العنوان فريضة الزكاة ودورها في تحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية
الكاتب د. حسين شحاتة
تاريخ النشر الثلاثاء 26-أغسطس-1986
مشاهدات 48
نشر في العدد 780
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 26-أغسطس-1986
من أهم سمات المجتمع الإسلامي أنه مجتمع متكافل ومتضامن ومتعاون يحس كل فرد فيه بأحاسيس الآخرين، ويرعى مصالحهم بقدر استطاعته وأساس ذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الحجرات: 10)، وقوله جل شأنه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: 71)، والتصور الإسلامي للمجتمع أنه كالبنيان يشد بعضه بعضًا مصداقًا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا، فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة» (متفق عليه).
ولفريضة الزكاة دور هام وأساسي في تحقيق التكافل والتضامن الاجتماعي لأفراد المجتمع الإسلامي بل إنها عموده الفقري لأنها تربط الغني بالفقير والمدير بالعامل والراعي بالرعية، كما أنها التأمين الحقيقي ضد ما يتعرض إليه الفرد المسلم من كوارث وحوادث ومصائب، فللغارمين نصيب في حصيلة الزكاة كما أنها تساهم بدور هام في تقريب الفوارق بين الناس وحل مشكلة البطالة التي تسبب أمراضًا اجتماعية خطيرة، ولذلك فالزكاة أساس التنمية الاجتماعية وأساس بناء المجتمع المتكافل والمتضامن والمتعاون، وهذه الأمور جميعها تتجلى من خلال دراسة وتحليل أثر توزيع حصيلة الزكاة على مصارفها الثمانية إذ يتبين الدور الذي تساهم به الزكاة في علاج أمراض المجتمع التي تعاني منها البشرية اليوم مثل: الفقر والجهل والمرض والبطالة.
وسوف نحاول في هذه المقالة المتواضعة أن نبرز دور الزكاة في تحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية وبناء المجتمع الإسلامي القوي العزيز مقرنين الفكر بالتطبيق، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
أولًا: في فريضة الزكاة ضمان اجتماعي للفقراء والمساكين وغيرهم
من وسائل تحقيق الضمان الاجتماعي في الإسلام فريضة الزكاة، حيث كفل الإسلام للفقير والمسكين حقوقًا في أموال الأغنياء وليس منة أو تفضلًا... ولقد أشار إلى ذلك الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (الذاريات: 19)، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (المعارج: 24،25).
وحث الإسلام على التصدق على الفقراء والمساكين والمحرومين وحذر ممن يبخل بماله عن ذلك فقال تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ (المدثر: 42- 44).
ولقد جعل الله إهمال العناية بالفقير والمسكين من مظاهر الكفر والتكذيب بيوم الحساب في الآخرة فيقول سبحانه وتعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ (الماعون:1- 3).
وكان أولو أمر المسلمين في الصدر الأول من الإسلام يخصصون معونة دورية منتظمة للفقراء والمساكين من حصيلة الزكاة الحولية تضمن لهم حياة كريمة آمنة، بالإضافة إلى نصيبهم من الزكوات غير الحولية مثل زكاة الزروع والثمار، يقول عمر بن الخطاب في هذا الخصوص: «إذا أعطيتم فأغنوا» كما يعتبر رعاية ابن السبيل نموذجًا من نماذج الضمان الاجتماعي، حيث يخصص له سهم في حصيلة الزكاة ليؤمنه عما قد يتعرض له في الطريق من نقص في الزاد أو المال وفيما يلي نماذج عن دور الزكاة في الضمان الاجتماعي في الصدر الأول من الإسلام.
- عمر بن الخطاب والضمان الاجتماعي
إن من يدرس حياة الصحابة والخلفاء الراشدين يجدها حافلة بنماذج توضح دور الزكاة في تحقيق الضمان الاجتماعي للناس، فيروى أنه بينما عمر بن الخطاب قائل تحت الشجرة، وإذا بأعرابية جاءته وقالت له: «إني مسكينة ولي بنون وإن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كان قد بعث بمحمد بن سلمة ساعيًا فلم يعطنا، فلعلك تشفع لنا إليه» فصاح عمر بخادمه وقال له: ائت بمحمد بن سلمة، وجاء محمد بن سلمة وقال له عمر: «كيف أنت قائل إذا سألك الله عز وجل عن هذه الإعرابية، فدمعت عينا محمد بن سلمة، ودعا عمر للمرأة بجمل فأعطاها دقيقًا وزيتًا، وقال خذي هذا حتى تلحقينا بخيبر فإنا نزيدها، فأتته بخيبر فدعا لها بجملين آخرين وقال: خذي هذا فإن فيه بلاغًا حتى يأتيكم محمد بن سلمة ليعطيك حقك للعام وعام أول».
- الضمان الاجتماعي في عهد عمر بن عبد العزيز
كتب الإمام الزهرى لعمر بن عبد العزيز عن واضع السنة في الزكاة إن فيها نصيبًا لـ:
- الذمي والمقعدين.
- كل مسكين به عاهة لا يستطيع عيلة ولا تقلبًا في الأرض.
- كل المساكين الذين يسألون ويستطعمون.
- لمن في السجون وأهل الإسلام ممن ليس لهم أحد.
- لمن أصابه فقر وعليه دين ولم يكن شيء منه في معصية الله ولا يتهم في دينه.
- لكل مسافر ليس له مأوى ولا أهل يأوي إليهم فيؤدي ويطعم وتعلف دابته حتى يجد منزلًا ويقضي حاجته.
- وفي الزكاة ضمان اجتماعي لغير المسلمين
اهتم ولاة أمور المسلمين برعاية غير المسلمين من الفقراء والمساكين والتراث الإسلامي حافل بالنماذج التي تؤكد ذلك، فعلى سبيل المثال مر عمر بن الخطاب بشيخ من أهل الذمة يسأل على أبواب الناس، فقال ما أنصفناك إن كنا أخذنا منك الجزية في شبيبتك ثم ضيعناك في كبرك ثم أجرى له من بيت المال ما يصلحه... كما كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطأة والي البصرة من قبله بوصية: «وانظر من قبلك من أهل الذمة من كبرت سنه، وضعفت قوته، وولت عنه المكاسب، فأجر عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه».
- وفي الزكاة حظ لإعانة الراغبين في الزواج
يمكن للفقير أن يأخذ من حصيلة الزكاة ليتزوج إذا لم تكن له زوجة لأن في ذلك تنمية اجتماعية.
ولقد طبق هذا الرأي عمر بن عبد العزيز في الصدر الأول من الإسلام فقد أمر أن ينادى في الناس كل يوم: أين المساكين؟ أين الغارمون؟ أین الناكحون؟
ثانيًا: وفي الزكاة تأمين اجتماعي ضد الكوارث والمصائب
يتعرض الإنسان في حياته لكثير من الحوادث والكوارث والمصائب وهذه تسبب له خوفًا وفزعًا، ولقد كفل الإسلام لهؤلاء التأمين الحقيقي إذ خصص لهم سهمًا في حصيلة الزكاة باعتبارهم من الغارمين يقول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: 60).
فعن مجاهد قال: ثلاثة من الغارمين: رجل ذهب السيل بماله، ورجل أصابه حريق فذهب بماله، ورجل له عيال وليس له مال يدان وينفق على عياله» (نقلًا عن د. يوسف القرضاوي فقه الزكاة ص623).
كما اهتم الإسلام بإصلاح ذات البين وجعل لمن يغرمون في هذا الشأن حظًا من حصيلة الزكاة، فعن قبيصة بن مخارق الهلالي قال: تحملت حمالة «الحمالة ما يتحمله الإنسان في إصلاح ذات البين» فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله فيها فقال: أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها - ثم قال: يا قَبيصةُ، إنَّ المَسألةَ لا تَحِلُّ إلَّا لأحَدِ ثلاثةٍ: رجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالةً فحَلَّتْ له المَسألةُ، فسألَ حتى يُصيبَها، أو يُمسِكَ، ورجُلٍ أصابَتْه جائحةٌ فاجتاحَتْ مالَه، فحَلَّتْ له المَسألةُ، فسألَ حتى يُصيبَ قِوامًا مِن عَيشٍ، أو قال: سِدادًا مِن عَيشٍ، ورجُلٍ أصابَتْه فاقةٌ حتى يقولَ ثلاثةٌ مِن ذَوي الحِجا مِن قَومِه: لقد أصابَتْ فُلانًا الفاقةُ، فقد حَلَّتْ له المَسألةُ، فسألَ حتى يُصيبَ قِوامًا أو سِدادًا مِن عَيشٍ، ثمَّ يُمسِكَ، وما سِواهنَّ مِن المَسألةِ يا قَبيصةُ سُحتٌ، يأكُلُها صاحِبُها سُحتًا. (رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داوود).
ثالثًا: وفي الزكاة تقريب للفوارق بين الأغنياء والفقراء
من بين مقاصد الإسلام رفع مستوى الفقراء والمساكين وتحويلهم إلى طاقة إنتاجية في المجتمع فلا يقتصر الأمر على إعطائهم إعانة وقتية بل يمكن أن نشتري لهم وسائل الإنتاج مثل الآلات الحرفية والحيوانات، كما أن فريقًا من الفقهاء يرى أن يعطوهم ما يكفيهم ومن يعولهم طول العمر إذا كان هناك فائض في حصيلة الزكاة.
ولقد أشار القرآن إلى هذا الدور فقال الله سبحانه وتعالى: ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾ (الحشر: 7).
ويجوز لولي الأمر المسلم أن يباين في توزيع الصدقات بين الفقراء والمساكين لتحقيق التقارب بينهم، ولقد طبق رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المنهج في توزيع أموال بني النضير إذ حفى بها المهاجرين وحدهم للتقريب بينهم وبين الأنصار.