العنوان فضيحة وزير .. أم فضيحة ثقافة؟!
الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود
تاريخ النشر الثلاثاء 08-فبراير-1994
مشاهدات 89
نشر في العدد 1087
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 08-فبراير-1994
يخبرنا
وزير الثقافة أن الدين لا علاقة له بالثقافة وأن الأديان يجب أن تكون بعيدة عن
الثقافة، لأنها إذا اقتربت -وهذا استنتاج منطقي من وجهة نظر الوزير- فإن
ذلك يعنى أن يتوقف الإبداع ويتجمد الفن ويتوقف الابتكار.
وهذا
الكلام نغمة قديمة معروفة منذ زمان بعيد، وهي تعني فيما تعني حرية التخريب الثقافي
والفكري لشخصية الأمة وذاتيتها وإتاحة الفرصة للتحلل والانفلات والبعد عن تناول
قضايا الأمة وهمومها وآمالها، تلك القضايا التي ينبغي أن تلح على وجدان الكتاب
والأدباء والفنانين، بفعل الضمير الديني الذي هو صانع الضمير الوطني والقومي والإنساني
جميعًا.. وإذا تخلى المثقف عن هذا الضمير فإنه لا يعد مثقفًا حقيقيًا في
العالم الإسلامي أو في العالم الغربي الذي يقتدي به الوزير وميليشياته، وإذا كان
الوزير لا يثق في كلام المسلمين، فنحن نقدم له كلام واحد من كبار المثقفين في
العالم الغربي، ويقلده العديد من المثقفين العرب ويشيدون به ويستشهدون بمقولاته
وأفكاره وأشعاره.. إنه الكاتب والشاعر الأشهر، ت. س إليوت، صاحب القصيدة
المشهورة الأرض المقفرة.. يقول الرجل عن علاقة الثقافة بالدين:
«في المسيحية نمت فنوننا، وفي المسيحية
تأصلت -إلى عهد قريب- قوانين أوروبا، وليس لتفكيرنا كله معنى أو دلالة
خارج الدين المسيحي، وقد لا يؤمن فرد أوروبي بأن العقيدة المسيحية صحيحة، ولكن كل
ما يقوله ويفعله ويأتيه من تراثه في الثقافة المسيحية ويعتمد في معناه على تلك
الثقافة».
ويقول:
«ما كان يمكن أن تخرج فولتير أو نيتشه إلا ثقافة مسيحية، وما أظن أن ثقافة أوروبا
يمكن أن تبقى حية إذا اختفى الإيمان المسيحي اختفاءً تامًا، ولا يرجع اقتناعي بذلك
إلى كوني مسيحيًا فحسب، بل إني مقتنع به أيضًا بوصفي دارسًا لعلم الإحياء
الاجتماعي. إذا ذهبت المسيحية فستذهب كل ثقافتنا».
وعندئذ
يكون عليك أن تبدأ البداية المؤلمة من جديد، ولن تستطيع أن تلبس ثقافة جديدة
جاهزة، يجب أن تنتظر حتى ينمو العشب ليغذو الضأن ليعطي الصوف الذي سيصنع منه رداؤك
الجديد. يجب أن تمر بقرون كثيرة من الهمجية ولن نعيش إذن لنرى الثقافة
الجديدة، لا نحن ولا أحفاد أحفادنا، ولو عشنا لما سعد بها واحد منا» «ت.س إليوت
ملاحظات نحو تعريف الثقافة، ترجمة شكري عياد، ص ١٤٥».
لا ريب
أن الوزير المستنير (!) سوف يدهش لأنه يقرأ -ربما لأول مرة- أن
كاتبًا كبيرًا مثل إليوت يجعل المسيحية أساس الثقافة الأوروبية، وأن فولتير
ونيتشه، نتاج الثقافة المسيحية، وأن ثقافة أوروبا ستذهب إذا ذهبت المسيحية والسؤال
هو: لماذا لا نجعل الثقافة في بلادنا أساسها الإسلام؟ أم أن الوزير
وميليشياته قرروا اقتلاع الإسلام نهائيًا باسم «التنوير»؟
لا ثقافة
بغير دين.. أيًا كان هذا الدين، هذا ما قرره الأقدمون والمحدثون، وأثبتته
التجارب وأحداث التاريخ وقصة الحضارة الإنسانية.. فلماذا يتغاضى الوزير
وميليشياته عن ضرورة انطلاق الثقافة من الدين وقيمه وأخلاقه ومثله؟
إن
الثقافة التي يسعى الوزير إلى إشاعتها ونشرها بوساطة ميليشياته هي ثقافة التبعية
والذيلية، وهي ثقافة فضيحة بكل المقاييس، فلا يوجد في العالم أمة تهاجم دينها،
وتدعو إلى نبذه واقتلاعه كما تفعل وزارة الثقافة في بلد الأزهر الشريف، ولنتأمل
كلام رؤساء التحرير الذي أوردناه من قبل فرئيس التحرير البعثي، الذي لا يملك من
الثقافة الحقيقية ما يجعله مثقفًا حقيقيًا يتهم غيره من أصحاب الثقافة الإسلامية
بالجهل والتخلف والإرهاب، فلا أظن أن أحدًا سيصدقه، لأن ما يقوله هو مجرد ترديد
ببغاوي لما يلقن له في سهرات الوزير الحافلة بالنشوة والسرور والتلقين يعبر بصفة
عامة عن صياغة ماركسية إلحادية يقوم بها بعض المتسلقين الذين قضوا أعمارهم في
التنظيم الطليعي وكتابة التقارير الملفقة ضد الشرفاء أو العمل في الظلام ضمن
الخلايا الشيوعية أو خدمة التوجهات الطائفية المتعصبة!
إن رئيس
التحرير البعثي، عندما يصف مواجهة ثقافة التبعية التي يروج لها الوزير
بالإرهاب وأنها حملة مدبرة، فإنه يقوم بدور يتفق مع طبيعة المثقف الحقيقي
الذي يفترض فيه التصدي لإرهاب السلطة لا مواجهة المدافعين عن هوية
الأمة.. و«البعثي» الذي يخدم سلطة قمعية يحكم على نفسه بالخروج من دائرة
الثقافة إلى دائرة أخرى تؤمر بمقولة.. «حاضر يا افندم».
ومثل
رئيس التحرير البعثي زميله الناصري الذي يسمي الخطاب الإسلامي بالخطاب
الإرهابي.. فالإسلام لم يكن في يوم إرهابًا.. ولم يكن محرضًا على
الإرهاب.. بل كان مقاومًا للإرهاب والإرهابيين من عينة مثقفي السلطة وشهود
الزور ومحامي الشيطان.. ولا ريب أن المثقف الذي يتكلم العربية ويكتب بها
ويسمي الإسلام بالإظلام ويرى الحركة الإسلامية حركة إظلامية، هو خائن لثقافة الأمة،
خادم للسلطان. وأعتقد أن رئيس التحرير الناصري، بما تمثله الناصرية من قهر وعسف
وظلم وديكتاتورية بشعة وخسة في التعامل مع أبناء الشعب، ودين الشعب وأخلاق الشعب
يعلم جيدًا أن الإسلام نور، وأن الدفاع عنه حق وواجب وجهاد، وأن الصمت عن أولئك
المخربين الذين يخربون عقيدة الأمة أمر غير مقبول، ولا تقره شريعة ولا قانون.
لقد كان
رئيس التحرير الناصري مبالغًا، ومخالفًا للحقيقة، حين ذكر أن الهجوم الإرهابي
الظلامي -كما يسميه- أو الاستجواب الذي قدمه نائب الشعب يستهدف أعظم وأنبل ما
تفخر به الثقافة. فما هو هذا الأعظم والأنبل؟ هل هو التجديف في حق الذات
الإلهية الذي نشرته مجلة زميله البعثي؟ أم الصور العارية التي لا تليق بأمة
الإسلام؟ أم الجنس الفج الذي لا يحمل أثارة من فن أو ذوق؟ أم الدعوة إلى العلمانية
ونبذ الدين الإسلامي وحده وتقليد أوربا في مباذلها وتقديس نفاياتها، والسجود
لأصنام القهر والبطش والأحكام العرفية؟
إن رئيس
التحرير «الناصري» جانبه الصواب، حين وقف موقفًا مزريًا من حق النائب في
استجواب الوزير وحين أصر على فرض الرأي الواحد والفكر الواحد والاتجاه
الواحد. إنه موقف مخزٍ من شخص يفترض فيه أنه مثقف وأستاذ جامعي يدرس اللغة
العربية وآدابها. ويتكئ بالضرورة على ثقافة إسلامية ناضجة وتعرف جيدًا ما هو
صواب ويتسق مع الإسلام وما هو خطأ ويتنافى مع الإسلام.. ولكن العقيدة
الناصرية الشمولية أعمته عن إدراك ذلك وجعلته يقف في صف الثقافة الهشة أو الثقافة
الفضيحة التي يروح لها الوزير.
أما رئيس
التحرير الثالث وهو طائفي متعصب، وكان زعيمًا شيوعيًا في يوم ما، فهو يتحدث عما
يسميه مجمل الثقافة الوطنية وأن الاستجواب قد استهدفها ونحن لا ندري ماذا يقصد
بمجمل الثقافة الوطنية، إنها في مفهومنا ومفهوم المصريين جميعًا (مسلمين وغير
مسلمين) هي الثقافة الإسلامية وما تهضمه الثقافة الإسلامية، أما الثقافة غير
الإسلامية، أو قل الثقافة الهشة التي يروج لها الوزير، فهي ليست من الوطنية في شيء
لأنها مجلوبة من بلاد أخرى، أو قل من نفايات بلاد أخرى، ولذا فنحن نرفضها، ويرفضها
نائب الشعب الذي وقف تحت قبة البرلمان ليستنكر مخطط الوزير لإشاعتها ونشرها
واستخدام أموال المسلمين لتنفيذ هذا المخطط.
ولن
تنطلي على أحد تلك المحاولة الرخيصة التي يحاول الطائفي المتعصب أن يظهر من خلالها
بمظهر «البطل» عندما يتهم النائب بتأليب الحكومة لقمع الإبداع وتشديد
قبضة الرقابة على الأعمال الفنية، فصاحبنا ليس بطلًا ولن يكون، لأن تاريخه يتحدث
عن خدمته الدائمة للأنظمة القمعية، والبحث عن أموال النفط أينما كانت لدى العقيد
أو لدى المهيب أو لدى غيرهما.. هذه واحدة، أما الثانية، فإن الحكومة التي
يعمل لحسابها وتستخدمه لمهاجمة الإسلام في مقالاته وغيرها لن تعترف ببطولته أبدًا،
لأنها تعرف من هو.. ثم إنها كونت أخيرًا تحت رئاسة الوزير نفسه مجلسًا أعلى
للرقابة يضم رفاقه الناصريين والشيوعيين والملاحدة والعلمانيين ووضعت بينهم رجلًا
طيبًا -أشك في كونه يعلم حقيقة هذا المجلس- وذلك للتخلص من الرقباء
الذين لديهم بقية من انتماء للإسلام أو قيم الأمة.. فكيف يريد المذكور أن
يقنعنا بأن استجواب النائب للوزير سيدفع الحكومة لتشديد الرقابة؟
إن
الحملة الشرسة على من يواجهون ثقافة التبعية والذيلية تمثل الإرهاب الحقيقي الذي
لا يملك شرف الخصومة الفكرية، ولا نبل الفروسية الحقيقية.. ولو أن ميليشيات
الوزير المستفيدة من عطاياه، كانت تملك الإخلاص في رؤيتها وفكرها، ما أنكرت حقًا
دستوريًا يستخدمه صاحبه للدفاع عن هوية الأمة استخدامًا سلميًا وعلنيًا من أجل أن
تستقيم الثقافة على الطريق، ويستقيم الوزير على الجادة.
إن
الكتَّاب الذين يحرضون على هذا الحق الدستوري يرتكبون جريمة كبرى في حق بلادهم
وأمتهم وحق الأجيال القادمة لأنهم يقدمون أنموذجًا رديئًا لمواجهة الرأي الآخر..
أو قل رأي الأمة، لأنهم لا يعبرون عن رأيها ولا وجدانها ولا ثقافتها.
ولا أدري
ماذا يريد كاتب يستنفر السلطة التي تستخدمه بقوله إن النائب الذي يستجوب الوزير
يبعث برسالة إلى قوى معينة في ظل الظروف التي يشتد فيها الصراع بين السلطة
والجماعات؟ هل يريد من السلطة أن تذبح النائب؟ أم يريدها أن تقوم بقتل كل من يذكر
اسم الله تعالى والرسول -صلى الله عليه وسلم- والقرآن الكريم؟
قد يكون
مفهومًا أن يستنفر الكاتب رفاقه أو أساتذته الشيوعيين أو الناصريين في مجلس الشعب
ليقفوا مع الوزير ضد إرادة الأمة وإسلامها، ولكن استنفار السلطة للقضاء على
الإسلام عمل معيب يذكرنا بتقارير التنظيم الطليعي وأساليبه الرخيصة الإرهابية.
لقد كان
الشعب يتمنى أن تقوم ميليشيات الوزير بالرد على ما قاله النائب المستجوب ردًا
علميًا حقيقيًا يعبر عن ثقافة حقيقية.. أما الرد بالتحريض والإرهاب والتشويش فهو
دليل على الإفلاس الفكري الذي تدعمه السلطة، ولكنه لن يجدي فتيلًا، بدليل أن
الوزير يغدق الكثير من أموال المسلمين، دون أن يكسب أنصارًا مرموقين.
إن ادعاء
الاستنارة لا يكفي، لأن الاستنارة الحقيقية هي التي تنبع من ثقافة الأمة وهويتها
الحقيقية.. وللأسف الشديد، فإن الآخرين من مثقفي الأمم الأخرى كانوا على ولاء
تام لعقائدهم على عكس مثقفينا المتصدرين للساحة الثقافية.. وقد رأينا كيف
تحدث إليوت عن الثقافة المسيحية أو الثقافة القائمة على الإيمان المسيحي، وها هم
اليهود ينتجون أدبًا أو ثقافة تعتمد على التوراة، وكذلك البوذيون والهندوس
والوثنيون كل ينطلق من مفهومه العقدي والإيماني أيًا كان هذا الإيمان أو تلك
العقيدة.. ولا نجد أديبًا نصرانيًا أو يهوديًا أو وثنيًا يهاجم عقيدته أو
دينه.. بل إن مثقفينا الذين يهاجمون الإسلام، لا يجرؤون أن يهاجموا عقيدة أخرى أو
دينًا آخر.. ومن الغريب أنهم يربطون كل نواحي التقدم بالعقائد الأخرى أما
التخلف والجمود والتأخر فيربطونها دائمًا بالإسلام
تأمل
مثلًا غلاف إحدى المجلات العربية التي تصدر في مصر المسلمة وهو يضع عنوانًا كبيرًا
يقول: «الكنيسة والحرية»، وتأمل غلافًا آخر للمجلة نفسها يحمل عنوانًا كبيرًا
يقول: «الأزهر والجنس» ثم تأمل عنوانًا على جريدة أدبية يقول «البابا شنودة
يفتح المكتبات أمام الجمهور»، وعنوانًا آخر للجريدة نفسها يتحدث عن الأزهر وسلطانه
وهيمنته.
إن
الفارق في العناوين يكمن في ربط الحرية والثقافة بالكنيسة ورجالها.. وربط
الجنس والتسلط بالإسلام وعلمائه.. ولاحظ أن الذين وضعوا هذه العناوين يحملون
أسماء إسلامية، والإسلام دينهم الرسمي في شهادة الميلاد.. فهل هذا الأمر
عفوي؟ أم أن ما يفعلونه يعبر عن قصد وسبق إصرار مع توجيه من جهات معينة؟ وهل هذا
هو التنوير الذي يروجون له؟
لقد كان
الأزهر –قبل قهره وسلبه عناصر نموه- رمزًا للاستنارة الحقيقية القائمة
على ثقافة الإسلام، وكان رمزًا للبطولة ومقاومة الطغاة والغزاة، وكان ملجأً
للأحرار والشرفاء.. وظل آخر معقل من معاقل تهديد الطامعين في البلاد
والعباد.. لذلك قرر الطاغية جمال عبدالناصر أن يصفيه بقانون
تطويره.. وتم له ما أراد.. ولكن أنصاره لم يرضهم أن يبقى الأزهر ولو
مجرد هيكل.. فأخذوا الآن يحفرون عند جذوره حتى لا يبقى منه حجر.
إن
استجواب النائب المستقل لوزير الثقافة، قد كشف للأمة ألاعيب العلمانيين واليساريين
وأظهر مدى كرههم للإسلام وأتباعه. وإذا كان هؤلاء يجدون الدعم من السلطة، والتشجيع
من الوزير الذي يستخدمهم ميليشيات مأجورة تدافع عنه، فإن الشعب يزداد تمسكًا
بإسلامه وأخلاقه ويعرف من الإرهابي الحقيقي الذي يمارس الإرهاب بلا خلق ولا
شرف.. ويعرف أيضًا أن ما جرى كان فضيحة للوزير.. وفضيحة للثقافة التي
يروج لها ويسعى لنشرها.. لأنها ثقافة الخواء والهوان.
(*) أستاذ النقد الأدبي بجامعة طنطا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل