العنوان فريضة الصيام مدرسة تربوية روحية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 08-أغسطس-1978
مشاهدات 73
نشر في العدد 407
نشر في الصفحة 10
الثلاثاء 08-أغسطس-1978
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة:183)
مرحبًا بشهر الله.. مرحبًا بشهر القرآن.. شهر الصيام والقرآن - شهر النور والقرب والوقوف على أبواب الله..
وفي هذا الشهر، ليس هم الصائم ترك الطعام والشراب وما إليهما فحسب، فمن لم يدع ضيق النفس وغفلة القلب، وعبث الهوى، وقول الزور، فليس لله حاجة أن يترك طعامه وشرابه، إن شهر الصيام مدرسة تربية للإنسان المسلم، فهو يربي على خلق الصبر والمثابرة، والتضحية بالشهوة، ومراقبة الله في السر والعلن، فضلًا عن إحساس المسلم الصائم بآلام الآخرين.
والصوم فريضة مكتوبة على المسلمين بأيام معدودات لمن يقدر عليه منهم، وحكمته تربوية تهذيبية وهو عبارة توجيهية تهدى إلى الخير وتدفع إلى البر، وقد وردت فريضة الصوم في سورة البقرة بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ ۚ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة:183-184).
وقد فرض الله صيام شهر رمضان على المسلمين في السنة الثانية من الهجرة، وعلى الراجح في شهر شعبان من تلك السنة، قبل غزوة بدر، وقد رُوي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين قدم إلى المدينة، جعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، وروي عن معاذ بن جبل -رضي الله عنه- أن الصيام تدرج في فريضته وانتقل في تشريعه من حال إلى حال، وأن صيام ثلاثة أيام من كل شهر كان هو الصيام، وقد نسخ فرض الصيام في رمضان صيام تلك الأيام، وكان طورًا جديدًا في تشريع الصيام، والأمر الراجح أنه لم يكن قبل فرض رمضان صيام مفروض على المسلمين وأن الأيام الثلاثة التي صامها الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعد الهجرة، وأمر المسلمين بصيامها، كان تطوعًالا فريضة.
والصيام عبارة لله، ومجاهدة للنفس وانتصار عليها، وقد تحدث القرآن عنه حديثًا يقوم على الترغيب والتحبيب، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ (البقرة:183) وما جاءت عبادة في القرآن الكريم نص في فرضيتها على أنها كتبت علينا كما كتبت على الذين من قبلنا مثل الصيام والنص على أن الصيام كتب علينا كما كتب على الذين من قبلنا، فيه تأكيد لفرضية الصيام، والترغيب فيها، وفيه أيضا إشعار بوحدة الدين في أصوله ومقصده، فدين الله واحد، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران:19).
وتتجلى حكمة الصوم بقوله تعالى في آيات الصوم ﴿لعلكم تتقون﴾، والتقوى هنا كلمة تجمع كل خصال البر والإحسان والمعروف، وهي مفتاح كل خير وسبيل إلى كل نصر، وتنصل هذه الحكمة بالمعنى التعبدي للصيام، فهو عبادة مستمرة، فالصائم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس في عبادة يذكر الله سبحانه، ويستشعر عظمته وحكمته، وذكر الله هو لب العبادة، وأساس الطاعة ولذلك لم يكن الامتناع عن الطعام والشراب والشهوات فحسب هو الصيام المبرور، ولذلك نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الرفث والفسوق في القول. واعتبر ذلك في يوم الصوم أشد من سائر الأيام، لأنه يفسد العبادة. وقد قال الرسول -عليه الصلاة والسلام-:
«إذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث، ولا يجهل، وإن جهل عليه أحد فليقل إني امرؤ صائم»
ومن فوائد الصيام التربوية والاجتماعية: إشاعة الود والحب بين المسلمين، وقد شجع الإسلام على التواد والحب بين الصائمين، حيث عرض الجزاء الأوفى والحظ الوفير لمن يفطر صائمًا، ومن دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم لسعد بن معاذ، يستشعر الإنسان فحوى الحب والتواد بين المسلمين بسبب الصيام، فقد أفطر رسول الله صلى الله عليه وسلم عند سعد، فقال: أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة.. ما أعظم هذا التواد والحب في الله..
وللصوم فوائد جمة تعود على الجسم والعقل والقلب. وتعود على الفرد والمجتمع المسلم بأروع آثار التربية والسلوك التهذيبي، فهو تربية للنفس على ملكة الصبر، ولهذا أثر لا يجحد، فإن المسلم الذي يمكث الساعات ممتنعًا عن تناول شهواته صابرًا على طاعة ربه، مع طبيعة شدة الميل عنده إلى كل غريزة وشهوة لا شك أنه سوف يفيد طباع المصابرة والمكابدة، التي تلزمه في سائر شؤون حياته، فالمصابرة شهرًا كاملًا كفيلة بجعل الصبر لدى المسلم طبعًا راسخًا، وخلقًا أصيلًا في شخصيته، ولا نبعد عن الحقيقة إذ قلنا إن ملكة الصبر هي رأس الملكات الأخلاقية، فلا يقوى على صدمات الحياة إلا صابر ولا يثبت أمام عواصف الدنيا ومغرياتها وفتنها إلا صابر، ولا يغالب شهوات الإنسان ونوازعه إلا صابر ولا يصل إلى الحقائق العلمية إلا صابر ولا يستطيع كشف أسرار الوجود بالبحث والتفكير إلا صابر، ولا يجود بماله ونفسه إلا صابر، ولا يعبد الله حق عبادته إلا صابر، وقد أخرج الترمذي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "الصوم نصف الصبر، والصبر نصف الإيمان ".
وإذا كان الصوم مدرسة تربوية كاملة، فذلك لأنه دخل إلى مسارب النفس البشرية، وأوجد فيها الطمأنينة وهو يربي النفس أيضًا على الإخلاص في أداء الأعمال، بحيث لا يبتغي المسلم من عمله إلا وجه الله، لأن الصوم سر بين العبد وربه، فإذا ما أدى المسلم صومه خالصًا مستويًا في سره وعلانيته، وكبح جماح نفسه، فقد صان الأمانة، وصار من الله في مكانة الرضى.
وقد ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قوله: إن الصوم أمانة، فليحفظ أحدكم أمانته وبهذا يكون الصوم انتصارًا تامًا على عوامل الهوى والنفس ووسواس الشيطان وفتن الحياة. ولا شك أن آثار الصوم الفردية تنعكس على المجتمع المسلم كاملًا، حيث يصير المجتمع بالصوم قائمًا على أفراد صحت أجسامهم، وسلمت عقولهم، وصار الصبر دیدنهم، وأصبحت قوة العزيمة وثبات النفس من سيماهم، وما أحوج الأمة إلى الصبر والمصابرة وقوة العزيمة في هذه الأيام.
على أن فريضة الصيام تعلن المساواة بين أفراد الأمة جميعًا، فالصوم يفرض على المسلمين جميعًا -أغنياء وفقراء، كبارًا وصغارًا- الامتناع عن الطعام والشراب في وقت واحد، ويسمح لهم بالإفطار في وقت واحد أيضًا، وهذه مساواة واضحة بين أفراد المجتمع المسلم أينما كانوا وهي مساواة تشعرهم بوحدة الارتباط ووحدة الهدف والأفكار والمشاعر، كما أنها تقارب بين ملايين المسلمين المنبثين في أرجاء الأرض.
لقد أنعم الله علينا بفريضة الصوم، وهذه نعمة تستحق الشكر الجزيل، ويكون الشكر بحسن القيام بهذه الفريضة، والتمسك بمستلزماتها لتكون مقبولة عند الله، وتكون ركيزة ثابتة في قوة العقيدة وقوةالأخلاق ورسوخها في وجدان المسلم