العنوان فضل أيام عشر ذي الحجة
الكاتب هيفاء علوان
تاريخ النشر السبت 24-يناير-2004
مشاهدات 81
نشر في العدد 1586
نشر في الصفحة 52
السبت 24-يناير-2004
إن لله في أيامه نفحات ألا فتعرضوا لها. صدق رسول الله.. ها نحن نعيش في دوح الإيمان، دوح ينفحنا بشذاه إن نحن شمرنا وعقدنا العزم على استغلال مواسم الطاعات نعب منها ما نشاء أن نعب لتلقى الله U وهو عنا راض بمنه وكرمه ورحمته.
ودعنا رمضان شهر الرحمة والغفران وما نرجوه أن يكون قد شملنا عفو الله I، وعسى أن نكون ممن من الله عليهم وجعلهم من عتقائه من النار، وهبت علينا نسمات عليلة عطرت القلب بشذاها، فركت أرواحنا ونحن نصوم ستا من شوال.
ولقد حضنا المصطفى ﷺ على الصيام في أكثر من موسم، لتشحن هذه النفس الأمارة بالسوء وتحلق في سماء الهدى والتقوى.
وقد ركز النبي ﷺ على هذه الفريضة لأنها عامل من عوامل تزكية النفس التي ثبت أننا - نحن المسلمين - بأمس الحاجة إليها والتي هي عامل مهم من عوامل الفلاح في الدنيا والآخرة بدءًا بتوفيق الله للعبد في حياته الفردية وانتهاء بالتفوق النوعي ومن ثم النصر على الأعداء.
وإذا كان الصبر من أرقى مقامات النفس فإن الصوم تعويد للنفس على الصبر ولذلك ورد في الحديث الشريف «الصوم نصف الصبر» «أخرجه الترمذي وابن ماجه وهو حديث حسن».
وقد جعل الله الصوم وسيلة للتحقق بمقام التقوى التي هي مطلب الله سبحانه من العباد وهي تهدف إلى تطهير النفس وتزكيتها.
والمسلم يفتقر إلى تركية روحه والعروج بها إلى ما علا وشرف على مدار السنة لتبقى نفسه تعرج في ملكوت السماء تتعلق بالخالق وتدين له بالولاء وتعترف له بالوحدانية والربوبية فتحوطها عناية الله وتستشعر هالة من الشفافية والصفاء مما يدفعها لتغرف من بحر الإيمان ما يروي ظمأها فتشرق هذه النفس وتسمو، وإذا ما سمت عانقت القلب والجنان فكانوا جميعًا في حالة تعاهد.
ويصبح العبد من أصحاب البصائر الذين يعتقدون أن الله لمن عصاه لبالمرصاد وأن العباد سيناقشون يوم الحساب، ويطالبون بمثاقيل الذر من الخطرات واللحظات، وتحققوا أنه لا ينجيهم من هذه الأخطار إلا لزوم محاسبة النفس الأمارة مع صدق المراقبة ومطالبة النفس في الأنفاس والحركات ومحاسبتها في الخطرات واللحظات، فمن حاسب نفسه قبل أن يحاسب خف في القيامة حسابه وحضر عند السؤال جوابه وحسن منقلبه وما به، ومن لم يحاسب نفسه دامت حسرته، وقادته نفسه إلى الخزي والعار وجرته إلى المقت سيئاته.
ولقد حضنا النبي r وهو أعلم بما ينفعنا دنيا وأخرى على التقرب إلى الله بالطاعات ومنها صيام الأيام العشر من ذي الحجة التي ورد فيها عن ابن عباس yقال: قال رسول الله ﷺ: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام يعني أيام العشر قالوا يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله قال ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع بشيء من ذلك»، «رواه البخاري» وفي لفظ للطبراني وغيره: ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إلى الله العمل فيهن من أيام العشر فأكثروا فيهن من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير.
وفي فضل صيام يوم عرفة عن أبي قتادة tقال: سئل رسول الله ﷺ عن صوم يوم عرفة فقال: يكفر السنة الماضية والباقية «رواه مسلم».
هذا وقد أقسم الله U، والله لا يقسم إلا بعظيم، أقسم سبحانه بالفجر، ساعة تنفس الحياة في يسر ومرح وابتسام وإيناس ودود ندي والوجود الغافي يستيقظ وكان أنفاسه مناجاة.
وفي رواية أن الله أقسم بركعتي الفجر لما لهما من أهمية.
﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ المراد بها عشر ذي الحجة في رواية حيث يلتقي روح العبادة الخاشع بروح الوجود الساجية حيث تتجاوب الأرواح الخاشعة مع أرواح الليالي المختارة وروح الفجر الوضيئة في ظلال القرآن، سيد قطب رحمه الله.
لقد شرع الله في هذه الأيام الصيام لأنها أيام إجابة ودعاء وإقبال على الله فليتذكر المسلمون ممن عرفوا في أبدانهم ومالهم وأوطانهم وأمنهم، ليتذكروا إخوانهم الذين ابتلوا وضيق عليهم وسفكت دماؤهم. وانتهكت أعراضهم، ولنتذكر سائر المسلمين ممن ابتلوا في مشارق الأرض ومغاربها بالدعوات الصالحات التي فيها تفريج المصاب، وتثبيت القلوب والإعانة على الحق والتخذيل عن المؤمنين والتخفيف عنهم.
قال رسول الله ﷺفيما يرويه عن ربه U: وما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، ويصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن أعاذني لأعيذنه.
فلتكن هذه دورة روحية ربانية يحياها المسلم غير الحاج في كل سنة، يتقرب فيها من ربه، بحسن الأعمال، وجميل الخصال، لينجو من الخسران يوم القيامة ومن سوء المال.
■ خذوا عني مناسككم
علاء سعد حسن- alaasaad19@hotmail.com
توجيه أطلقه النبي rكله في الحج، يستحق أن يبقى شعارًا إسلاميًا نرفعه دائمًا حيث يؤكد هذا التوجيه النبوي حقيقة أهمية السنة النبوية ومكانتها في التشريع الإسلامي([1]) هذا الموضوع الثابت الذي شبع بحثًا وإثباتًا فأصبح من نافلة القول أن يعاد طرحه من جديد والنصوص القطعية الثبوت القطعية الدلالة فيه لا تحتاج إلى تفسير أو تأويل من الآيات البينات التي أمرتنا بطاعة النبي ﷺ، وقرنت هذه الطاعة بطاعة الله تعالى وعطفت طاعة الرسول على طاعة الله ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (التغابن:12)، ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ (النساء:80)([2])، وقوله : «أوتيت الكتاب ومثله معه، وقيل إن ذلك في تفسير قوله تعالى ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ (الأحزاب:٣٤) حيث قال العلماء إن الحكمة هي السنة النبوية المشرفة([3])، غير أن ما نتناوله هنا معنى آخر يؤكد على أن السنة النبوية ليست مجرد أصل مهم من أصول التشريع ولا مصدر أساسي من مصادره وفقط، ولكنها في الحقيقة تتعدى ذلك إلى كونها المذكرة التفسيرية للنصوص الإسلامية، فالسنة والسيرة - حيث السيرة هي مجموع أعمال النبي ﷺ طوال حياته الشريفة - هي التفسير العملي الواقعي للإسلام فلا يمكن فهم الإسلام وشعائره ومنهجه في معزل عن فهم طريقة تطبيق النبي ﷺ للإسلام، لذا قالت السيدة عائشة رضي الله عنها في وصف النبي: كان قرآنًا يمشي على الأرض .. وعلى هذا فمن أراد أن يفهم القرآن فهمًا عمليًا معيشًا متجسدًا في حياة البشر وواقع الناس فلينظر إلى حياته ﷺكاملة.
نحن مأمورون أن نأخذ عن النبي ﷺ معالم ديننا، ويتحقق هذا المعنى واضحًا جليًا في الحج خذوا عني مناسككم، وإلا كيف تتم فريضة الحج بعيدًا عن تطبيق النبي ﷺ لها، فالقرآن الكريم قد أمرنا بإتمام الحج والعمرة لله ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (البقرة: ١٩٦)، فهل ترى في مجموع آيات الحج الواردة في كتاب الله تعالى ما يغنينا في إتمام فريضة الحج عن توضيح الرسول ﷺ لمناسكها وتطبيقه ﷺ العملي لها، أو إقراره لها بإقراره لفعل صحابته رضوان الله عليهم؟
نجد الجواب الحتمي الوحيد أنه لا غنى لنا عن اتباع تطبيق النبي ﷺ للمناسك وفق أمره ﷺ خذوا عني مناسككم([4]).
والمسلمون مطالبون بإقامة شرع الله في الأرض وتحكيم منهجه في الوجود فلا بد أن نأخذ عن النبي ﷺ خطواته في البناء الإقامة المجتمع الإسلامي الكبير، إن الذين يتجاوزون المرحلية التي اعتمدها الرسول ﷺ لبناء المجتمع المسلم والدولة الإسلامية عبر سيرته العطرة إلى الأحكام النهائية للدين، والذين يريدون أن ينطلقوا بالنصوص وحدها لإقامة هذا الدين لا يأخذون معالم إقامة الدولة الإسلامية وتحكيم شرع الله عن النبي ﷺ، مهما تمسكوا بما وراء ذلك من آداب السنة، فالسنة النبوية ليست مجرد مجموعة من الآداب، لكنها قبل ذلك طريقة رسول الله rلإقامة دين الله([5]).
---------------------------------------
الهوامش
([1]) عنوان كتاب الدكتور مصطفى السباعي كان رسالة الماجستير بالنسبة له.
([2]) والآيات البينات الدالة على وجوب طاعة الرسول الله وعطفها على طاعة الله كثيرة جدًا لا يمكن حصرها في هذه العجالة.
([3]) الكتاب يعني القرآن والحكمة تعني السنة من تفسير ابن كثير للآية ۱۲۹ البقرة قاله الحسن وقتادة ومقاتل بن حيان وأبو مالك وغيرهم ابن كثير (١٨٥/١).
([4]) وكذا إقامة الصلاة التي لا نجد لها شرحًا تفصيليًا في كتاب الله، ولا مناص من اللجوء التطبيق النبي كله للصلاة لنتمكن من أدائها كاملة غير منقوصة.
([5]) في هذا يقول البوطي إن الله تعبدنا بالوسائل كما تعيدنا بالغايات.. فجعل البوطي الوسائل الأساسية مثل قضية المرحلية توقيفية على فعل النبي ﷺ.