; فقه التقييم في الإسلام (١من ٢): التقييم طريق إلى التقويم | مجلة المجتمع

العنوان فقه التقييم في الإسلام (١من ٢): التقييم طريق إلى التقويم

الكاتب د. فتحي يكن

تاريخ النشر الثلاثاء 28-يوليو-1998

مشاهدات 69

نشر في العدد 1310

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 28-يوليو-1998

أعني بالتقييم هنا «التثمين» أي تقدير «الثمن»، وتحديد القيمة، سواء كانت هذه القيمة مادية أو معنوية اعتبارية.

 فتقييم الأشياء من أموال وأراضٍ وعقارات وثروات يعني تحديد أثمانها. 

وتقييم الأعمال من بيع وشراء وتربية وتجارة ودعوة وسياسة وتخطيط وتنظيم ... يعني استكشاف فاعليتها. ومعرفة الخطأ والصواب فيها، فهي قد تكون رابحة أو خاسرة، وسليمة أو سقيمة بالغة أو قاصرة، متقدمة أو متأخرة.

والإنسان يلجأ إلى التقييم لاستكشاف عيوبه وأخطائه من أجل تلافيها، فالتاجر من خلال التقييم يضع إصبعه على أسباب خسارته إن خسر، وعوامل ربحه إن ربح ... والمؤسسة والجماعة والدولة تلجأ إلى التقييم لاستدراك كل تقصير ومعالجة كل خلل، ولتحقيق المزيد من النجاح والفوز والفلاح.

 وعملية التقييم تعتبر من الأعمال الحميدة والواجبات المطلوبة لتحقيق التقدم والتطور والارتقاء، ومن الجهل والانحراف اعتبار التقييم من الأعمال الذميمة والضارة وغير المفيدة.... بل إن الضرر كل الضرر في العزوف عن المراجعة الصادقة، والمحاسبة الدقيقة التي تضمن تمييز الغث من السمين، والصالح من الطالح، والخبيث من الطيب، والضار من النافع، والذي من خلاله تحصل الإفادة من التجارب والاستفادة من الخبرات.

التقييم وظيفة واجبة، ومسؤولية جبرية وليست اختيارية لأن عدم التقييم يعني استواء الصواب والخطأ والحق والباطل، والخبيث والطيب..... ﴿أَفَمَن یَمشِی مُكِبًّا عَلَىٰ وَجهِهِۦ أَهدَىٰۤ أَمَّن یَمشِی سَوِیًّا عَلَىٰ صِرَا ط مُّستَقِیم﴾ )الملك: ٢٢) وقال عز من قائل: ﴿قُل هَل مِن شركائكم مَّن یَهدِیۤ إِلَى ٱلحَقِّ قُلِ ٱللَّهُ یَهدِی لِلحَقِّ أَفَمَن يهدي إِلَى ٱلحَقِّ أَحَقُّ أَن یُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يهدي إِلَّاۤ أَن یُهدَىٰ فَمَا لَكُم كَیفَ تَحكُمُونَ﴾ (يونس: ٣٥) وقال سبحانه ﴿وَمَا یَستَوِی ٱلأَعمَىٰ وَٱلبَصِیرُ وَلَا ٱلظُّلُمَاتُ وَلَا ٱلنُّورُ وَلَا ٱلظِّلُّ وَلَا ٱلحَرُورُ  وَمَا یَستَوِی الأحياء وَلَا ٱلأَموَاتُ إِنَّ ٱللَّهَ یُسمِعُ مَن يشاء وما أَنتَ بِمُسمِع مَّن فِی ٱلقُبُورِ  إِن أَنتَ إِلَّا نَذِیرٌ ﴾ (فاطر: ١٩-٢٣)

 إذا كان التقييم يعني التثمين واستكشاف الخلل، فإن التقويم يعني التسديد ومعالجة الخلل.

والتقييم هو لون من ألوان الحسبة الذاتية والمحاسبة التلقائية للسياسات والمناهج والأعمال والتصرفات، والمشاريع والتجارب، ولمن رسموها، ووضعوها أو كلفوا بها ونفذوها: أخطأوا أم أصابوا، أضروا أم أفادوا؟

وهو سنة من السنن الإلهية تتميز من خلالها الأضداد فيثاب المحسن ويعاقب المسيء ﴿فَمَن یَعمَل مِثقَالَ ذَرَّةٍ خَیرًا یَرَهُۥ  وَمَن یَعمَل مِثقَالَ ذَرَّة شَرًّا یَرَهُۥ﴾ (الزلزلة:7-8).

بل إن سنة التقييم هي التي تفضي إلى سنة الجزاء والثواب والعقاب، فإذا تعطلت هذه السنن كان الجد والعبث والإيمان والكفران، والإساءة والإحسان..... سواء بسواء ﴿فتعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا﴾ ﴿قل هل يستوي الخبيث والطيب﴾. 

ولو أن التقييم عملية مرذولة، وحالة مستقبحة لما حفل القرآن الكريم بمئات الآيات الكريمة التي تتحدث عن أعمال الأولين وتصرفات السابقين وعاقبة المؤمنين والمتقين والظالمين والطاغين والفاسقين والكافرين.... ﴿فَكُلًّا أَخَذنَا بِذَنبِهِۦۖ فَمِنهُم مَّن أَرسَلنَا عَلَیهِ حَاصِبا وَمِنهُم مَّن أَخَذَتهُ ٱلصَّیحَةُ وَمِنهُم مَّن خَسَفنَا بِهِ ٱلأَرضَ وَمِنهُم مَّن أَغرَقنَا وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِیَظلِمَهُم وَلَـٰكِن كَانُوۤا أَنفُسَهُم یَظلِمُونَ﴾ (العنكبوت:40).

بل ماذا نقول في العشرات من الأحداث التي وقعت في العهد النبوي وجاء القرآن الكريم ليقيمها ويحكم فيها: مستحسنًا أو معاتبًا أو منذرًا، ومع سلفنا الصالح رضي الله عنهم أجمعين، فإذا كان هذا حال سلف الأمة مع التقييم، فيكيف ينبغي أن يكون عليه حال خلفها من الذين تتناهشهم الفتن، وتتجاذبهم الأهواء، وتعتصرهم المصالح والشهوات؟

 مطلوب منهم أن يصدعوا بالحق أنفسهم قبل غيرهم، وألا يكونوا كالذين إذا قيل لهم اتقوا الله أخذتهم العزة بالإثم.

هذا كتاب الله يندد بتصرف أزواج الرسول صلى الله عليه وسلم ﴿يا أيها ٱلنَّبِیُّ قُل لِّأَزوَ اجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدنَ ٱلحَیَاٰةَ ٱلدُّنیَا وَزِینَتَهَا فَتَعَالَینَ أُمَتِّعكُنَّ وَأُسَرِّحكُنَّ سَرَاحًا جَمِیلًا وَإِن كُنتُنَّ تُرِدنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلدَّارَ ٱلـآخِرَةَ فَإِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلمُحسِنَاٰتِ مِنكُنَّ أَجرًا عَظِیمًا﴾ (الأحزاب: ٢٨-٢٩)

وها هو يخطئ السياسة التي اعتمدت في التعامل مع أسرى بدر: ﴿مَا كَانَ لِنَبِیٍّ أَن یَكُونَ لَهُۥ أَسرَىٰ حَتَّىٰ یُثخِنَ فِی ٱلأَرضِ تُرِیدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنیَا وَٱللَّهُ یُرِیدُ ٱلـَآخِرَةَ وَٱللَّهُ عَزِیزٌ حَكِیم﴾ (الأنفال :٦٧)

ويكشف أسباب الهزيمة في جنين ﴿لَقَد نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِی مَوَاطِنَ كَثِیرَة وَیَومَ حُنَینٍ إِذ أعجبتكم كَثرَتُكُم فَلَم تُغنِ عَنكُم شَیئًا وَضَاقَت عَلَیكُمُ ٱلأَرضُ بِمَا رَحُبَت ثُمَّ وَلَّیتُم مُّدبِرِینَ﴾ (التوبة: 25-٢6)

ويلفت إلى تخاذل بعض المسلمين قبل معركة بدر فيقول:﴿كما أَخرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَیتِكَ بِٱلحَقِّ وَإِنَّ فَرِیقًا مِّنَ ٱلمُؤمِنِینَ لَكَـاٰرِهُونَ یُجَـٰدِلُونَكَ فِی ٱلحَقِّ بَعدَ مَا تَبَیَّنَ كَأَنَّمَا یُسَاقُونَ إِلَى ٱلمَوتِ وَهُم یَنظُرُونَ﴾ (الأنفال: ٥-٦)

ويعري حركة النفاق في المدينة في سورة المنافقين ﴿إِذَا جاءك ٱلمُنَـاٰفِقُونَ قَالُوا نَشهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ یَعلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُۥ وَٱللَّهُ یَشهَدُ إِنَّ ٱلمُنَـاٰفِقِینَ لَكَـاٰذِبُونَ ٱتَّخَذُوۤا أَیمَـاٰنَهُم جُنَّة فَصَدُّوا عَن سَبِیلِ ٱللَّهِ إِنَّهُم سَاۤءَ مَا كَانُوا یَعمَلُونَ ﴾ (المنافقون: ١-٢)

ويحكي قصة حاطب بن أبي بلتعة الذي أوشك على الوقوع في الخيانة، فيقول: ﴿يا أيها ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّی وَعَدُوَّكُم أولياء تُلقُونَ إِلَیهِم بِٱلمَوَدَّةِ وَقَد كَفَرُوا بِمَا جاءكم مِّنَ ٱلحَقِّ یُخرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِیَّاكُم أَن تُؤمِنُوا بِٱللَّهِ رَبِّكُم إِن كُنتُم خَرَجتُم جِهَادًا فِی سَبِیلِی وابتغاء مَرضَاتِی تُسِرُّونَ إِلَیهِم بِٱلمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعلَمُ بما أَخفَیتُم وما أَعلَنتُم وَمَن یَفعَلهُ مِنكُم فَقَد ضَلَّ سَوَاۤءَ ٱلسَّبِیلِ﴾ (الممتحنة: ١)

الرابط المختصر :