العنوان فضائل مصر ومزايا أهلها ( ١٠ - ١١)- علماء مصر ودعاتها وأدباؤها الكبار في العصر الحديث
الكاتب د. محمد بن موسى الشريف
تاريخ النشر الجمعة 03-فبراير-2012
مشاهدات 56
نشر في العدد 1987
نشر في الصفحة 58
الجمعة 03-فبراير-2012
* مصطفى صادق الرافعي... سخر قلمه الرائع للدفاع عن ثوابت الإسلام ورد على خصومه ردًا مفحمًا في كتابه «تحت راية القرآن».
* حسن البنا.. أعاد للإسلام ما امتاز به من الشمول بعد طول أفول وأظهر ما فيه من جلال وجمال بعدما أصابه على يد أهله بسبب سوء الأفعال والأقوال.
* سید قطب.. جمع بين الأدب الرفيع وتفسير القرآن على وجه لم يسبقه إليه غيره.. ونحا في تفسيره إلى ربط مدلولات الآيات بواقع الناس وأحوالهم.
* الشيخ عبد الحميد كشك.. الخطيب المصقع الذي كان له أكبر الأثر في إذكاء الصحوة الإسلامية.. وله طريقة في الخطابة لا تبارى ولا تجارى.
قد كان لمصر في عصرنا الحديث فضائل جمة، وأعمال جليلة مهمة، ولأهلها أياد بيضاء على المسلمين، وهذا بحر ضخم خضم لكني سآتي على بعض درره ولآلئه، فمن أدباء مصر الكبار:
مصطفى صادق الرافعي، وهو الأديب الذي سخر قلمه الرائع للدفاع عن ثوابت الإسلام، والرد على خصومه، وعلى مثيري الشبهات الذين جعلوا القرآن عرضًا لهم، فألقمهم الحجر، ورد عليهم في كتابه الجليل «تحت راية القرآن» وغيره ردًا مفحمًا، ولقد كان وجوده بين أدباء عصره علامة فارقة؛ فإن معظم أدباء عصره كانوا بعيدين عن هذا المضمار، نائين بأنفسهم عن الدخول في هذه القضايا الإسلامية التي كان من يتبناها يعرض نفسه لأشد أنواع الهجوم والبلاء الذي لا يطيقه كل أحد، هذا وقد كان ذلك الأديب الكبير أصم لكن لم يمنعه صممه من الوصول إلى أعلى الدرجات في الأدب.
ومنهم الأستاذ سيد قطب الذي جمع بين الأدب الرفيع وتفسير القرآن على وجه لم يسبقه إليه غيره؛ إذ إني لا أعلم تفسيرًا في الأرض نحا نحو تفسيره في ربط مدلولات الآيات القرآنية الكريمة بواقع الناس وأحوالهم وتصاريف زمانهم، فقد أفلح في ذلك وأجاد بل أقول إنه كان معانًا موفقًا، والله أعلم.
وقد كان من الأدباء القلائل جدًا الذين خاضوا عمار الدعوة إلى الله تعالى، وختم له بالشهادة إن شاء الله، وقد أتهم باتهامات عديدة صعبة خشنة من قبل خصومه وبعض أصحابه، وبعد دراسة أقواله والاطلاع على أحواله، وسؤال بعض أقرانه ومعاصريه فإني أدين الله تعالى بأنه بريء منها، وقد ركب متهموه مركبًا صعبًا عندما اتهموه بها، ولا أجد فصلًا بينه وبين من اتهمه بها أفضل من قول أبي العتاهية:
إلى ديان يوم الدين نمضي *** وعند الله تجتمع الخصوم
نعم هو أديب وقع على الإسلام وأشرقت روحه وحيي قلبه به فتكلم في بعض أصول وفروع الشريعة بكلام رائع جليل أصاب في أكثره، وفي بعضه ما في كلام البشر من الخطأ، وما يصيبهم من الزيغ والزلل، لكن لا يصل إلى حد ما اتهمه به من اتهمه، فلم التشنيع والتهويل وكثرة العويل وعدم حمل كلام الرجل على أحسن محامله، ورد متشابهه إلى محكمه ومجمله إلى مبينه؟
مواقف جليلة
الأستاذ الكبير الأديب العالم أبو فهر محمود محمد شاكر الذي كان له مواقف جليلة صدع فيها بالحق، وفند فيها الباطل بقوة، وله كتب عظيمة صارت هادية للأجيال وموجهة لها ومرشدة، ولو لاين خصومه وتفاهم معهم لاجتمعت حوله القلوب والتف عليه الناس، لكنه- يرحمه الله تعالى- كان يشتد عليهم اشتدادًا لا يفرق فيه غالبًا بين داعية للإسلام وعدو له، وبين محب للإسلام وشائي ومبغض له، وهو بعد هذا كله قمة سابقة لا يستطيعها الروبيضات التافهون، وله الكتاب المشهور الذي لا يستطاع الإتيان بمثله ولا بنصفه على وجازته وصغر حجمه، وهو «رسالة في الطريق إلى ثقافتنا» أبدع فيه أيما إبداع، وله أعمال أخرى جليلة، وآثار مضيئة.
وأما شعراء مصر الذين كان لهم أثر عظيم في تجديد الشعر العربي بعد مدة انحطاط طويلة، لعدد كبير منهم الضابط المشارك في الثورة العرابية محمود سامي البارودي- وهو أول الكبار- وأحمد شوقي الذي قيل فيه: لم يأت بعد أحمد المتنبي مثل أحمد شوقي، ومنهم حافظ إبراهيم شاعر النيل، وأحمد محرم شاعر العروبة والإسلام، ومحمود غنيم.
ومن دعاة مصر الكبار
الأستاذ الإمام محمد عبده الذي كان أحد المؤثرين الكبار في تاريخ مصر، بل في تاريخ الإسلام الحديث، والرجل عليه بعض المؤاخذات- غفر الله له- لكن أثره وعمله ما زال يتردد في جنبات مصر إلى يوم الناس هذا، وتوفي- يرحمه الله تعالى– سنة ١٣٢٢هـ/ ١٩٠٥م.
ومنهم الأستاذ محمد رشيد رضا الشامي، ثم المصري، منشئ مجلة «المنار» في مصر، وهي المجلة التي ظلت ملاذًا لأهل الإسلام أكثر من ثلاثين عامًا، وللشيخ رشيد آثار في التجديد والاجتهاد في الدعوة إليه مشهودة معلومة، وظل شوكة في حلق أعداء الإسلام وفي حلق أنصاره من الجامدين المعارضين حتى أتاه اليقين سنة ١٣٥٣ هـ / ١٩٣٥م يرحمه الله تعالى.
جلال وجمال
ومنهم الأستاذ الإمام الشهيد- بإذن الله تعالى- حسن البنا الذي لم يأت مثله- عندي - في مجموع صفائه وأحواله، منذ شيخ الإسلام ابن تيمية- يرحمه الله تعالى وذلك أنه أتى والإسلام قد درست معالمه وانظمت مزاياه ومحاسنه، وأكثر أهله عنه مدبرون، وفي جدواه متشككون، ومن اطلع على أحوال عصره علم ما قلته، وعرف صدق ما أدعيته، فأعاد إلى الإسلام ما امتاز به من الشمول بعد طول أفول وأظهر ما فيه من جلال وجمال بعدما أصابه على يد أهله بسبب سوء الأفعال والأقوال.
والرجل ليس ككل الرجال، فحسبكم دليلًا على ذلك أنه عاش ثلاثة وأربعين عامًا تقريبًا جاهد فيها إخوان القردة في فلسطين والصليبيين الإنجليز في مصر، وترك من الأعمال والآثار ما يعجز عنه جماعة كبيرة من الرجال الأبطال فهذا يدل والله تعالى أعلم، أن لله به عناية، وأما ما اتهمه به خصومه فهو شنشنة تعرفها من أخزم، واتهامات لم يقيموا عليها بينات جليات، ولا دلائل واضحات، فذهبت أدراج الرياح وبقي للرجل سيرته الناصعة البيضاء، وهو على كل حال بشر ليس بمعصوم، وله أخطاء وزلات كما لسائر البشر - حاشا الأنبياء والمرسلين عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين- لكن الظلم كل الظلم هو تضخيم الأخطاء القليلة غير المقصودة ونسيان المحاسن الكثيرة والمزايا الواضحة، والأعمال العظيمة.
صدع بالحق
ومنهم الأستاذ الداعية المنتسب إلى الجمعية الشرعية محمود عبد الوهاب، فأيد الذي وقف في وجه الطاغية العبد الخاسر «عبد الناصر»، وصدع بالحق في زمن قل فيه الصادعون، ونكص أكثر الناس من الخواص والعلماء والمشايخ وطلبة العلم على أعقابهم، يوم كان أكثر أبطال مصر في السجون أو المنافي، وكان له مواقف في مصر هي خالدة في ذاكرة التاريخ، وأرجو أن ينال بها أعظم المكافاة في الآخرة إن شاء الله تعالى، وقد كتبت في هذه المجلة في حلقة من حلقات عظماء منسيون في التاريخ الحديث، تفاصيل سيرته فلا أعود لها ها هنا.
وقريب من هذا الداعية الإمام ومن كان في الصدع بالحق مشهورًا أيضًا الأستاذ محمد أبو زهرة، الذي كان له مواقف جليلة صدع فيها الطاغية العبد الخاسر بالحق البين الواضح، فلم يملك له إلا أن جرده من مناصبه وعزله عن وظائفه، وللآخرة خير له من الأولى، إن شاء الله تعالى.
ومنهم الشيخ عبد الحميد كشك الخطيب المصنع الذي لم يأت مثله- عندي- منذ سنوات طوال، وكان له أكبر الأثر في إذكاء الصحوة الإسلامية، وله طريقة في الخطابة لا تبارى ولا تجاري، وهو فصيح بليغ إلى الحد الأعلى من الفصاحة والبلاغة، ومن استمع لخطبه أدرك ما أقول، أما جمعه بين هذا كله وبين الدعابة واللطف والاقتراب من الجمهور فهو شيء جديد في الخطابة أجزم والله أعلم- أنه لم يقع من قبل، وحسبه شرفًا أنه توفي وهو ساجد، فلله ما أحسن مينته وما أشرف خاتمته.
دعاة عاملون
وإن ينس التاريخ أحدًا من الناس فإنه لن ينسى أبدًا إن شاء الله تعالى جملة من الدعاة العاملين أصحاب المؤلفات النافعة والمواقف الرائعة منهم، المشايخ والأساتذة محمد الغزالي، والبهي الخولي، ومحمود خطاب السبكي منشئ الجمعية الشرعية، ومحمد الفقي من جماعة أنصار السنة، والمحدث أحمد محمد شاكر، والتونسي المصري شيخ الأزهر محمد الخضر حسين، وشيخا الأزهر الصاعدان الرئيس السادات بالحق عبد الحليم محمود، وجاد الحق، وعمر التلمساني، ومصطفى مشهور، وغيرهم كثير يرحمهم الله تعالى.
وفي مصر اليوم ثلة من الدعاة كان لها أثر عظيم في تصحيح مسيرة شعب مصر وكثير من الشعوب العربية والإسلامية، ولهم آياد بيضاء لا تنكر في مجالات كثيرة، ولولا إني اشترطت على نفسي ألا أمدح إلا من انتقل إلى الدار الآخرة حميدًا سعيدًا أن شاء الله- لذكرت جملة كبيرة منهم.
وكم لمصر من الأيادي البيضاء على الدول العربية والإسلامية، فقد علم أساتذتها ومدرسوها كثيرًا جدًا من العرب والمسلمين، وكان من المصريين وما زال لهم دعاة مبثوثون في قارات الدنيا الست، لا تخطتهم العين، ولا يغيبون عن المواقع المهمة.
صحوة إسلامية
ولا ينسى فضل مصر في معركة العاشر من رمضان سنة ١٣٩٣ هـ/ ٦ أكتوبر ۱۹۷۳م وإيقاف زحف إخوان القردة، وقد تحدثت عنها في مكان آخر، وهي أجل معركة في العصر الحديث وقائع ونتائج، والله أعلم.
وعقب تلك المعركة ظهرت الصحوة الإسلامية الجليلة الرائعة، التي أتى بها الله بنيان الكافرين والعلمانيين والمنافقين من قواعده، وهدم جل مخططاتهم بهذا النور الذي برع شيئًا فشيئًا، واتسع نطاقه بعد ذلك ليعم بلاد مصر، بل معظم بلاد العالم، وللصحوة حديث جليل وتفصيل رائع لا يصلح له هذا السياق العجل، لكني ذكرت ذلك لأبين ريادة مصر الإسلامية في هذا الأمر، وفضلها على سائر الأقطار.
قراء القرآن
ولمصر قراء للقرآن هم أساتذة الدنيا في الإقراء وجودة التلاوة وحسنها، وعلى رأسهم الثلاثة الذين ليس لبلد في الأرض مثلهم: الشيخ محمود خليل الحصري، وعبد الباسط عبد الصمد، ومحمد صديق المنشاوي، وقد يضاف إليهم الأستاذ محمد رفعت، وإن لم يبلغ عندي إتقان أولئك الثلاثة، لكن لصوته جلال وجمال قل مثيله.
وفي مصر اليوم ثلة من علماء الشريعة لهم أياد بيضاء على شعب مصر والشعوب العربية والإسلامية.
وفي مصر عدد ضخم من علماء الكيمياء والفيزياء والرياضيات والطب وسائر جوانب العلوم الطبيعية والتطبيقية والتقنية، وقد أغنى كثير منهم الحضارة الغربية وجددوا لها نسيجها القديم، وكان لهم أثر لا ينكر في المشاركة في المسيرة الحضارية لعدد من الدول الغربية والإسلامية والعربية، وقد اغتال إخوان القردة مجموعة من أبرز هؤلاء وقد أوردت موسوعة «ويكيبيديا» سيرة موجزة لهؤلاء وكيفية مقتلهم فقالت
علماء ذرة
علماء مصر الذين اغتالهم «الموساد الإسرائيلي» خارج مصر:
- يحيى المشد، وهو عالم ذرة مصري، وأستاذ جامعي درس في العراق في الجامعة التكنولوجية قسم الهندسة الكهربائية، فشهد له طلابه وكل من عرفه بالأخلاق والذكاء والعلمية، اغتاله «الموساد» في يوم الجمعة ١٣ يونيو عام ١٩٨٠م، وفي حجرته رقم ٩٤١ بـ«الميريديان» بباريس عثر على د. يحيى المشد جثة هامدة مهشمة الرأس ودماؤه تغطي سجادة الحجرة.
- على مصطفى مشرفة باشا (١١ يوليو۱۸۹۸م- ١٥ يناير ١٩٥٠م)، عالم رياضيات مصري، ولد في دمياط، تخرج في مدرسة المعلمين العليا ۱۹۱۷م، وحصل على دكتوراة فلسفة العلوم (PHD) من جامعة لندن ١٩٢٣م، ثم كان أول مصري يحصل على درجة دكتوراة العلوم (DSC) من إنجلترا من جامعة لندن ١٩٢٤م، عين أستاذًا للرياضيات في مدرسة المعلمين العليا، ثم للرياضة التطبيقية في كلية العلوم ١٩٢٦م.
منح لقب أستاذ من جامعة القاهرة وهو دون الثلاثين من عمره.
كان يتابع أبحاثه العالم «أينشتاين» صاحب نظرية النسبية، ووصفه بأنه واحد من أعظم علماء الفيزياء.
انتخب في عام ١٩٣٦ عميدًا لكلية العلوم فأصبح بذلك أول عميد مصري لها، وحصل على لقب «الباشوية» من الملك فاروق.
تتلمذ على يده مجموعة من أشهر علماء مصر، ومن بينهم سميرة موسى.
توفي في 15 يناير ١٩٥٠م أثر أزمة قلبية، ويشاع أنه توفي مسمومًا، وقيل: إن أحد مندوبي الملك فاروق كان خلف وفاته، كما قيل أيضًا: إنها أحد عمليات جهاز «الموساد الإسرائيلي».
- سميرة موسی (٣ مارس ۱۹۱۷م- ١٥ أغسطس ١٩٥٢م)، ولدت في قرية «سنبو الكبری» مرکز زفتي بمحافظة الغربية.
وهي أول عالمة ذرة مصرية، ولقبت باسم «ميس كوري الشرق» وهي أول معيدة في كلية العلوم بجامعة «فؤاد الأول» جامعة القاهرة حاليًا.
استجابت الدكتورة سميرة إلى دعوة للسفر إلى أمريكا في عام ١٩٥٢م، أتيحت لها فرصة إجراء بحوث في معامل جامعة «سان لويس» بولاية ميسوري الأمريكية، تلقت عروضًا لكي تبقى في أمريكا لكنها رفضت، وقبل عودتها بأيام استجابت لدعوة لزيارة معامل نووية في ضواحي كاليفورنيا في 18 أغسطس، وفي طريق كاليفورنيا الوعر المرتفع ظهرت سيارة نقل فجأة؛ لتصطدم بسيارتها بقوة وتلقي بها في واد عميق، قفز سائق السيارة- زميلها الهندي في الجامعة الذي يقوم بالتحضير للدكتوراه- والذي اختفى إلى الأبد.
هذا بعض ما يمكن إيراده في هذه العجالة من معالم مصر في العصر الحديث، وهو قل من كثر، وغيض من فيض، وقطرة من بحر.
وإني لأرجو بهذه الحلقات العشر أن أكون قد وفيت لأهل مصر جزءًا من حقهم، وبينت شيئًا من فضلهم، وأتيت على قطرة من بحرهم، وأظهرت بعض مفاخرهم، ووضحت قليلًا من مآثرهم، وإلى الله تعالى أشكو التقصير.
وفي الحلقة الأخيرة القادمة، سأورد إن شاء الله تعالى ماذا يريد المسلمون من المصريين، وماذا يطلبون منهم، فإن للمجد الذي أوردت بعضه ضريبة، وللشرف الباذخ ثمنًا والعزة النفساء عملًا جليلًا، والله المستعان.
(*) داعية سعودي - المشرف على موقع التاريخ
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل