العنوان فرنسا: وداعًا يا إفريقيا
الكاتب عمر ديوب
تاريخ النشر الثلاثاء 01-ديسمبر-1992
مشاهدات 66
نشر في العدد 1027
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 01-ديسمبر-1992
بدأت العلاقات الفرنسية الإفريقية
تدخل مرحلة حاسمة يمكن وصفها بمرحلة الانفصال بين فرنسا ومستعمراتها «القديمة» في القارة الإفريقية، ولم يكن في الأمر عنصر المفاجأة
بل بدأت إرهاصات تخلي فرنسا عن بناتها الإفريقيات منذ أن فجر الرئيس الفرنسي
فرانسوا ميتران قنبلة سياسية في مؤتمر القمة السادس عشر بين فرنسا والدول الإفريقية
الفرنكوفونية الذي عقد في كابول في يونيو 1990، وذلك عندما أعلن أن دعم بلاده
للدول النامية سيكون من الآن فصاعدًا مقرونًا بدرجة الإنجازات الديمقراطية التي
تحققها الأنظمة السياسية، ثم أضاف قائلا: «عندما أقول الديمقراطية أقصد قيام نظام
سياسي يمثل حقا كل القطاعات الشعبية وإجراء انتخابات حرة، والتعددية الحزبية وحرية
الصحافة، واستقلالية السلطة القضائية». ويومها لم يصدق الرؤساء الأفارقة الذين
كانوا على بعد بضعة أمتار من المنصة التي كان يلقي منها رئيس الدولة التي كانت
تحرص على التظاهر بمظهر الأم الرؤوم لبناتها الإفريقيات بل ارتعدت فرائصهم عندما
قال لهم تذكروا رؤية الكاتب الأمريكي ارنست همنغواي «لمن تقرع الأجراس؟» التي
يقول فيها: «يعتقد المرء أن الأجراس تقرع للآخر ولكنها تقرع دائمًا للذات».
في الواقع كانت فرنسا تبحث عن
الأعذار والفرصة المواتية لكي تفتح صفحة جديدة في علاقاتها مع مستعمراتها القديمة
والتي وصفها أحد أقطاب المعارضة في غرب إفريقيا قائلا: بالأمس البعيد ولغاية وقت
قريب كانت قارتنا بمثابة فتاة مراهقة ساحرة الجمال، فأقدمت فرنسا على اغتصابها بعد
أن كبلتها بشتى ألوان القيود السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية
والشفافية والسيكولوجية، ومع مرور السنين أصيبت تلك الفتاة بكافة أنواع الأوبئة
وتحولت إلى شمطاء غريبة الوجه واليد واللسان- على حد قول الشاعر العربي- وكانت
بداية تفكك الاتحاد السوفياتي وزوال الخطر الشيوعي في القارة السوداء بمثابة فرصة
لكي تتلكأ فرنسا وراء المتغيرات الدولية التي قلبت كل الحسابات الجيو-إستراتيجية
رأسًا على عقب، وتراجع سياساتها الإفريقية في ضوء تلك المتغيرات، ذلك أن فرنسا
ارتأت الاعتقاد بأن مستقبلها السياسي لم يعد موجودا في الجنوب، مما دفعها إلى شد
الرحال وامتطاء صهوة «مايستريخت» متوجهة إلى أوروبا الشرقية.
وهكذا قرعت أجراس
فرنسا «وداعا يا إفريقيا»، بعد أن ادعت أنها لا يمكنها أن تخطو خطوة إلى
الشمال نحو أوروبا وخطوة أخرى إلى الجنوب صوب إفريقيا من دون أن تفقد في نهاية
المطاف توازنها وتخسر نفسها ولا تكسب أحد الطرفين الأوروبي والإفريقي.
وإذ حرصت فرنسا على توازنها فإنها
تتناسى أنها السبب في فقدان مستعمراتها القديمة وفقد توازنها إلى الأبد، ذلك أن
فرنسا مثل غيرها من الدول المستعمرة قد نهبت الثروات الطبيعية في إفريقيا التي
كانت طوال العقود الأولى من الحقبة الاستعمارية الفرنسية بمثابة البقرة الحلوب بكل
أصناف المواد من النفط والغاز الطبيعي والفوسفات والحديد والذهب والفواكه
والخضراوات ثم أقدمت على إرغام أبناء القارة البكر بخوض غمار حروبها في الهند
الصينية ولاسيما في فيتنام وكمبوديا والحربين العالميتين.
وخلال المؤتمر السابع عشر لقمة
رئاسات الدول الإفريقية وفرنسا والذي عقد في شهر أكتوبر الماضي في العاصمة الغابونية
ليبرفيل وتخلف عنه الرئيس الفرنسي لأسباب صحية، ساد شبح مايستريخت على أعمال
المؤتمر كما ظهرت بوادر النعي على العلاقات التاريخية بين فرنسا ودول القارة الإفريقية.
وقد حاول رئيس وزراء فرنسا بيار بيريغوفوا
إبداء تعاطف بلده مع دول القارة قائلا: «إن فرنسا لن تعطيكم الدروس، وإن البنك
الدولي وصندوق النقد الدولي ينتهجان سياسة استعمارية جديدة». ثم أضاف: «إن الدول
الغنية التي من المفترض أن تساعد الدول الفقيرة تأخذ أكثر مما تقدم من رساميل إلى
القارة الإفريقية. وهذه معادلة حقاً ظالمة يجب معالجتها بالسرعة الممكنة». وذكر
أيضاً في نهاية خطابه أن الديمقراطية مرتبطة بدورها بمشكلة التنمية، فلا معنى
للديمقراطية في ظل سيادة الجوع- كما قال الرئيس العاجي فليكس هوفويته بوانيه.
وإذا زعمت فرنسا أن الدعم الذي
تقدمه للدول الإفريقية مقرون بدرجة إنجازات هذه الدول في مجال الديمقراطية فإنه
يمكن الفهم من ذلك أن نشاطات فرنسا داخل القارة السوداء ستكون محصورة على البلدان
الغنية فيها نسبيا، ويؤكد ذلك الوعد الذي قطعه السيد بيريغوفوا على نفسه أثناء
المؤتمر الأخير، حيث ذكر أن الحكومة الفرنسية ستفتح حسابا قدره أربعة مليارات فرنك
فرنسي لتمويل مشاريع تنموية في أربع دول فرانكوفونية غنية وهي ساحل العاج
والكاميرون والكونغو والغابون.
والسؤال الذي يطرح نفسه هو: أين
هذه الدول الأربع من الديمقراطية التي تطالب بها فرنسا؟!
ويبقى القول إن إفريقيا الفرانكوفونية
أصبحت يتيمة بعد أن تخلت فرنسا عنها. بيد أن كثيراً من هذه الدول لا تبدي أي مرارة
بشأن هذا النفور، بل كان يحدوها الأمل في الحصول على استقلالها مرة ثانية والتخلص وتخلص
من القيود الاستعمارية التي تحول دون تقدمها.