العنوان فقه الزكاة.. زكاة المستغلات: العمارات والمصانع ونحوها
الكاتب المحرر المحلي
تاريخ النشر الثلاثاء 27-يونيو-1978
مشاهدات 89
نشر في العدد 401
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 27-يونيو-1978
*زكاة المستغلات بين المضيقين والموسعين
المستغلات: هي الأموال التي لا تجب الزكاة في عينها، ولم تتخذ للتجارة، ولكنها تتخذ للنماء، فتغل لأصحابها فائدة وكسبًا بواسطة تأجير عينها، أو بيع ما يحصل من إنتاجها.
فما يؤجر: مثل الدور والدولاب التي تكرى بأجرة معينة - ومثل ذلك الحلي الذي يكرى وغيره وفي عصرنا يتمثل في العمارات ووسائل النقل وغيرها.
وما ينتج ويباع نتاجه: مثل البقر والغنم غير السائمة التي تتخذ للكسب فيها، ببيع لبنها أو صوفها أو تسمينها أو غير ذلك، وأهم منها الآن المصانع التي تنتج ويباع إنتاجها في الأسواق.
والفرق بين ما يتخذ من المال للاستغلال وما يتخذ للتجارة: أن ما اتخذ للتجارة يحصل الربح فيه عن طريق تحول عينه من يد إلى يد. أما ما اتخذ للاستغلال فتبقى عينه وتتجدد منفعته.
وعلى كل حال فإن معرفة الحكم في المستغلات أمر مهم، وخاصة في عصرنا، بعد أن تعددت أنواع المال النامي فلم يعد مقصورًا على الماشية والنقود وسلع التجارة والأرض الزراعية. فمن الأموال النامية في عصرنا العمارات التي للكراء والاستغلال والمصانع التي تعد للإنتاج والسيارات والطائرات والسفن التي تنقل الركاب والبضائع والأمتعة، وغير ذلك من رؤوس الأموال الثابتة أو شبه الثابتة. وبعبارة أدق رؤوس الأموال المغلة النامية غير المتداولة التي تدر دخلًا وفيرًا على أصحابها، فماذا تقول شريعة الإسلام وفقهاؤها في زكاة هذه الأشياء؟
إن الجواب على هذا السؤال يختلف باختلاف وجهة المضيقين والموسعين في إيجاب الزكاة.
وجهة المضيقين في إيجاب الزكاة:
يقولون لا زكاة في ذلك مؤيدين رأيهم بالآتي:
1- أن الرسول صلى الله عليه وسلم حدد الأموال التي تجب فيها الزكاة، فلم يجعل معها ما يستغل أو ما يكرى من العقارات والآلات وغيرها.
2- أن فقهاء المسلمين في مخلتف الأعصار لم يقولوا بوجوب الزكاة في هذه الأشياء.
3- أنهم نصوا على ما يخالف ذلك فقالوا: لا زكاة في دور السكن، ولا أدوات المحترفين.
وجهة الموسعين في إيجاب الزكاة:
وهؤلاء يقرون وجوبها في الأشياء المذكورة من مصانع وعمارات ونحوها، وهذا هو رأي المالكية والحنابلة وغيرهم، وهو الراجح استنادًا للآتي:
أ- أن الله عز وجل أوجب في كل مال حقًّا معلومًا، أو زكاة أو صدقة بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ (المعارج: 24) وقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (التوبة: 103) من غير فصل بين مال ومال.
2- أن علة وجوب الزكاة في المال معقولة، وهي النماء كما نص الفقهاء الذين يعللون الأحكام، ويعملون بالقياس، وهم كافة فقهاء الأمة ما عدا حفنة قليلة، ومن هنا لم تجب الزكاة في دور السكن، وثياب البذلة وحلي الجوهر، وآلات الحرفة، وخيل الجهاد بالإجماع ، وكان القول الصحيح سقوط الزكاة عن العوامل من الإبل والبقر، وعن حلي النساء المستعملة المعتادة، وعن كل مال لا ينمي بطبيعته أو بعمل الإنسان. وإذا كان النماء هو العلة في وجوب الزكاة، فإن الحكم يدور معه وجودًا وعدمًا، فحيث تحقق النماء في مال وجبت فيه الزكاة، وإلا فلا.
3- أن حكمة تشريع الزكاة - وهي التزكية والتطهير لأرباب المال، أنفسهم والمواساة لذوي الحاجة، والإسهام في حماية دين الإسلام، ودولته ونشر دعوته - تجعل إيجاب الزكاة هو الأولى والأحوط لأرباب المال أنفسهم، حتى يتزكوا ويتطهروا وللفقتراء والمحتاجين، حتى يستغنوا ويتحرروا، وللإسلام دينا ودولة، حتى تقوى شوكته، وتعلو كلمته.
كيف تركي العمارات والمصانع ونحوها
. الأموال النامية التي أوجب الإسلام الزكاة فيها نوعان:
الأول: نوع تؤخذ الزكاة من أصله ونمائه معًا، أي من رأس المال وغلته، عند كل حول،كما في زكاة الماشية وعروض التجارة، وهذا لتمام الصلة بين الأصل وفوائده وغلاته، ومقدار الزكاة هنا هو ربع العشر أي 2.5٪.
الثاني: نوع تؤخذ الزكاة من غلته وإیراده فقط، بمجرد الحصول على الغلة دون انتظار حول، سواء أكان رأس المال ثابتًا كالأرض الزراعية، أم غير ثابت كنحل العسل. ومقدار الزكاة هنا هو العشر أو نصفه أي 10% أو 5%.
فعلى أي أساس تعامل هذه الأموال النامية الجديدة؟ وكيف نأخذ منها الزكاة؟ أنأخذ الزكاة من رأس المال وما بقي من غلته كما في أمــــوال التجارة؟ أم نأخذ من غلته وإيراده فقط، كما في الحبوب والثمار والعسل.
اتجاهان قديمان في زكاة الدور المؤجرة ونحوها من المستغلات:
الاتجاه الأول: أن تقوم وتزكى زكاة التجارة. هذا الرأي يعامل مالك العمارة الاستغلالية، والطائرة والسفينة التجاريتين ونحوها معاملة مالك السلع التجارية، فتثمن العمارة كل عام، مضافًا إليها ما بقي معه من إيرادها، ويخرج عن ذلك كله 2.5٪ ككل عروض التجارة.
الاتجاه الثاني: أن تزكى الغلة عند قبضها زكاة النقود.
أما الرأي الثاني فإنه ينظر إلى هذه المستغلات نظرة أخرى، فلا يأخذ الزكاة من قيمتها كل حول، ولكن يأخذها من غلتها وإيرادها.
رأي معاصر: أن تزكى الغلة زكاة الزرع والثمر.
وهذا الرأي يوافق الرأي الثاني في أخذ الزكاة من غلة هذه الأشياء، ولكنه يخالفه في مقدار ما يؤخذ، فإنه جعل الواجب هو العشر أو نصفه قياسًا على الواجب في الأرض الزراعية.
نصاب الزكاة في العمائر ونحوها
الراجح أن يقرر النصاب بالنقود أي بما قيمته 85 جرامًا من الذهب، على اعتبار أن الذهب وحدة التقدير في كل العصور، ولعل هذا هو الأقرب والأيسر، فإن الشارع اعتبر من ملك هذا القدر غنيًّا، وما دام مالك العمارة أو المصنع يقبض علة ملكه نقودًا فالأولى أن يقدر النصاب بالنقود.
المدة التي يعتبر فيها النصاب:
هل يعتبر النصاب بالشهر؟ فكل غلة شهر يشترط فيها أن تبلغ نصابًا أم يعتبر بالسنة؟ فتضم إيرادات الشهور بعضها إلى بعض، ويخرج منها الزكاة في رأس الحول إذا بلغت نصابًا.
إن الاعتبار بالشهر له مزية، وهي إعفاء ذوي الإيراد القليل من أصحاب الدور المتواضعة، التي لا يبلغ كراها في الشهر نصابًا، ففيه رفق بأرباب المال ولكن الاعتبار بالنسبة أنفع الفقراء والمستحقين، لما فيه من توسيع قاعدة الزكاة والأموال التي تجب فيها؛ إذ في هذه الحال تجب على عدد أكبر، فإن ضم دخل الشهور بعضها إلى بعض حتى تبلغ النصاب يدخل في ممولي الزكاة عدد أكبر.
رفع النفقات والديون من الإيراد:
والذي نختاره هنا: أن الزكاة تجب في صافي الإيراد، أي بعد رفع ما يقابل النفقات والتكاليف من أجور وضرائب ونفقات صيانة ونحوها، وكذلك رفع ما يقابل الديون التي تثبت صحتها، ورفع قدر النفقة هو ما ذهب إليه عطاء وغيره في الزرع والثمر. قال عطاء ارفع نفقتك وزك الباقي، وهو الذي أيـده ورجحه ابن العربي في شرح الترمذي.
إعفاء الحد الأدنى للمعيشة: هل تجب الزكاة في صافي الإيراد السنوي، دون أن يقتطع له فيه قدر ما يعيش به ومن يعوله في السنة، أي ما يحتاج إليه في حوائجه الأصلية؟ أم تجب في جملة الإيراد إعفاء شيء من ذلك؟
إن الذي يتفق وعدالة الإسلام أن يعفى ما يعتبر حدًّا أدنى للمعيشة في تقدير خبراء متدينين - وأن تجب الزكاة في الباقي من إيراد السنة إذا بلغ نصابًا، وهذا بالنسبة لمن ليس له إیراد آخر يكفيه حاجاته، كمعاش أو راتب أو نحوه.
زكاة كسب المعمل والمهن الحرة:
لعل أبرز مظاهر دخل الأفراد في عصرنا ذلك الذي يتقاضاه الإنسان نتيجة عمله وجزاء على جهده. والعمل الذي يكسب منه الإنسان مالًا، ويدر على صاحبه دخلًا نوعان: نوع يباشره الشخص بنفسه دون أن يرتبط برباط الخضوع لغيره، ويضطلع بعمل يدوي أو عقلي، فدخله في هذه الحالة دخل مهني، مستمد من المهنة التي يمارسها، كدخل الطبيب والمهندس والخياط والنجار وغيرهم من ذوي المهن الحرة.
ونوع يرتبط فيه الشخص بغيره، سواء كان غيره حكومة أم شركة أم فردًا.
- بعقد إجارة أشخاص، ليقوم بعمل ما، بدني أو عقلي أو مزيج منهما؛ فدخله حينئذ يتخذ صورة الرواتب والأجور والمكافآت.
فهل تؤخذ الزكاة من هذا الدخل المتجدد بنوعيه أم لا؟ وإذا أخذت فما نصابها؟ وكم تكون؟ وماذا يقول الفقه الإسلامي في هذا؟
يتبع العدد القادم
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل