; فصل الدين عن الدنيا | مجلة المجتمع

العنوان فصل الدين عن الدنيا

الكاتب المستشار سالم البهنساوي

تاريخ النشر الثلاثاء 14-يناير-1997

مشاهدات 94

نشر في العدد 1234

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 14-يناير-1997

المجتمع المحلي

* العلماء من أهل الكتاب يعلنون أن الإسلام هو أصلح الشرائع والقوانين.. فلماذا يتخوف البعض من تطبيق الشريعة على النصارى؟

لقد فشل الاستعمار البريطاني والفرنسي في فصم عرى الوحدة الوطنية بتقسيم العرب إلى مسلمين ومسيحيين، ثم تحذيرهم من العودة إلى تطبيق أحكام الشريعة التي ألغى الاستعمار سيادتها على الوطن، متذرعين بأن العودة إلى الشريعة يؤدي إلى تمزيق الوحدة الوطنية؛ لأن النصارى سيطالبون بتطبيق شريعتهم، وبالسماح لهم بحزب ديني. 

وحفاظًا على الوحدة الوطنية التي يحرص الاستعمار عليها- كما يزعم- فلا بد من فصل الدين عن الدنيا، والأخذ بالنظام العلماني اللا ديني. 

ولقد سقط بعض العرب المسلمين في هذه الفتنة، ونصبوا أنفسهم نوابًا عن المستعمر وخلفاء له، فعارضوا تطبيق أحكام الشريعة والسماح بأي حزب يتضمن برنامجه تطبيق الشريعة، وزعموا أن ذلك هو صمام الأمن، ولا يتحقق الأمن القومي إلا به، وهذا ما ردده المحامي شوقي خالد في صحيفة «روزاليوسف» يوم ١١/٩/١٩٩٥م، وما يردده غيره في الكويت التي لا مجال فيها للقول بتهديد الوحدة الوطنية.

لقد أوضح الدكتور عصمت سيف الدولة في كتابه عن العروبة والإسلام، أن فصل الدين عن الدولة أو الدنيا ليس له وجود إلا في المجتمع المسيحي، حيث يوجد الصراع بين الكنيسة والعلم، وبين الكنيسة والدولة، ومن ثم كان نزع فتيل الصراع بقاعدة من داخل الدين المسيحي، وهي قول السيد المسيح: «أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله». 

وانتهى المفكر القومي إلى أنه لا يمكن أن يكون لهذه القاعدة وجود إلا في المجتمع المسيحي، أما في البلاد العربية والإسلامية فالقول بالعلمانية أو فصل الدين عن الدولة ليس إلا كلامًا فارغًا «ص 235».

وأما تباكي بعض من يحملون أسماء إسلامية على النصارى العرب، فهذه ليست إلا دموع التماسيح؛ لأنه لا توجد في الديانة المسيحية شرائع دنيوية، حتى يقال إن تطبيق شرائع الإسلام عليهم مخالفة لشيء في دينهم، إن الديانة المسيحية تستند إلى عقيدة لم يختلف عليها النصارى، وهي أن المسيحي ليس له قوانين ومملكة في هذا العالم. 

ففي جريدة «الشعب» المصرية يوم 11/ 3/ 1415هـ، الموافق أول أغسطس ١٩٩٤م كتب القس إبراهيم عبد السيد: «إن المسيحي ليس له إلا سلطان روحي، لأن المسيحي ليس له مملكة في هذا العالم الفاني، ولكن سلطانه الروحي على النفوس التي عليها أن تسعى لحياة أبدية ليست لها حدود مما لم تره عين، ولم تسمع به أذن، ولم يخطر على قلب بشر، وما زاد على ذلك فهو من الشرير، إذ هو تقارب نفعي زائل، يخرج عن اختصاصات الكنيسة».

ويقول أيضًا: «عبارة حاسمة للسيد المسيح حدد بها العلاقة بين الكنيسة ونظم الحكم المختلفة على مر العصور، هذه العبارة هي قول المسيح: «أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله»، هذه العبارة بنصها وردت ثلاث مرات في الكتاب المقدس، في «إنجيل متى ۱۷: ۲۲»، وإنجيل «مرقص ۱۲: ۱۷»، وإنجيل «لوقا 20:25».

كما يقول القس إبراهيم عبد السيد هذه العبارة تقطع الطريق أمام كل محاولة لإقامة مملكة زمنية للسيد المسيح على الأرض، ولتأسيس التنظيمات لها علاقة بحكم البشر، لقد استقر في نفوس المسيحيين أن مسيحهم الوديع المتواضع ليست له مملكة في هذا العالم الفاني، إنجيل «يوحنا ۱۸: ۳۳، ۳۷».

إن عقيدة النصارى تكذب مزاعم العلمانيين العرب فيما يتعلق بتطبيق أحكام الشريعة على النصارى، والمقصود الأحكام الجنائية والمدنية، لأن الأحوال الشخصية يطبق عليها ديانة الزوجين. 

إن العلماء من أهل الكتاب يصرحون بأن الإسلام دين شامل لأمور الدنيا كلها، وأنه أصلح الشرائع والقوانين، ففي العدد الثاني من مجلة «الدعوة» الصادرة في القاهرة في شعبان ١٣٩٦ هـ «أغسطس ١٩٧٦م»، نقلت ما نشرته صحف القاهرة للكاتب المسيحي الأستاذ سامي داود؛ حيث قال ردًا على وزير العدل المستشار أحمد سميح طلعت: «إن تصريح وزير العدل بأن إقامة الحدود الشرعية ستكون قاصرة على المسلمين، أما المسيحيون فسيطبق عليهم القانون الوضعي، يفصم الوحدة القانونية التي ظلت تحفظ وحدة المسلمين والمسيحيين على مر العصور، وبأي ضمير يحكم القاضي على المسلم إذا سرق بقطع يده، بينما يحكم على المسيحي إذا سرق بالحبس بضعة أشهر؟»، ثم قال: «إن ما يتضمنه القانون المدني من مواد تستند إلى الشريعة الإسلامية، ومنها ما يتعلق بالمواريث، وهو أهم وأخطر على علاقات الأسر يطبق على الجميع، فهل شكا أحد من ذلك؟». 

وفي العدد التاسع من ذات المجلة الصادرة في غرة ربيع الأول سنة ١٣٩٧هـ «فبراير ۱۹۷۷م» نشرت تحقيقًا تضمن رأي العلماء المسيحيين في مصر عن تطبيق الشريعة الإسلامية، فنقلت قول الكاردينال اصطفانوس بطريرك الأقباط الكاثوليك: «إن تطبيق حدود الشريعة الإسلامية ضروري على الشخص وعلى المجتمع؛ حتى تستقيم الأمور، وينصلح حال الناس، وليس في تطبيقها أبدًا ما يمس حقوق المسيحيين أو يضايقهم، والذي يحترم الشريعة الإسلامية يحترم جميع الأديان»، ونقلت المجلة عن الأنبا «غريغوريوس» ممثل الأقباط الأرثوذكس قوله: «إن تطبيق الشريعة الإسلامية في مصر أمر لا شكّ فيه، ولا اعتراض عليه». وقال: «على الرغم من أن الديانة المسيحية ليس في نصوصها قطع يد السارق، إلا أن المسيحيين لا يعارضون تطبيق حدود الشريعة الإسلامية». 

إنه على الرغم من ثبوت أضرار ما حرمه الله- تعالى- على الناس، ومن أن الديانات كلها تحرم الفواحش، إلا أن حكام الدول الغربية يصرون على إكراه المسلمين بالتخلي عن دينهم، وقبول القوانين التي تبيح الفواحش، أو تحميها بعدم العقاب عليها أو بعقاب تافه لبعضها. 

ولئن كان هؤلاء صرحاء في رفض تطبيق أحكام الشريعة على المسلمين، إلا أن من يقبل أن ينفذ هذا المطلب في بلاده من حكام المسلمين يدعي أنه يفعل ذلك لمنع الفتنة الطائفية، أو لحماية الشعب من سيطرة الأصوليين.

الرابط المختصر :