العنوان فريد عبد الخالق لـ«المجتمع»: المسلمون مصابون بالكلام الكثير
الكاتب د. محمود خليل
تاريخ النشر الثلاثاء 24-أغسطس-1999
مشاهدات 64
نشر في العدد 1364
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 24-أغسطس-1999
ستظل الدعوة إلى طرح الرؤى والنظرات المناسبة لتحقيق الصالح العام الذي يبتغيه الإسلام، والذي يقوم على تقييم الموقف في كل لحظة، وتقديم الرؤى المناسبة للتعامل والتفاعل مع الواقع المحلي والعالمي الشديد التغير والتطور، وستظل المحاولة جادة لفك الخيوط المتداخلة والمعقدة من جراء النظرات الأحادية للأنظمة، والتي تزداد «عصابية» كلما ازداد وقع الخطى الجائرة للعولمة، ومن ثم لا بد من مدجسور التفاهم وتبادل لغة الحوار الحضاري بين الحركات الإسلامية العاملة لدينها ووطنها، وبين الأنظمة التي يجب أن تلجا إلى شعوبها؛ لتكون لها ظهرًا وظهيرًا.
والأستاذ محمد فريد عبد الخالق واحد من الرعيل الأول للعمل الإسلامي المعاصر، وأحد تلاميذ الإمام حسن البنا..
على مائدة الرؤية الآنية والمستقبلية لفك الرموز المعقدة، وتجاوز العراقيل الحقيقية والمتوهمة من أجل عمل إسلامي رشيد وواقع محلي آمن، كان للمجتمع معه هذا الحوار:
• النظرات السطحية والجزئية والمتعجلة جريمة في حق العمل الإسلامي خاصة في هذه الفترة، ولا يصلح إلا النظرات الهادئة المتكاملة المستوعبة.
• لا بد من قيام فريق من الحكماء برأب الصدع بين الأنظمة والحركات الإسلاميةومد الجسور والمعابر للالتقاء على كلمة سواء.
- ظروف العمل الإسلامي الآن أصبحت صعبة إلى حد كبير، ولا سيماالعولمة القادمة على منطقتنا بقوة تتجاوز في زحفها، القطريات والأنظمة بل والشعوب، فكيف تنظرون إلى عمل الحركات الإسلامية في ظل هذه الأطوار المتعددة؟.
- أمورنا اليوم تحولت إلى حالة لم تعد تجدي معها الحماسة والعاطفة فقط، ولا النظرات الجزئية أو السطحية، فمثل هذه التوجهات الآن تعتبر جريمة في حق العمل الإسلامي، والمهتمون بالحالة الإسلامية من المفكرين والنخب يرون أن المعالجة التي لا بديل عنها في هذا الوقت لا بد أن تتسم بإعمال العقل بطريقة متكاملة، يدخل في اعتبارها كل التغيرات الداخلية والخارجية؛ لأن عالم اليوم بحكم التطور المذهل في الميديا والاتصالات قد أصبح قرية كونية واحدة، وسواء شئنا أم أبينا، فإن هناك دخولًا في عالم جديد، ولكل زمان أحوالهالتي يجب أن تراعى للوصول إلى نتائج عملية نافعة.
نحن المسلمين خاصة في عملنا الحركي الإسلامي مدعوون أن نتعامل محليًّا وعالميًّا مع «الشاكلة» وليس «الشكل»، يقول الله – تعالى -: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ (سورة الإسراء: 84)، والشاكلة لا تتغير، بمعنى ألا يجب أن نعول على ما ليس محلًا للتعويل عليه، فنحن لا نصفق ولا نزمر، وأيضًا لا نيأس ولا نتشائم، إنما نحترم الحقائق التي نقيس الناس من خلالها إلى العمل، وعلى رأسهذه الحقائق أن العالم كله قد تغير من حولنا تغيرًا كبيرًا، مما يتوجب علينا معه أن نبتكر وسائل جديدة لدعوتنا، وأن نحسن قراءة الواقع المتشابك الذي يحيط بنا؛ لكي يتمكن العمل الإسلامي من مواصلة عطائه من أي طرف مهما ضاق أو تعتم.
- يرى البعض أن العمل الإسلامي الذي بدأ مع أواسط العشرينيات من هذاالقرن قد بدأ في ظروف محلية ودولية معينة، تغيرت هذه الظروف الآن بنسبة ١٨٠ درجة تقريبًا، ومن ثم فإن أدبيات العمل الإسلامي في مرحلة العشرينيات لا يمكن أن تكون هي نفسها أدوات الخطاب وأدبيات العمل في الألفية الثالثة، ما رأيكم من واقع التجربة والممارسة؟
- هذا سؤال مطروح على مستويات عدة، من العمل والحركة والفكر، وأرجو يكون ما يصدر مني عونًا على طريق العمل لله - عز وجل -، وهناك في كل قضية لا بد أن نفرق بين «الثابت» و«المتغير»، وهذه ضرورة عملية وفكرية في كل عملية حضارية، فالثوابت هي المبادئ العليا التي أقام الله عليها شرعه ودينه، وعليها أقام حياة البشر، حتى تستقيم الحياة مثل العدلوالحرية والمساواة والشورى، وهذه لا حق لأحد أن يغير فيها؛ لأنها «دين»، مهما تغيرت العصور قبل العولمة أو بعدها!!.
أما المتغيرات، فهي التي يجب أن نقيم لها «حسابًا مفتوحًا» في العمل الإسلامي؛ لأن كل الآليات والاجتهادات وحركة الواقع، .........، ...........، تقبل التغير، وذلك لسببين رئيسين، هما:
أولًا: أنها ليست دينًا.
ثانيًا: لأنها حركة في واقع لا يعرف الثبات، وعندما تختلط الأمور، تختلط الثوابت بالمتغيرات، وهذا تلبيس يجب أن نفرق فيه بين دما ينبغي، و«ما نضطر إليه» لكنها في البداية والنهاية ليست دينًا إلا بقدر ما تحقق «المصلحة» المعتبرة شرعًا.
والآليات التي كنا نتعامل بها فيما مضى كلها، تدخل ضمن هذه المتغيرات، يحكمنا فيها القاعدة الشرعية «درء المفاسد مقدم على جلب الحركة المنافع»، والأنظمة التي كانت سائدة في الحركة الإسلامية لتربية أفرادها، وتحقيق أهدافها، والتعامل مع صراعات المنطقة من حولها، قد تكون بعض هذه «الآليات» الآن، قد تجاوزها الوضع القائم الآن، فلا يصح الإبقاء عليها من حيث إنها صارت تراثًا؛ لأن التراث لا يتعبد به ونحن أولًا وأخيرًا.. أناس نتعبد إلى الله – تعالى - من خلال العمل لنصرة شرعه وإقامة دينه في أنفسنا وفي الناس.
ومن هنا، فإن علينا أن نجتهد ونتفاني، في النظر في الآليات التي من خلالها نصل إلى الأهداف المرجوة من العمل الإسلامي، التي هي المصلحة المعتبرة شرعًا، في ظل هذا الواقع المتغير.
وبحمد الله – تعالى - أنا أرى أن الإسلام في ظل هذه الظروف العالمية المعقدة، سوف يقدم الكثير، وسيقبل عليه من خلق الله أصحاب العقول ذلك؛ لأن الإسلام بطبيعته دين عالمي إنساني عقلاني، وأرى أيضًا أن الإسلام دين حضاري عالمي تتطلع إليه الدنيا.
- هذا كلام صحيح، لكنه فكر عام، فكيف يمكن تنزيله على الحركة الإسلامية العالمية المعاصرة، وأيضًا على العمل الإسلام القطري؟
- أولًا: بالنسبة لوسائل وأساليب التربية داخل العمل الحركي الإسلامي، يحق أن تكونغايتها العليا مرضاة الله وتزكية الأفراد؛ لأن التزكية هي ثمرة التربية.
وثانيًا: العوائق الموجودة أمام العمل الإسلامي، تختلف من ظرف إلى ظرف ومن قطر إلى قطر، فمثلًا قد تسحب الجنسية من مواطنة تركية؛ نظرًا لارتدائها الحجاب، وقد يكون القتل طريقًا واحدًا للتعامل مع الإسلاميين في قطر آخر، وقد يكون في قطر آخر، التوجه علماني، لكن لا مانع من التعامل مع الحركة الإسلامية في ظل توازنات معينة رائدنا هنا «المصلحة»، كما قلت بحيث لا يطغى العمل السياسي علىالتزكية المطلوبة من تربية الأفراد؛ لأننا في النهاية نتغيا تقديم نماذج صالحة على مستوى الفرد والجماعة.
ثالثًا: مع سعة العقل والإخلاص العميق، ومرونة الحركة، وابتكار آليات للتعامل والتفاعل، سيكون هناك فرج - إن شاء الله عز وجل -؛ لذلك فإن التربية والتزكية قضية لا مراء فيها، أما آليات التعامل ففيها جديد كل يوم.
- وكيف يمكن تضييق الفجوة بين الأنظمة والحركات الإسلامية، ولا سيما الحركات الإسلامية تمد يدها دائمًا للتعامل والتواصل من أجل بناء الداخل؟
- النظرة المحيطة والمدركة لتضاريس العقبات أمام العمل الإسلامي يجب أن نفرق فيها بين العقبات «الحقيقية»، وغير الحقيقية الموجودة في الساحة على اختلاف الأماكن والأصعدة، والصراع بين الحكومات والشعوب، لن يفيد إلا العدو المتربص بهما معًا، ولا بد من حل هذه الأزمة الداخلية. أولًا: لأن العدو الخارجي يغذي هذا الخلاف دائمًا، وكثيرًا ما يغري الأنظمة بمحاولة البطش، تحت وهم «الأمن»، الذي أصبح في زماننا كقميص عثمان.
وأي عقبة، يمكنني التعامل معها بتجاوزها أو احتوائها، تعتبر عقبة غير حقيقية، وإذا كان العمل الإسلامي المعاصر قد نبت في ظل الاستعمار الغربي للعالم الإسلامي كله بعد سقوط الخلافة، ونهش جسدها، إلى الحد الذي جعل هولندا التي لا تكاد ترى على الخارطة تحتل «إندونيسيا» بكل مساحتها وسكانها، هذا الاستعمار قد انتهي عهده، ونحن الآن أمام استعمار آخر أشد مكرًا وأفتك خطرًا، نحن أمام استعمار حضاري فكري اجتماعي ثقافي اقتصادي.. فني.. سياسي.. والنموذج الغربي نموذج الجينز والهامبورجر، ويكاد يفرض نفسه وفلسفته في ظل قدرة الغرب على تسويق أفکاره، المادية والفلسفية، وانظر إلى روسيا على سبيل المثال تجد النظام الذي لا يكاد يتحصل على رواتب الموظفين والجيش، معظم شعبه يأكل «الكنتاكي»، ويشرب «الكولا»، ولكن الغرب ليس أقل أنينًا من الشرق الشيوعي، فالغرب الآن يرصد المليارات لتغيير ثقافته؛ لأنهم يقولون بصريح العبارة: إن ثقافتهم ثقافة عنف وإرهاب وجنس وضياع، بمعنى أنها ثقافة بلا أخلاق.
بمعنى أن الغرب قد تجاوز مرحلة الانبهار بحضارته إلى «رؤية عيوبه».
وعندما تتأزم العلاقة بين الحكام والشعوب تكون الشعوب هي الأكثر قدرة على رؤية هذه العيوب دون انبهار، وخصوصًا أن حكام العالم الثالث غير مستعدين لسد هذه الثغرة بينهم وبين شعوبهم، والحركات الإسلامية داخلها، ونظرًا لهذه العراقيل الحقيقية، فإنني أدعو الحركات الإسلامية إلى محاولة تأمين الأمن السياسي لهذه الأنظمة عسى أن نصل إلى شيء من هدوء النفس، واستئناف مرحلة من العمل المنتج سيجني ثمرتها الحكام والمحكومون معًا.
- لكن تبقى الدعوة إلى سد هذه الثغرة على رأس العمل الوطني والخصوصية الحضارية في ظل العولمة التي لا بد معها من مد كل الجسور الوطنية في الداخل؟
- هذه قضية لا نقاش فيها.
- وما المانع في ظل هذه الظروف المعقدة، أن يقوم فريق من النخب أوالمفكرين أو رواد الإصلاح للقيام بأداء واجب إصلاح ذات البين وأداء هذه الفريضة الحضارية؟
- هذا الموضوع مطروح كأحد الحلول أو الوسائل للتخلص من حدة الخلاف - على الأقل- ولكن هذا العمل لو قام به مفكر بعيد عن التيار العامل، قد يكون قليل الجدوى، وأنا هنا أقصد الطرفين معًا، ومن ثم فلا بد أن يتوافر لدىالمعنيين بالعمل الإسلامي أو القائمين على النظامالعام للدولة، لا بد أن يتوافر لدى هؤلاء وهؤلاءالاستعداد للتعقل والتقاط الأنفاس، ولم الشمل الوطني، وهناك فريق كبير من المؤهلين لأداء هذا الدور للصالح العام، وأنا الآن تحضرني أسماء مهمة وكبيرة مستعدة لأداء هذه الرسالة الطيبة، ولكن هذه الخطوة لم يتم قبولها في صورة صيغة تنفيذية تلعب دورها على المسرح؛ لإنفاذ صلاحيات الرؤية وإبداع طرائق للتفهم والحركة في ظل ضغوط العصر في الداخل والخارج، ومد جسور ومعابر للالتقاء على كلمة سواء، وهذا الفريق الإصلاحي مدعو للتواجد الآن، وبشدة لتقديم صيغ جديدة مقبولة سليمة ونيرة تدور مع مصلحة البلد والإسلام، وأكرر إن هذا الدور ممكن وواجب، وإن معطياته متوافرة؛ لأن الحكومات ستجني منه تقليل المعاناة، والتفكك، وستجد لها ظهرًا شعبيًّا قويًّا والشعوب على المستوى نفسه ستجني الثمار نفسها.
وعلينا من الآن أن نتحرك في المسافات البينية لالتئام الجزيئات، وتكوين الكيان الصلب المتماسك القوي.
- أعتقد أن هذا العمل نفسه يتوجب على مستويات عدة على الساحة الإسلامية.. من حيث إزالة أسباب الخلاف أو على الأقل «تخفيف حدتها» مذهبيًّا وسياسيًّا؟
- نعم... هذا حق... ومن الخطأ أن نظل لأكثر من أربعين سنة نتكلم مثلًا عن سوق عربية مشتركة، ولا نستطيع القيام بها أو تتكلم عن عمل إسلامي متكامل، وكل آليات العمل الإسلامي تكاد تكون هياكل صورية، في الوقت الذي تتوحد فيه أوروبا حتى في العملة اليورو، هم يتعملقون ونحن نتقزم هم يتقدمون ونحن نتخلف، لكن الدرس المرير الذييجب أن نكون قد تعلمناه بعد تجربة الحربين الخليجيتين، هو أننا نستدرج إلى ما يضر وحدثنا وفقد مقدراتنا، وضرب بعضنا لحساب غيرنا، لكني أرى في الأفق أملًا طيبًا خاصة فيما يتعلق بالشيعة والسنة، وعلينا بالتسديد والمقاربة، وبعد ذلك ستكون البشري، كما أخبرنا النبي –صلى ا عليه وسلم - سددوا وقاربوا وأبشروا،ونحن نستطيع تقديم «عولمة» تخدم البشر لا تستخدمهم.