; فقدناك يا سيّد .. وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر | مجلة المجتمع

العنوان فقدناك يا سيّد .. وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر

الكاتب محمد النايف

تاريخ النشر الثلاثاء 14-سبتمبر-1976

مشاهدات 91

نشر في العدد 317

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 14-سبتمبر-1976

  • اجتمع في سيد وضوح الهدف واستعلاء المؤمن والصبر على الابتلاء. 
  • النصر عند سيد: هو انتصار الروح على المادة، وانتصار العقيدة على الألم، وانتصار الإيمان على الفتنة.                                                               

نحن نعيش في ليل اسودت ظلمته وطال أمده وتباعد فجره، ومع شدة ظلمة الليل تهب علينا أعاصير لا تقوى على الصمود أمامها الجبال الراسيات فكيف بالإنسان الهلوع؟

  • فإعصار اسمه الشرك بالله وعبادة الأرض أو القوم أو المصلحة أو الزعيم أو الهوى...
  • وإعصار اسمه الطاغوت وعدوانه على منهج الله، ومحاولاته الشرسة من أجل أن يعبد من دون الله، وما الضربات التي توجه لطلائع البعث الإسلامي في كل مكان إلا لون من مكائد الطاغوت التي يستخدمها في حرب الدعاة.
  • وإعصار اسمه التجزئة وتحويل الدولة الواحدة إلى عدة دول، وتقوية شوكة أعداء الإسلام من المارون والأقباط والباطنيين القرامطة والصهاينة.

ونتطلع إلى الدعاة الذين يبددون ظلمة الليل بالمشاعل التي يحملونها ويحولون الأعاصير المدمرة إلى نسمات رقيقة منعشة.. فنجدهم قلة قليلة، فناس تثاقلوا إلى الأرض وناس آثروا السلامة وحب العافية وآخرون راحوا يداهنون إلى الطواغيت رغبة في مال وجاه أو رهبة من زجر وعقاب.

في هذا الظرف العصيب تمر علينا ذكرى استشهاد الداعية المجدد الأستاذ سيد قطب رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته مع الأنبياء والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.

فقبل إحدى عشرة سنة فاضت روح سيد بعد حياة حافلة بالجهاد والبذل والتضحية، ومن إذاعة موسكو أصدر هبل حكم الإعدام على سيد وإخوانه بعد رشوة مقدارها 17 مليون دولار، أذاع راديو موسكو الهبة في اليوم نفسه الذي أذاع فيه خطاب هبل ضد سيد وإخوانه.

 وشباب الإسلام في كل مكان أحبوا سيدًا حيًا وميتًا، وشهدت كتبه انتشارًا غريبًا وترجمت إلى معظم لغات العالم، وعمدت كثير من دور النشر- التي لا تؤمن بالإسلام- إلى سرقة كتب سيد وتصويرها لأنها صارت تجارة رابحة: 

وإذا أراد الله نشر فضيلة

                            طويت أتاح لها لسان حسود

لولا اشتعال النار فيما جاورت

                           ما كان يعرف طيب عرف العود

يا شهيدًا رفع الله به 

                            جبهة الحق على طول المدى

سوف تبقى في الحنايا علمًا 

                            هاديًا للركب رمزًا للفدى

ما نسينا أنت قد علمتنا 

                           بسمة المؤمن في وجه الردى

  • لماذا أحب الناس سيدًا؟

كان سيد رحمه الله يفعل ما يقول ويلتزم بكل ما يؤمن به ويعتقده وهذه نقطة العظمة في حياة هذا الرجل.

فإذا تحدث عن آيات الصبر وجدناه يلتزم بها قولًا وعملًا فلا يشكو ويتضجر، ولا يذل أو يستسلم.. وإذا تحدث عن الاستعلاء، فهو قمة شاهقة في استعلائه، وذروة سامقة في قناعته وعلو نفسه.

والطاغوت- عنده- تافه ذليل وإن ملك الأرض والجند والسجون. أجل إن الطاغوت بوسعه أن يعذب هذه الأجساد لكنه هيهات أن ينال الأرواح المؤمنة المجاهدة الصابرة.

لنقرأ قول سيد: 

«وتتبدل الأحوال ويقف المسلم موقف المغلوب المجرد من القوة المادية فلا يفارقه شعوره بأنه الأعلى، وينظر إلى غالبية من عل ما دام مؤمنًا ويستيقن أنها فترة وتمضي، وأن للإيمان كرة لا مفر منها. وهبها كانت القاضية فإنه لا يحني لها رأسًا إن الناس كلهم يموتون أما هو فيستشهد، وهو يغادر هذه الأرض إلى الجنة، وغالبه يغادرها إلى النار، وشتان شتان، وهو يسمع نداء ربه الكريم: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأبْرَارِ (آل عمران: 196-198)

  • معالم في الطريق: 168

أم القيم والربح والنصر فسيد يفسر هذه المعاني تفسيرًا لا يفقهه إلا المجاهدون من الدعاة انظر إليه يقول: «إن القيمة الكبرى في ميزان الله هي قيمة العقيدة، وإن السلعة الرائجة في سوق الله هي سلعة الإيمان. وإن النصر في أرفع صوره هو انتصار الروح على المادة، وانتصار العقيدة على الألم، وانتصار الإيمان على الفتنة». 

المعالم:176

 الشهيد سيد قطب يتحدث إلى الأستاذين عصام العطار وعلي الطنطاوي

وفعلاً انتصرت روح سيد على شهوات نفسه، وانتصرت عقيدته على ما كان يشعر به جسده من حاجة إلى الراحة، وانتصر إيمانه القوي على فتنة الحياة وفتنة الجاه وفتنة المادة.

لقد كان سيد- رحمه الله- امتدادًا لكتيبة المجاهدين والتي كان من بينهما خباب وسعيد بن المسيب وأحمد بن حنبل وابن تيمة. ويستحيل أن تهزم أمة تفهم بأن النصر هو انتصار الروح على المادة، وانتصار العقيدة على الألم وانتصار الإيمان على الفتنة.

هذا الذي من أجله أحب الناس سيدًا. فكتبه صاغها بعقلية ما عرفت الازدواجية ولا انفصام الشخصية. 

ومن قرأ الظلال أدرك أهميته، وأن الله قد شرح صدر صاحبه للحق وفتح بصيرته للهدى، فقال كلامًا لم يسبق إليه من غير مخالفة للكتاب والسنة. انظر إليه وهو يفسر قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (محمد:7).

يجيب سيد لماذا جاء تثبيت الأقدام بعد النصر والمفروض أن يكون قبله؟! فيؤكد على ضرورة تثبيت الأقدام بعد النصر وبعد الغنائم وبعد الاستمتاع بلذة الفوز، ويسوق أدلة كافية من السنة وتاريخ الصحابة والتابعين.. فيجد المتبحر في التفسير كلامًا لم يسبق سيد إليه، وهذا شأنه في آيات الجهاد والابتلاء والحاكمية وكل ما له صلة بالعقيدة.

ولا يستطيع أن يجاري سيدًا المترفون من هواة الكتابة وتجار الكتب لأنهم لم يعيشوا محنته، ولم يجربوا الكتابة التي تخط بالدماء وتحاط بالطهر وتصدر عن تصور صحيح وجهاد صادق وقلب أشرق بنور الإيمان.

ومن أجل هذا كله أحب الناس سيدًا. 

ومن أجل هذا كله حارب الطاغوت سيدًا وحكم عليه بالإعدام.

ومن أجل هذا كله حسد تجار الأقلام سيدًا وحاولوا النيل من كتبه.

  • وضوح الهدف عند سيّد

من أول خطوة خطاها سيد رحمه الله في رحلة المعالم والظلال، كان الهدف واضحًا عنده وضوح الشمس رأد الضحى، ولقد ابتلينا بكتَّاب يكتبون من أجل الكتابة ويعملون ولكن لا يعرفون نتائج هذا العمل وهدفه، أما سيد فلقد أشبع بسيرة الرسول- صلى الله عليه وسلم- ومنهج سائر الأنبياء وضرورة التركيز على العقيدة، ومن أخص خصائص العقيدة «الحاكمية» والحاكمية لله- سبحانه وتعالى-، ومن اعتدى على حاكمية الله فهو طاغوت ظالم جائر.

وتعبير «الحاكمية» اصطلاح رائع وضروري أوجده سيد قطب، وهو من القرآن الكريم جاء ذكره في آيات كثيرة، ومن سنة الرسول- صلى الله عليه وسلم- القولية والفعلية.

وتفسير سيد قطب للشرط الأول من شروط الإسلام: «لا إله إلا الله محمد رسول الله» تفسير طيب، وفيه جوانب جديدة نافعة تناسب العصر الذي نعيش فيه ويحتاجها كل مسلم.

وتحدث سيد عن «تميز المسلم» عن هذا المجتمع الجاهلي، وكيف يجب أن يتميز بأخلاقه وتصوراته ومشاعره.

وفسر معنى الجاهلية والمجتمع الجاهلي، والمجتمع الإسلامي، وأن الجاهلية ليست فترة وتنقضي بل هي الصورة المقابلة والمغايرة للإسلام.

أما استعلاء المؤمن وصبره وطلائع البعث الإسلامي، والمناهج الإسلامية ومرحلية العمل فلقد كان أستاذًا في هذه العلوم وكل الكتاب الإسلاميين اليوم الذين يكتبون في هذه المعاني عيال عليه.

فسيد- رحمه الله- كان هدفه أن يحتكم الناس كل الناس إلى شريعة الله بدلًا من شريعة الطاغوت، وأن هذه الانظمة الجاهلية التي تحتكم إلى القوانين الفرنسية والإنجليزية والشيوعية معتدية على شريعة الله ويجب أن تنحى وهذه هي مهمة طلائع البعث الإسلامي.

ومن السجن اليوسفي صاغ سيد ظلاله فكان إعصارًا زلزل عرش هبل وكل هبل، وتلقف الشباب المؤمن هذه المعاني الرائعة فأصبحت واقعًا عنيفًا في قلوبهم ولهذا أمر الاستعمار «السوفيا أمريكي» دميتهم بإعدام سيد قطب.

وسيد إذن لم يشغل نفسه بالحديث عن الحضارة والثقافة وصياغة الدستور وتلخيص وتحقيق كتب أدت مهمتها بل ولم يتعب نفسه بقضايا الاختلاط والسفور وأعمال البر فهذه أمور طيبة ولها حيز يجب ألا تتعداه.

لقد انصرف سيد للعقيدة وهذا الذي انصرف له الأنبياء وإذا استقام الأصل استقامت الفروع.

  • سيد رفض المناصب الرفيعة

وضوح الهدف كان مهمًا في حياة سيد رحمه الله، لقد آثر السجن على الوزارة وكان لسان حاله يردد: ﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ (يوسف:33).

كان بوسعه أن ينجو من العذاب والسجن ويصبح وزيرًا عند- هبل- ولكنه لو استجاب لما كان لكلامه قيمة ولما أحببناه وعكفنا على كتبه درسًا وتمحيصًا وتطبيقًا.

وسيد عندما رفض الوزارة كان محقًا وواقعيًا: فكيف يحارب نظامًا جاهليًا ثم يكون واحدًا من سدنة هذا النظام؟

إنه وزير أمام الناس لكنه خادم وأجير لهبل كما وأنه سجين ومضطهد بأعين الناس لكنه مع الأنبياء والشهداء في الفردوس الأعلى إن شاء الله، ولقد رأينا كثير من الناس الذين قبلوا مغنمًا عاجلًا عند الظالمين لكنه مقابل تنازلهم عن جهادهم ودعوتهم وتميزهم، وقد جعل منهم الطغاة درءًا لهم في حرب المؤمنين وبعد أن جعل منهم الطغاة درءًا لهم في حرب المؤمنين وبعد أن أدوا دورهم فقدوا الوظائف الرفيعة وعاشوا بقية حياتهم يتمنون الموت على الحياة بعد أن خسروا دينهم ووظائفهم. والحق أن سيدًا كان نموذجًا صالحًا وقدوة طيبة ملتزمة وداعيًا ملتزمًا بما يقول ويعتقد.

  • سيد مجدد مصلح

لم يجمد سيد على مؤلفات، وآثار سلفه بل استفاد منها وأضاف إليها الكثير النافع.

وقد رأينا كيف أوضح لنا جانب العقيدة والحاكمية والاستعلاء والتميز، وكل العاملين إلى الله مدينون إلى ما كتبه سيد رحمه الله.

والأصل أن يكون الداعية مجددًا، ولو عاش ابن تيمية والعز بن عبد السلام ومحمد بن عبد الوهاب وحسن البنا رحمهم الله عصر سيد لجددوا وأفادوا.

وسيد رحمه الله ليس معصومًا ونحن لا نقول إلا بعصمة الأنبياء وكل ابن آدم خطاء، وسيد كان أوابًا إلى الحق وهو في الطبعة الثانية من الظلال رد على نفسه في الطبعة الأولى منه، وتراجع عن أفكار خاطئة نجاه الله منها، وأثبت هذا في الطبعة الثانية من الظلال وبعد شرح سورة إبراهيم.

أن ناسًا من الناس يحلو لهم أن يهاجموا سيدًا رحمه الله، وينقضوا أفكاره، ويهذرون بردود فارغة جوفاء لهؤلاء نقول: 

أتحدى من يزعم أن هناك إمام أو كاتب من عهد التابعين إلى يومنا هذا ليس له أخطاء.

وهناك فرق بين الخطأ والتشهير به وتجسيمه لاسيما إن كان هذا الخطأ يسيرًا.

وفي الحقيقة نجد أن الذين ينقدون سيدًا رحمه الله ناس منهزمون تثاقلوا إلى الأرض وكرهوا أن يعترفوا بانهزاميتهم فراحوا يفلسفون الإسلام ليكون عملًا خيريًا إصلاحيًا مجردًا من الجهاد والحاكمية والاستعلاء. 

لمثل هؤلاء نقول: 

أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم  

                          من اللوم أوسدوا المكان الذي سدوا 

رحم الله سيدًا رحمة واسعة، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله.

وسيمضي الشباب المسلم إلى ساحات الجهاد والعمل مرددين «لحن الخلود»

أخي أنت حر وراء السدود

                            أخي أنت حر بتلك القيود

إذا كنت بالله مستعصمًا

                                فماذا يضيرك كيد العبيد

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل