; فضائل مصر ومزايا أهلها (أخيرة) قيادة الأمة | مجلة المجتمع

العنوان فضائل مصر ومزايا أهلها (أخيرة) قيادة الأمة

الكاتب د. محمد بن موسى الشريف

تاريخ النشر الجمعة 10-فبراير-2012

مشاهدات 91

نشر في العدد 1988

نشر في الصفحة 46

الجمعة 10-فبراير-2012

* بعد الثورة لا بد أن تعود مصر لكل المسلمين فتحمل همومهم وتدرأ في نحور أعدائهم وهذا قدرها الذي قدره الله تعالى.

* ينبغي تعاون كل قوى مصر الوطنية لإخراجها من النفق المظلم الذي وضعها فيه الطغاة والظلمة والمستبدون.

* أدعو الحكومة المصرية المنتخبة المرتقبة أن تعيد النظر في كل وسائل الإعلام ومناهج التعليم وطرائق إدارة الوزارات الخدمية.

قدمت في الحلقات العشر الماضيات شيئًا من فضائل مصر ومزايا أهلها، وبينت عظم العطاء الذي شارك به المصريون في بناء صرح الشريعة الإسلامية والثقافة الإسلامية، والحضارة الإسلامية، وهو أمر مشهور ذائع لا يحتاج إلى بيان من مثلي لكنه من باب ، وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين، وهو - أيضًا - أداء لحقهم، وبيان لفضلهم الذي قد يغمطهم عليه حاقد أو يدفعهم عنه جاحد.

وبقي لي أن أنبه شعب مصر إلى بعض الأمور المهمة التي يريدها المسلمون منهم

أولًا: مصر للمسلمين

قد شاع في مصر بعد تولي السادات مقاليد الحكم واستقرار الأمر له شعار مصر للمصريين، ونادى بعض المصريين بوجوب الانكفاء على مصر وعدم الالتفات إلى غيرها، خاصة عندما جمدت عضوية مصر في الجامعة العربية بسبب صلح السادات المشؤوم مع إخوان القردة واستمر هذا الشعار مسيطرًا في زمن المخلوع اللامبارك، فاجترأ إخوان القردة على لبنان سنة ١٤٠٢هـ / ١٩٨٢م ولم تحرك مصر ساكنًا ، ثم حصلت مآس عديدة بعدها في بلاد العرب والإسلام كانت مصر بعيدة عنها تقريبًا، ومصر اليوم بعد الثورة لا بد أن تعود لكل المسلمين، فتحمل همومهم، وتحل مشكلاتهم، وتدرأ في نحور أعدائهم، وتدفع شرورهم، هذا هو قدر مصر الذي قدره الله تعالى لها منذ أن حملت راية القيادة في العالم الإسلامي بعد سقوط بغداد .

وقد أوقفت مصر المد التتري الهمجي ودحرته في عين جالوت في أرض فلسطين بقيادة المماليك وأميرهم «قطر» في الخامس والعشرين من رمضان سنة ٦٥٨هـ، ولم تذق التتار الهزيمة على يد المسلمين لمدة نصف قرن تقريبًا من المعارك قبلها.

وقد ردت مصر الحملة الصليبية بقيادة لويس التاسع لما اجترأ على غزو الديار المصرية عام ٦٤٧هـ، وأذاقته ألم الأسر والهوان، وقتلت من جيشه عشرات الآلاف وأسرت آلافًا مؤلفة، وباءت الحملة بالخزي والذل بفضل الله تعالى ومنه.

وقد طردت مصر الصليبيين من الساحل الشامي وطهرته تماماً بقيادة المماليك وأميرهم الأشرف خليل بن قلاوون سنة ٦٩٠هـ بعد أن طرد الصليبيين من عكا وقد أنقذت مصر المسلمين بانتصارها على إخوان القردة في رمضان سنة ١٣٩٣هـ / أكتوبر ۱۹۷۳م.

تلك كانت أعمال مصر الإسلامية على  الصعيد العسكري، أما غير ذلك فقد تولت مصر مقاليد القيادة الدينية والثقافية والحضارية في البلاد العربية المشرقية قرابة ٨۰۰ سنة على ما بينته في أكثر الحلقات السابقة، فمقولة مصر للمصريين، إذا لا تصح تاريخًا ولا حاليًا، ولا يمكن أن تكون مصر إلا للمسلمين كلهم.

ثانيًا: الانفتاح الثقافي

قد عاش أكثر المصريين حينًا من الدهر لا يكادون يرون أحدًا عنده علم نافع أو ثقافة جيدة سوى المصريين، وأكثر أولئك ما زالوا يفعلون الشيء نفسه، وهذا فيه غلو في التقدير، وقصور في الاطلاع على ثقافات الشعوب وأحوالها، وقد ساعدهم على ذلك وسائل إعلامهم التي كانت مسيطرة على الساحة العربية إلى زمن قريب ولابد من تغيير هذه النظرة إلى الشعوب الأخرى من غير المصريين ففيها علماء وعظماء ومثقفون وقد بلغ أولئك أعلى الدرجات في تخصصاتهم، فينبغي إذا أن يكون هناك تعاون وثيق قوي بين عظماء المصريين ونظرائهم من البلاد العربية والإسلامية وأن يكون هناك تكامل جيد وتنسيق حسن إذ المرحلة المقبلة في مصر وبلاد العروبة والإسلام حرجة وصعبة، والمطلوب هو تعاون كل القوى لإنجاح المقاصد العليا للشرع المطهر.

ثالثًا: تعاون القوى الإسلامية والوطنية

في مصر قوى إسلامية جليلة ضخمة على رأسها الإخوان والسلفيون، وفيها قوى وطنية ربما لم توفق للاعتصام بالإسلام منهجًا لكنها تريد الخير لمصر والمصريين وهي نزيهة لا تقبل العوج ولا الفساد، فينبغي أن يجتمع كل أولئك للعمل على إخراج مصر من النفق المظلم الذي وضعها فيه الطغاة والظلمة والمستبدون والفاسدون وخربو الذمم منذ زمن طويل - أقدره بثمانية قرون تقريبا - إلى يوم الناس هذا، ولم تنعم مصر أثناء بحكم رشيد إلا في مدد قصيرة متقطعة، ومصر تملك من الثروات البشرية وغيرها قدرًا هائًلا، وتملك الموقع المتفرد جغرافيًا، فهي حقيقة بالريادة والسيادة وتسنم ذرا المجد الذي منعته وتسنمته دول لا تعشر مصر، لكن هذا لن يكون - بعد توفيق الله تعالى - إلا بالاجتماع والتعاضد والتآزر والتناصر.

رابعًا: تحكيم الشريعة

إن قاصمة الظهر التي حلت بأكثر البلاد العربية والإسلامية هي تنحية كتاب الله تعالى وسنة رسوله عن الحكم والتشريع وكان هذا على يد الاستخراب العالمي وأذنابه من بعده، وقد نال مصر نصيب وافر من هذه الجناية بل الجريمة الفظيعة، وتعاون على إبعاد مصر عن كتاب ربها سبحانه وتعالى وسنة نبيها حكامها المستغربون والإنجليز الظالمون الماكرون، وبثوا في الأرض من أنواع المفاسد والشرور شيئًا عظيمَا ونهبوا البلاد وسرقوا العباد، وفعلوا كل نقيصة، واجترؤوا على كل سوء وقبيحة، وإنا لله وإنا إليه راجعون ولن ينقذ البلاد من الهوة التي سقطت فيها إلا تحكيم شرع الله تعالى وتعبيد الناس لربهم سبحانه، ونشر نور القرآن الكريم والسنة المطهرة في ربوع مصر، هذا أمر لابد منه، ولا نقاش فيه لكن مصر ابتدأ تغريبها منذ زمن محمد علي أي منذ أكثر من مائتي سنة، ولا يمكن إرجاعها إلى الجادة بعمل أشهر، فلابد من التدرج بالناس، وحسن عرض الأحكام الشرعية، وبيان ما ينبغي عليهم صنعه في هذا الباب بالحكمة والموعظة الحسنة ومراعاة الأحوال، ومعرفة مكائد الأعداء لكن للتدرج شروطا منها :

- إحسان النية بوجوب العمل بكل الشريعة في نهاية المطاف، والعزم على ذلك.

- العمل بما يمكن العمل به من أحكام الشريعة والابتداء به فورًا، وهذا الممكن يقدره أهل الحل والعقد من علماء الشريعة والدعاة والعاملين ولا يترك لألاعيب السياسيين ومماطلاتهم.

- النص بوضوح لا لبس فيه في الدستور على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الوحيد للتشريع، إذ لا يجوز الاستقاء من مصدر غير الشريعة فيما فيه نص شرعي في ديننًا.

- ألا يطول هذا التدرج بل توضع مدة معقولة مقبولة يقدرها علماء الشريعة.

خامسًا: الرفق بالشعب

إن الشعب المصري اليوم بحاجة إلى يد حانية تمسح آلامه، وتزيح همومه وتفرج كروبه، وتنفس عنه عظيم ما يجد وتعيد تربيته تربية إسلامية تؤهله لاستلام مفاتيح الريادة والسيادة، وليس أحد أحق بهذا من الدعاة الربانيين والعاملين الصالحين بالحكمة والموعظة الحسنة والحوار اللين الرفيق وتلمس مشكلات الشعب والعمل على حلها والحرية التي بمصر الآن هي فرصة عظيمة للدعاة والعاملين عليهم أن يستفيدوا منها في الانطلاقة الجادة لإصلاح الشعب ودعوته إلى الله تعالى.

ولا بد أن يعلم أن الشعب المصري تعرض لتغريب طويل دام عقودًا، وأنه لا بد من التدرج في إرجاعه إلى الجادة، فإن كثيرا من الناس قد خفيت عليه معالم الحق وانطمست في نفسه شعائر الإسلام وشرائعه بسبب التجهيل الطويل الذي سببه القائمون على المناهج التربوية ووسائل الإعلام المتعددة ممن لم يتقوا الله تعالى في هذا الشعب العظيم، ولعلي أختم بدعوة الحكومة المصرية المنتخبة المرتقبة أن تعيد النظر في كل وسائل الإعلام ومناهج التعليم وطرائق إدارة الوزارات الخدمية، وأن تكون متأهبة الحمل المسؤولية الجسيمة العظيمة التي تنتظرها، وأن تحاول جاهدة أن تعيد للناس الثقة في أنفسهم وبلدهم وأصحاب المناصب والأعمال فيها، وهذا ليس بالأمر المستحيل بإذن الله تعالى، فإن حكومة حزب العدالة والتنمية التركية أمسكت بزمام البلاد وقد تردت إلى هوة سحيقة فما زالت بها جدًا واجتهادًا وعمًلا متواصًلا حتى أصبحت ديار الترك اليوم تضاهي أحسن البلاد في العالم ومصر وشعبها - لو فتح فتح الباب أمامهم - أكثر قدرة من الترك، وأحسن دأبًا واجتهادًا ولا ينقصهم شيء إلا الاعتصام بحبل الله تعالى والتوكل عليه والرجوع إليه، وما أحسن قوله سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ (الأعراف : ٩٦)، وقوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (الطلاق: 3) والله أكبر، والعزة للإسلام والمسلمين .

الهوامش:

(*) داعية سعودي - المشرف على موقع التاريخ

الرابط المختصر :