العنوان فقه التنمية في الإسلام
الكاتب د. فتحي يكن
تاريخ النشر الثلاثاء 10-يونيو-1997
مشاهدات 157
نشر في العدد 1253
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 10-يونيو-1997
التنمية -من «نما»، أي زاد وكثر- مصطلح ارتبط في العصر الحديث بالجانب الاقتصادي والمالي والصناعي، وبقي لاصقًا في الذهن ضمن هذه الدائرة فقط، وكثيرًا ما تتردد عبارات «التنمية الزراعية الاقتصادية الصناعية، والمالية»، أما النظرة الإسلامية لمفهوم التنمية فتشمل كل جانب من جوانب الحياة؛ لأن الحياة في نظر الإسلام يجب أن تنمو نموًا متكاملًا متوازنًا مضطردًا، لأن عدم النمو يعني التوقف والتخلف والتراجع، ثم الموت.
من هنا كانت نظرة الإسلام إلى التنمية شاملة كاملة دافعة ومحرضة على تحقيقها، ففي الحديث قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من تساوى أمسه ويومه فهو مغبون» وفي الحديث: «لو قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها»، وعنف عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- رجلًا بقي في المسجد، وقد انطلق الناس إلى أعمالهم التنموية المختلفة قائلًا: «قم لا يمت علينا، وأماتك الله»، ولقد ارتبطت التنمية في الإسلام بالأخلاق ﴿وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ (سورة المدثر، آية:6-7).
- 1- التنمية الإيمانية:
من ركائز التنمية في الإسلام ما يتصل بالإيمان، فالإيمان يجب أن ينمو باضطراد، وكل تعطل في عملية التنمية الإيمانية ينعكس سلبًا في حياة الناس وسلوكه ومجمل تصرفاته، كما ينعكس بالتالي على المجتمع كله.
- شواهد قرآنية:
يقول الله -تعالى-: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِ إِيمَانًا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (سورة التوبة، آية: ١٢٤)، ويقول -سبحانه-: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (سورة الأنفال: 2) ويقول -عز من قائل-: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى ۗ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا﴾ (سورة مريم، آية: 76) ، ويقول -جل جلاله-: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا ۚ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (سورة الإسراء، آية: ۱۰۷ - ۱۰۹)، وقال -سبحانه-: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (سورة الأحزاب، آية: ۲۲)، وقال -عز وجل-: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (سورة آل عمران، آية: ۱۷۳).
- شواهد نبوية:
يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «جددوا إيمانكم، قيل: يا رسول الله، وكيف نجدد إيماننا؟ قال: أكثروا من قول لا إله الله» (رواه أحمد وغيره)، ويقول -صلى الله عليه وسلم-: «إن لكل شيء صقالة، وصقالة القلوب ذكر الله» (رواه البيهقي)، ويقول -صلى الله عليه وسلم-: «إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن لا يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه»، ويقول -صلى الله عليه وسلم-: «الإيمان يخلق كما يخلق الثوب أي يبلى»، ويقول -صلى الله عليه وسلم-: «الإيمان يزيد وينقص»، ويقول -صلى الله عليه وسلم-: «لا يبلغ العبد درجة الإيمان حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما»، ويقول -صلى الله عليه وسلم-: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط» (رواه مسلم )، ويقول -صلى الله عليه وسلم- عن ربه في الحديث قدسي: «إذا تقرب العبد إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا، وإذا تقرب إلي ذراعًا تقربت منه باعًا، وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة» (رواه البخاري)، ويقول -صلى الله عليه وسلم- عن ربه -عز وجل- في حديث قدسي: «من عادى لي وليًا فقد أذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه» (رواه البخاري)، ويقول -صلى الله عليه وسلم-: «اتق الله حيثما كنت، واتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» (رواه الترمذي)، ويقول -صلى الله عليه وسلم-: (إن الله تعالى يقول يا ابن آدم، تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى، وأسد فقرك، وإن لا تفعل ملأت يديك شغلًا، ولم أسد فقرك» (رواه أحمد والترمذي)، ويقول -صلى الله عليه وسلم-: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك» (من حديث طويل لمسلم).
وصدق الشاعر إذ يقول:
رأيت الذنوب تميت القلوب *** وترك الذنوب حياة القلوب
وقد يورث الذل إدمانها *** وخير لنفسك عصيانها
- 2- التنمية العلمية:
والإسلام يعنى بالتنمية العلمية عناية فائقة؛ لأن العلم هو الباب الأوسع إلى الإيمان، وإلى معرفة سنن الله تعالى، وإلى التفكير في خلق السموات والأرض، وإلى إعطاء الله حق قدره، ومنه قوله -تعالى-: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (سورة فاطر، آية: 28)، ومن هنا قول الرسول الأعظم -صلى الله عليه وسلم-: «العلماء ورثة الأنبياء» وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «فضل العالم على العابد كفضل الشمس والقمر».
- فمن الشواهد القرآنية التي تحض على التنمية العلمية: قوله -تعالى-: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (سورة التوبة، آية: ۱۲۲)، وقوله -سبحانه-: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (سورة: المجادلة، آية: 11) ، وقوله -عز وجل-: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (سورة الزمر، آية: 9) ، وقول الله -تعالى-: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (سورة فاطر، آية: 28)
- ومن الشواهد النبوية التي تحض على التنمية العلمية: قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب» (رواه أبو داود)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: «العلماء ورثة الأنبياء» (رواه أبو داود)، وقال -صلى الله عليه وسلم- أيضًا: «اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد»، «اطلبوا العلم ولو في الصين» (رواه البيهقي)، وفي هذا بيان واضح الدلالة على وجوب العناية بالتنمية العلمية، وقال رسول -صلى الله عليه وسلم-: «من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا، سلك الله به طريقًا من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضى لطالب العلم» (رواه أبو داود)، ويقول -صلى الله عليه وسلم-: «لن يشبع المرء من خير يسمعه حتى يكون منتهاه الجنة» (رواه الترمذي)، ويقول -صلى الله عليه وسلم-: «الكلمة الحكمة ضالة المؤمن، فحيث وجدها فهو أحق بها» (رواه الترمذي)، ويقول -صلى الله عليه وسلم-: «من تفقه في دين الله -عز وجل- كفاه الله -تعالى- ما أهمه، ورزقه من حيث لا يحتسب» (رواه الخطيب)، ويقول -صلى الله عليه وسلم-: «إذا أتى علي يوم لا أزداد علمًا يقربني إلى الله، فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم» (أخرجه الطبراني)، ويقول -صلى الله عليه وسلم-: «من تعلم لغة قوم أمن مكرهم»، ويقول -صلى الله عليه وسلم-: «باب من العلم يتعلمه الرجل خير له من الدنيا وما فيها» (الطبراني)، ويقول -صلى الله عليه وسلم-: «من عمل بما علم؛ أورثه الله علم ما لا يعلم»، ويقول ابن المبارك: «عجبت لمن لم يطلب العلم كيف تدعوه نفسه إلى مكرمة؟» ، وقال أبو الدرداء: «من رأى أن الغدو في طلب العلم ليس بجهاد فقد نقص في رأيه وعقله».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل