العنوان فضيحة النخبة على وقع الجنازة
الكاتب حمد الإبراهيم
تاريخ النشر الثلاثاء 27-يونيو-2000
مشاهدات 59
نشر في العدد 1406
نشر في الصفحة 23
الثلاثاء 27-يونيو-2000
على مدى ٧٢ ساعة فصلت ما بين إعلان محطة CNN عن وفاة الرئيس السوري السابق وبين دفنه في القرداحة، قمتُ بمتابعة جل ما قدمته المحطات التلفازية الفضائية من تعليقات وآراء وتحليلات عن الحدث، وكانت النتيجة مفاجأة حقيقية، بل فضيحة للنخبة الصحفية والسياسية العربية، إذ فضل رموز هذه النخبة من معلقين وكتاب ورؤساء وناشرين أن تدفن الحقيقة مع الرئيس لا أن تنطق بها ألسنتهم على الملأ.
كانت لدى النخبة حماسة للحديث عن «المكانة» التي حققها حافظ الأسد السورية دون أن يتحدثوا عن ضياع الجولان والهزائم أمام اليهود في لبنان والدور التخريبي الذي لعبه النظام على المستوى الإقليمي، وفرق الموت وكاتم الصوت التي وزعها على بقاع العالم، وكان لديهم استعداد لامتداحه لإنجازه الاستقرار، داخل سورية وهكذا أصبحت البراعة في الاستفراد بالسلطة وسحق المعارضة وتشريد المثقفين من المحاسن التي تستحق الذكر.
ولم يستح بعض «الخبراء» من كتَّاب الصحف المهاجرة أن يتذكروا للميت «حزمه وصرامته» في قيادة سورية في وجه التحديات وكان هدم المدن فوق عشرات الآلاف من الأبرياء، وسجن مئات الآلاف بأدنى شبهة كانت من الفضائل ضد اليهود.
لكن المضحك المبكي محاولة النخبة تبرير وتسويغ الانقلاب السياسي السوري بتحول النظام الثوري إلى توريث النظام الجمهوري، ورأينا وسمعنا كبار كتاب الزوايا والافتتاحيات في الصحف العربية، وهم يتبارون في التنقيب عن مزايا وإيجابيات الابن، فهو مستفتح على التكنولوجيا والمعلومات، وهو «ورث حنكة والده إلى جانب حماسة الشباب» وهو بدقة طبيب العيون، وخبرة مبرمج الإنترنت حتى إن بعضهم توقف عند طول قامة الدكتور بشار باعتبار ذلك من مزايا كفايته للعرش السوري.
وليس هذا موضع التوسع في الحديث عن الحدث العجيب في سورية بقدر ما هو محاولة لرصد الحالة الإعلامية المزرية التي يعيشها العالم العربي، حين تفشل نخبتنا الإعلامية والفكرية والسياسية في هذا الاختبار البسيط عندما يموت رأس واحد من الأنظمة الثلاثة الأكثر دكتاتورية في العالم العربي، وتكشف العشيرة الحاكمة عن نواياها في الاستمرار في الهيمنة على السلطة فلا يفعل خبراء السياسة العرب سوى أن يجعلوا من أنفسهم ومن صحفهم ومؤسساتهم الإعلامية صدى باهتًا للإعلام الرسمي السوري.
واللافت للنظر أن المحطات التلفازية الأجنبية كانت ميالة أيضًا للتعاطف مع الوضع السوري في ضوء أمنياتها بأن ينفذ الابن خطط والده في المصالحة مع اليهود فلم تشر هذه المحطات إلى حقائق الوضع البائس في سورية إلا لمامًا، وتبقى جنازة الأسد شهادة للقليل جدًا من وسائل الإعلام في العالم العربي، بأنها حاولت أن تحترم عقل مشاهدها، وأن تخدم الحقيقة بإعطاء هامش من التغطية لـ«الإنجازات» الحقيقية في سوريا.