم من حرب وسلم، وضعف وقوة، وصحة وسقم، وغنى وفقر، وتقدم وتخلف، واستكشاف أسباب كل ذلك، والاستفادة من كل ذلك عملًا بالمثل القائل «من رأى العبرة في غيره فليعتبر».
ولقد كان الهدف من القصص القرآني التعليم والاقتباس والاعتبار: ﴿تِلْكَ الْقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَائِهَا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِن قَبْلُ ۚ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾ (سورة الأعراف: 101).
6- ومن الفوائد الجلية للسياحة من دعوة إلى الإسلام سواء لأهل البلاد أو للجالية الإسلامية الموجودة هناك، واليوم بات الأمر سهلًا وميسورًا لوجود المساجد والمراكز والمنتديات الإسلامية على امتداد العالم، فالدعوة إلى الإسلام في البلاد المختلفة لها فوائد كثيرة ومنافع جمة للداعية والناس، فبالنسبة للناس، أثر القادمين عليهم من بعيد أكبر من أثر المقيمين بينهم.
أما بالنسبة للدعاة فإن إطلالاتهم الاغترابية وما تحتاجه من إرشاد وتوجيه وتفقيه يتناسب مع البلاد التي يعيشون فيها، والمشكلات التي يواجهونها- يعطيهم المزيد من الخبرات، ويقدح زناد فكرهم بالجديد من الآراء والأفكار والاجتهادات التي تتناسب مع كل بيئة وبلد، وصدق الله العظيم حيث يقول: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (سورة التوبة: 122).
7- ومن الفوائد التي فطن إليها الآخرون وسبقونا إليها ما يتعلق بالحركة الاقتصادية والنشاط الإنمائي، إن السياحة يمكن أن تكون بابًا واسعًا من أبواب التسخير وإقامة المشاريع الاقتصادية، وتبادل السلع، والمشروع الإسلامي من خلال تكامله يحتاج إلى القوة الاقتصادية وبخاصة في عصر بات القرار السياسي مبنياً على الاعتبار الاقتصادي، ولقد أدرك الأولون من سلفنا أهمية هذا الأمر؛ فشكلوا القوافل التجارية، وجابوا أقطار الأرض، يمارسون تجارة الدنيا والدين، وكانوا يتنقلون على الحمر والبغال والجمال، فيقصدون البلد تلو الآخر، ولم تكن لديهم طائرات ولا سيارات ولا قطارات أو أي من وسائل النقل الحديثة (نماذج من ذلك «الرحلات» لابن الأبيض).
8- ومن فوائد السياحة الترويح عن النفس، والخروج من أسر الروتين المضني للجسم الممل للنفس، عملًا بقول الرسول ﷺ: «روحوا عن القلوب ساعة بعد ساعة؛ فإن القلوب إذا كلت عميت».
فالسياحة تجدد النشاط، وتبعث الحيوية، وتشحذ الإرادة وتصقل النفس، فيعود الإنسان إلى بلده وكأنه خلق من جديد، وخلقت معه طاقات لم يكن ليشعر بها، وفتحت أمامه آفاق لم يكن ليراها.
موقع ودور السياحة في مشاريع الآخرين:
لقد أدرك الآخرون من غير المسلمين والإسلاميين قيمة السياحة فسخروها لخدمة مشاريعهم، أنشئوا لذلك شبكات الفنادق ومجموعات المصارف، ومكاتب السفر والسياحة وجندوا آلاف العاملين ليكونوا في خدمة السياح، من خلال منهجية منحرفة تجعل السياحة وسيلة إفساد، وفرصة ابتزاز، فقد يقع في حبائل هذه الرحلات الكثير من الأتقياء لعدم وجود البديل السياحي النظيف العفيف الشريف:
أين موقع السياحة في المشروع الإسلامي؟
أين المكاتب التي تعد برامج سياحية هادفة ونوعية؟
أين القطاع الفندقي الراقي والملتزم؟
أين النوادي الرياضية والمسابح البحرية النظيفة؟
أين المخيمات التي يمكن أن تقام لهذا الغرض فتكون مكانًا للمبيت، ومسجدًا للصلاة، وبركة للسباحة، ومكانًا للرياضة والترفيه، وقاعة للكتب ومجلسًا للتوجيه، وملتقى أصحاب الاعمال من الاقتصاديين الذين يبرمون الاتفاقات ويعقدون الصفقات؟
الحقيقة المرة أن السياحة -كما سواها- غير واردة في منهجية عمل الإسلاميين ودورها معطل أو شبه معطل.
وحتى لا نكتفي بالبكاء على أنفسنا وعلى حالنا، فإن علينا والحالة هذه أن نعيد النظر في كامل دورنا، ونجري مسحًا بكل الوسائل التي يمكن أن تُسخر في خدمة مشروعنا، لنخرج من دائرة الدرس والموعظة والمهرجان والخطبة والأسرة والحلقة -والتي تحتاج هي كذلك إلى إعادة نظر وتفعيل- إلى دائرة التمكين في الأرض بالعقل والعمل، بالفكرة والمشروع، بالخطبة والمؤسسة.
نحن بمسيس الحاجة إلى تسخير كل ما حولنا ومن حولنا من إمكانات بشرية ومالية وتجارية ومؤسسية وتقنية وعلمية في خدمة الإسلام وعلى مستوى العصر، وعندها فقط يمكن أن نكون أهلًا لوراثة الأرض.
-ما أكثر الشكوى من عدم توافر المال وحالات الفقر لدى الإسلاميين وأمامهم مئات مشاريع الاستثمار.
-ما أكثر الشكوى من ارتفاع نسبة البطالة وهنالك آلاف فرص العمل.
-ما أكثر الشكوى من امتلاك اليهود لوسائل الإعلام، والقطاعات المصرفية والفندقية وشركات النقل والاتصال، والصناعات المختلفة، والمحلات التجارية الكبرى، وغيرها، ولكن ما أقل المبادرات التي تنقل الإسلاميين من دائرة الشكوى السلبية إلى دائرة التنافس الإيجابي ولو بخطوة بعد خطوة.
إن اللوبي الصهيوني العالمي لم ينشأ في يوم أو ليلة، ولا بجرة قلم، وإنما جاء نتيجة جهود جبارة بذلت على كل صعيد وعلى امتداد عقود طويلة من الزمن ولا تزال، فهل تكون من البادئين ولو كنا متأخرين؟ نحن بحاجة إلى نمط من التفكير جديد، وأسلوب من العمل والتخطيط متطور، بحاجة إلى عقول نيرة ونفوس متوثبة، وهمم عالية.
بحاجة إلى أن نخرج من عنق الزجاجة التي حبسنا أنفسنا فيها لأننا نحن المعنيون بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (سورة الجمعة: 10) وعسانا نحس لسعة (الدرة -العصا) التي خفق فيها الفاروق عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ذلك الأعرابي المنكفئ في المسجد، وقد خرج الناس لعمارة الحياة بالإسلام، وتسترجع قولته المشهورة: (قم لا تمت علينا ديننا أماتك الله).
السياحة عبادة متعددة الشعائر:
إنه ليس غريبًا أن يجمع الله -تعالى- في آية من آيات كتابه الكريم بين التائبين، والعابدين، والحامدين والراكعين، والساجدين، والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، والحافظين لحدود الله، وبين السائحين، وكأن السياحة إحدى أهم العبادات ذات الفوائد والشعائر والقيم المتعددة.
-فإذا أفضت السياحة إلى التفكير بآيات الله في خلقه من حيث التنوع والتعدد البشري والتنوع والتعدد الجغرافي والمناخي والطبيعي، مما يؤدي إلى التعرف على سنن الله، ويقوي الإيمان به، ويشحذ إرادة الجهاد في سبيلة.
-وإذا أدت السياحة إلى اكتساب الكثير من المعارف والثقافات والخبرات مما يفعل الدور الإسلامي.
-وإذا جُعلت السياحة منبرًا من منابر الدعوة إلى الله، وتبليغ أمر شرعه، كما سخرت في ابتغاء فضل الله وعمارة أرضه، وتحصيل رزقه، وحيازة القوة المطلوبة والأسباب المرغوبة للاستخلاف في الأرض.
فإذا كانت السياحة تفضي إلى كل هذه النعم، وتحقق كل تلكم القيم، فإنها تستحق أن تكون محل دراية وتأمل من الإسلاميين، وأن يكون لها دور موجه فاعل في إطار المشروع الإسلامي
الهوامش:
1-المعجم الوسيط مجموعة المكتبة الإسلامية. إسطنبول - تركيا. ج ١/ ص ٤٦٧.
2- القاموس المحيط الفيروز آبادي مؤسسة الرسالة بيروت – ط2 ۱۹۸۷/ ص ۲۸۸.
3- لسان العرب: دار صادر/ أبو الفضل جمال الدين بن محمد بن مكرم ابن منظور الإفريقي المصري/ ج ٢.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل