; فضل شهر رمضان على سائر الشهور | مجلة المجتمع

العنوان فضل شهر رمضان على سائر الشهور

الكاتب عبدالرحمن عبدالله آل فريان

تاريخ النشر الثلاثاء 25-أبريل-1989

مشاهدات 67

نشر في العدد 914

نشر في الصفحة 55

الثلاثاء 25-أبريل-1989


 

كتبه/ رئيس الجماعة الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم  بالرياض وتوابعها.


الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا فضل له، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليمًا كثيرًا.

 

أما بعد فإن الله من كرمه وجوده ولطفه وإحسانه ورحمته بعباده، جعل لهم أوقاتًا فاضلة لها مزية على غيرها، وفضيلة على ما سواها، حرى أن يجيب دعاءهم وسؤالهم لربهم فيها، مع أنه سبحانه يجيب دعوة المضطر إذا دعاه في كل وقت وحين، ولكن هذه الأوقات لها خصوصية على غيرها، وقد جعل ربنا سبحانه وتعالى لنا أوقاتًا مباركة يستجاب فيها الدعاء إذا صدق العبد مع ربه جل وعلا، وقد وزعت على كل سنة وعلى كل أسبوع وعلى كل ليلة، فجعل سبحانه في كل سنة شهر رمضان له فضل عظيم في لياليه وأيامه، وخص الليالي لنزول القرآن في ليلة القدر، وخص العشرة الأخيرة بمزيد فضل وإحسان وكرم وجود منه سبحانه، وخص ليلة القدر لفضلها على سائر الليالي والأيام فقال: ﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (القدر: 3) وقال: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ ۚ ﴾ (الدخان: 3) فحيث أنزل فيها القرآن صار لها فضل على غيرها من الليالي.

 

وكذلك خص عشرة أيام من شهر ذي الحجة على سائر الأيام، وبين النبي صلى الله عليه وسلم فضلها بقوله « ما من أيَّامٍ العملُ الصَّالحُ فيهنَّ أحبُّ إلى اللهِ من هذه الأيَّامِ العشرِ . قالوا : يا رسولَ اللهِ ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ ؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ إلَّا رجل خرج بنفسِه ومالِه فلم يرجِعْ من ذلك بشيءٍ »(البخاري:969) فصار فضلها في أيامها ولياليها تبع لوقوع الحج فيها، وكذلك جعل الله لنا يومًا في الأسبوع له فضل عظيم ويستجاب فيه الدعاء.

 

وفيه يجتمع المسلمون لصلاة الجمعة وخطبتها، وفيها ساعة لا يرد السائل لربه فيها، وهي عيد بالنسبة إلى الأسبوع، ويحصّل قرابين معنوية بسبب التبكير لها، وكذلك بالنسبة لليوم والليلة جعل الله وقتًا فاضلًا فيه يستجاب الدعاء وهو ثلث الليل الأخير كما قال النبي صلى الله عليه وسلم « يَنْزِلُ رَبُّنا تَبارَكَ وتَعالَى كُلَّ لَيْلةٍ إلى السَّماءِ الدُّنْيا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يقولُ: مَن يَدْعُونِي، فأسْتَجِيبَ له؟ مَن يَسْأَلُنِي فأُعْطِيَهُ؟ مَن يَستَغْفِرُني فأغْفِرَ له؟ »(البخاري:1145) فهو الكريم المتعالي الذي يحب أن يسأل فيعطي لكمال كرمه وجوده، ففتح لنا الأبواب ويسر لنا الأسباب ونوّع لنا الأوقات بحسب الفضائل وحاجة العباد، فرغبنا في شهر بعينه وهو شهر رمضان، ورغبنا في عشر بعينها وهي عشر ذي الحجة، ورغبنا في يوم بعينه وهو يوم الجمعة، ورغبنا في ثلث الليل الأخير كل ليلة، ورغبنا في ساعة من يوم الجمعة. ولكن ما بيَّن لنا عينها لنجتهد في اليوم كله، ولم يبين لنا ليلة من رمضان بعينها حتى نجتهد في الشهر وليالي العشر كلها.

 

وهذا من فضله وإحسانه إلى خلقه ليجتهدوا في أوقات كثيرة لرجاء إصابة الفاضل منها، ثم هذا شهر رمضان الذي هو ضيف كريم وموسم عظيم لمتجر عباد الله الصالحين، فرض الله على المسلمين صيامه، وجعله أحد أركان الإسلام التي يقوم عليها الإسلام ويستقيم، وسن لنا نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم قيام ليله تطوعًا، وجعل الله فيه الخير العظيم لقول النبي صلى الله عليه وسلم « مَن صامَ رمضانَ وقامَهُ ، إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ لَهُ ما تقدَّمَ من ذنبِهِ »( الترمذي:683) وقال ربه جل وعلا ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (البقرة: 185) وكان نبينا الكريم يبشر أصحابه بقدوم شهر رمضان، فيقول: «أتاكم رمضان سيد الشهور فمرحبا به وأهلا، جاء شهر الصيام بالبركات فأكرم به من زائر هو آت.»(رواه النسائي) ومن رحمته جل وعلا كما جعل الأوقات الفاضلة موزعة ومتنوعة على الشهور والعشر والأسبوع والليالي والأيام والساعات، فكذلك جعل العبادات متنوعة ومتوزعة بحسب أعمال الإنسان، فجعل بعضها على القلوب كالإيمان بالله والخشية له والخشوع والحب والرجاء وغيرها.

 

وجعل بعضها على اللسان كالذكر والدعاء وقراءة القرآن.

 

وجعل بعضها على البدن كالصلاة والصيام والجهاد، وجعل بعضها على المال كالزكاة والنفقات الواجبات والمستحبات ونحو ذلك، وهذا من فضل الله ورحمته، فيا عباد الله سابقوا إلى الخيرات وسارعوا إلى الجنات فإنها فرصة طيبة لكم في الأعمال الصالحات.

 

فقد جعل الله شهر رمضان مضمارًا للتسابق فيه إلى الخيرات والتنافس في الطاعات كما قال تعالى لما ذكر الجنة ونعيمها ورحيقها ومسكها وريحانها قال ﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (المطففين: 26) جعلنا الله وإياكم من أهلها ووالدينا وذرياتنا وإخواننا المسلمين.

 

وكما يعلم المسلم أن هذا الشهر يفوت ويحسب من العمر، وليس له عوض شهر من الشهور الأخرى ينوب عنه؛ فليحرص المسلم على حفظ الصيام والمبادرة إلى قيام الليل واغتنام الفرص الطيبة، وليبتعد المسلم عن قول الزور وفعل الفجور والكذب والغيبة والنميمة كما في الحديث «ما صام من ظل يأكل لحوم الناس» وفيه أهون الصيام الصيام عن الطعام والشراب، وفيه « مَن لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ والعَمَلَ به، فليسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ في أنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ»(البخاري:1903) وفيه إذا صمت فليصم سمعك وبصرك وجوارحك، وليكن عليك سكينة ووقار، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء.

 

ويبتعد المسلم عن ما يفسد الصوم من الطعام والشراب والنكاح، وليتق الله ربه لعله أن يفوز بجائزته ورضاه، وليحرص على تعاهد القرآن و مدارسته، وليكن شهر الصوم وقت جد واجتهاد في الأعمال الصالحة وليس وقت بطالة وكسل.

 

وفق الله الجميع لطاعته واتباع رضاه.

 

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الرابط المختصر :