العنوان فريدريش هو لديرلين».. شاعر ألماني أقر بفضل المسلمين
الكاتب شيرين حامد فهمي
تاريخ النشر السبت 31-أكتوبر-2009
مشاهدات 58
نشر في العدد 1875
نشر في الصفحة 36
السبت 31-أكتوبر-2009
والحقيقة إن «هولديرلين مثله مثل «جوته» Goethe، و«شيللير» Schiller وغيرهم الكثير - الذين يتم تصنيفهم ضمن الغربيين الذين اعترفوا بالإسلام وقبلوه كما هو دون تحريف أو استئصال أو هجوم أو إنكار.
وقد يرجع ذلك، كما يبدو لي إلى سعيهم نحو الاقتراب من الإسلام من منطلق «التعارف» لا من منطلق «الصراع» أو «النفي»، وهو الأمر الذي جعلهم يتلمسون الإسلام على حقيقته، من وحي تراثه وأصوله وتطبيقاته التاريخية، لا من وحي ما يُقال أو يُشاع عنه كما يحدث اليوم.
وقد يرجع ذلك أيضًا – في ظنّي – إلى شغفهم بمعرفة الحقيقة، ومن ثم بحثهم في جميع المصادر والمراجع؛ وهو ما سنلاحظه عبر حياة «هولديرلين» الفكرية التي انتقلت من الإنجيل إلى الحضارة الإغريقية إلى الإسلام؛ وكيف انتقل إعجابه من المدينة الإغريقية إلى «المدينة المحمدية».
ولعل ما كتبه هؤلاء الشعراء الألمان المسيحيون عن الإسلام يُعَدُّ دليلًا دامغًا اليوم - أمام محافل «حوارات الأديان» و«حوار الحضارات - على إمكانية الحوار بين الثقافات المختلفة دون تسييس أو تأزيم أو استعلاء.
وبلغة أخرى إن ما نشهده اليوم من «حوارات ليست إلا انعكاسًا لاختلال ميزان القوة لصالح الغرب؛ حيث ينتهج الطرف الغربي المنتصر سياسة الحوار ليس من أجل التعارف وإنما من أجل الهجوم على الطرف المسلم المستضعف المقتنع - بكل أسف بتدنيه.
وإليكم هذا المقال المترجم والمحرر مجملًا من الألمانية إلى العربية، والذي نشر على موقع Islamische Zeitung الشتاء الماضي (۲۰۰۹م).
يقول المقال:
«في جميع الأزمان، كان الشعراء يمثلون روح المجتمعات التي تتوهج وتستيقظ على كلماتهم؛ تلك الكلمات التي تذكر الناس بالخالق والخلق؛ فتعيد إلى أذهانهم قصة نشأتهم الإلهية وهنا يتحدث كل شاعر عن مرحلة معينة من تاريخ البشرية».
وقد وصف الفيلسوف الألماني «فريدريش نيتشه Friedrich Nietzsche الشعراء الكبار بأنهم أولئك الذين يخبرون شعوبهم بمصائرهم، ويحذرون مجتمعاتهم من سنن التاريخ التي لا تحابي أحدًا.. فمن خلال تجاربهم المريرة وخبراتهم القاسية في الحياة، كان الشعراء الكبار يعترفون بالأنبياء والرسل في جميع الأزمان..
ويثار هنا سؤال: متى نستطيع وصف الشاعر بكونه كلاسيكيًا؟
إن السمة الأساسية في الشاعر الكلاسيكي تتمثل في استمرار عمله، وبقائه عبر الأزمنة والأمكنة؛ فهو لا يؤثر فقط في زمانه ومكانه، وإنما يؤثر في كل زمان ومكان.. بمعنى آخر، فالشاعر الكلاسيكي تُترجم أعماله بلغات متعددة، وتخترق جميع بقاع الأرض؛ بل وتتماشى دائما وأبدا مع لغة كل عصر وأهله.
أحد أعلام الغرب النصارى الذين اعترفوا بالإسلام وقبلوه كما هو دون تحريف أو استئصال أو هجوم أو إنكار
ومن هؤلاء الشعراء «جوته Goethe» و«هومير Homer» و«دانتي»Dante و«شكسبير Shakespeare» و«كالديرون» Calderon
فأما «جوته» فقد أسس مفهوم «الأدبيات العالمية»، وأما «هومير» فقد كان أول من بدأ بالحديث الشعري الغربي بين الإنسان والإله وأما «دانتي» فقد تميّز بثنائه الشعري على الخالق؛ على قوته التي تحرّك النجوم»، وأما «شكسبير» فقد استطاع أن يقذف جمهوره - ولم يفعل غيره مثله - في تلك العاصفة الكونية للطبيعة الإنسانية، وأما «كالديرون» فكان يُذكر دومًا قراءه ومستمعيه بالعالم غير المحسوس غير المرئي.
وينضم إلى تلك الفئة المتميّزة الشاعر الألماني «فريدريش هولديرلين» Friedrich Hoelderlin، المولود عام ۱۷۷٠م، والمتوفى عام ١٨٤٣م.. إنه «هولديرلين ابن الأب الموظف في الحكومة، وابن الأم المسيحية المتدينة التي أنفقت حياتها في رعايته واحتضانه بعد وفاة أبيه.
وعلى امتداد دراسته الإنجيلية الدينية في «توبينجين»Tuebingin، كانت العقيدة المسيحية تمثل له المثال والمثل الأعلى ولكن مع بداية القرن التاسع عشر، تبين له مدى الانقسام والتشرذم اللذين استنفدا القوة الحياتية لتلك العقيدة في أنحاء أوروبا.
ولاحظ «هولديرلين» - الطالب بالكنيسة حينذاك - ذلك المشهد الذي آلمه كثيرًا، وأحدث ذلك اضطرابًا في نفسيته، فأخذ يسعى باحثًا فيما قبل المسيحية.
وقد كان تميزه في اللغات القديمة سببًا نحو دفعه إلى التعمق في المصادر والوثائق السابقة للمسيحية، ومنها الوثائق الإغريقية التي تأثر بها كثيرًا، مما جعله يجد في الحضارة الإغريقية الصورة المثلى والمدينة الفضلى لتحقيق وتطبيق كلام الله على الأرض.
كان مثار إعجابه بالمدينة الإغريقية الكلاسيكية القديمة كامنا في صفتها «الإلهية» المتضمنة في ساكنيها، وهو ما جعله يكتب قائلًا: إن «أكثر ما كان يلفت انتباهي
قصائده تعد دليلًا دامغًا
اليوم على إمكانية الحوار بين الثقافات المختلفة دون تسييس أو تأزيم أو استعلاء
تلك البوابة القديمة التي يمر عبرها للانتقال من المدينة الجديدة إلى المدينة القديمة؛ حيث كنت تجد ألفًا من أجمل البشر يُحيي بعضهم بعضًا يوميًا».
وكان إعجابه بالمدينة الإغريقية مهيمنًا عليه على امتداد نصف حياته الأول، إلا أنه اكتشف استحالة الرجوع إلى تلك الصورة المثلى على امتداد النصف الثاني من حياته.. لقد أدرك ظاهرة نزوح الربانية عن البشر، وأيقن أنها أضحت أمرًا واقعًا وسدًا منيعًا أمام الخيرية البشرية.
وعبر رحلته البحثية وصل «هولديرلين» إلى المصادر الإسلامية، كما وصل إلى غيرها.. ولعل ما كتبه عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم خير تعبير عما عرفه عن الإسلام من مصادره الحقيقية التاجر العربي يتلو قرآنه، وهاهم تلاميذه يجتمعون من حوله، فينمو عددهم يومًا بعد يوم؛ مثل الغابة اللانهائية يزدادون وها هي الحقيقة القديمة تعود مرة أخرى في ثوب هؤلاء الشبيبة الجديدة الممتلئة بالحيوية.. لقد اختلف كل شيء من بعدها، ومن جذور الإنسانية انطلق العالم الجديد.. إنها الربانية الجديدة التي هيمنت عليهم، وفتحت أمامهم مستقبلًا جديدًا..
هكذا كان «مجتمع المدينة»؛ ذلك المجتمع الفاضل الذي أحاط بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم وأعانه على توصيل رسالته: بل إنه أفضل المجتمعات الإنسانية على الإطلاق كما يعتقد المسلمون.
وإن النظر في المصادر الكلاسيكية الإغريقية التي حفظت من الضياع. يُذكر «هولديرلين» بفضل الإسلام الذي تجلى في «المدينة المحمدية» التي تطرق إليها الشاعر الألماني خمسة قرون من امتداد الثقافة الإسلامية الأوروبية في بلاد الأندلس، كان لها الفضل في الحفاظ على المصادر الكلاسيكية الإغريقية من الاندثار والنسيان.. فمن خلال الترجمة والاستخدام استطاع المسلمون أن يحفظوا تلك المصادر.
خمسة قرون من امتداد الثقافتين كان لها الفضل في إبراز ظاهرة المدينة المحمدية المدينة المضيئة.. لقد قام الإسلام حينذاك - وليس «إسلام» اليوم الظاهر دومًا بصورة مرعبة - قام بمساعدة أوروبا على حفظ تاريخها القديم من النسيان.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل