; فرنسا والجزائر.. رواسب التاريخ وتحديات الحاضر وتطلعات المستقبل | مجلة المجتمع

العنوان فرنسا والجزائر.. رواسب التاريخ وتحديات الحاضر وتطلعات المستقبل

الكاتب يزيد بوعنان

تاريخ النشر السبت 09-فبراير-2008

مشاهدات 58

نشر في العدد 1788

نشر في الصفحة 16

السبت 09-فبراير-2008

قانون 23 فبراير أعاد العلاقات الجزائرية الفرنسية إلى نقطة الصفر.. بعد أن كان الطرفان يستعدان لتوقيع «اتفاقية الصداقة».

منذ استقلال الجزائر عام ١٩٦٢م، والعلاقات بين فرنسا والجزائر توصف دومًا بـ«غير الطبيعية»، فتارة تمر بحالة انسداد، وتارة أخرى بمرحلة انفتاح، وذلك بسبب الرواسب التاريخية التي تحكمت -ومازالت تتحكم- في الخيوط المتشابكة لهذه العلاقات، والتي لخصها الرئيس الجزائري الراحل «هواري بومدين» عندما سُئل عنها بقوله: «بيننا وبين فرنسا أنهار من الدماء وجبال من الجماجم»!

ومثل هذه النظرة هي التي شكلت نظرية الطلاق الأبدي مع عدو الأمس التي تبناها الكثير من الساسة الذين كانوا يعملون تحت قيادة الرئيس بومدين، ومن بينهم الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة الذي كان آنذاك وزيرًا للشؤون الخارجية.. إلا أنه ونظرًا للتغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم والتحديات التي يفرضها الوضع الراهن فإن «بوتفليقة» عاد ليتبنى نظرية أخرى ترتكز على المصالحة التاريخية مع الذين قتلوا قرابة مليوني جزائري خلال سبع سنوات فقط!

«أبوة» استعمارية!

وذلك ما بدا جليًّا وواضحًا من خلال الزيارة التي قام بها الرئيس الفرنسي «نيكولا ساركوزي» إلى الجزائر في مطلع يناير الماضي، والاستقبال الرسمي الحار والشعبي الفاتر الذي حظى به.. وكان يمكن للعلاقات الثنائية وعلى ضوء تلك الزيارة أن تخرج من حالة الانسداد والتوتر التي كانت تميزها خلال أكثر من ثلث قرن، ولكن يبدو أن الطرف الفرنسي لم يتخل عن نظرية «الأبوة الاستعمارية» التي تسكن ساسته، والتي جعلتهم يحشرون أنوفهم في ملفات لا تعنيهم لا من قريب ولا من بعيد بقدر ما تعني الجزائريين وحدهم، مثل ملفات: الجيش، وحقوق الإنسان، والمفقودين.

وكانت البراجماتية واضحة في تصريحات ساركوزي، الذي بدا وكأنه مفاوض باسم الشركات الاقتصادية والصناعية الفرنسية التي تحاول أن تأخذ حصة الأسد من الاستثمارات في الجزائر، ورغم وصف زيارة الرئيس «نيكولا ساركوزي» للجزائر بـ«التاريخية»، فإنها قد تعثرت في حقيقة الأمر ولم تحقق أهدافها المنتظرة، لأنها لم تكن بداية موفقة أو إيذانًا معلنًا الإزالة العقد النفسية والتاريخية بين البلدين، من أجل إظهار الرغبة الحقيقية في بناء علاقات استراتيجية بينهما.

تيار «فرانكفوني» تغريبي

وبهذا المنطق الاستعماري تعاملت فرنسا مع الجزائر، حيث ظلت محافظة على نفوذها الاقتصادي والثقافي والصناعي، ولذلك ظلت العلاقات الثنائية يشوبها التوتر وعدم التفاهم، لاسيما أثناء مرحلة الستينيات والسبعينيات، إلى أن جاء الرئيس الأسبق «الشاذلي بن جديد» إلى سدة الحكم في الجزائر، فاختلت موازين القوى لصالح ما يسمى بالتيار الفرانكفوني التغريبي التابع روحيًّا إلى فرنسا.

حيث عمل رموز هذا التيار على إعادة ربط العلاقات مع فرنسا، وقام الرئيس «بن جديد» بزيارة إلى باريس لأول مرة في تاريخ الجزائر المستقلة، حيث إن العرف الجزائري «غير المكتوب» -الذي كان سائدًا في عهد الرئيسين «بن بيلا» و«بومدين»- كان ينص على ألا يقوم الرئيس الجزائري بأية زيارة إلى فرنسا، باعتبارها العدو التقليدي الأول للجزائر والجزائريين، إلا أن التألق في العلاقات الثنائية بين البلدين سرعان ما خفتت أضواؤه بعد إقالة «بن جديد».

مرحلة جديدة

وبعد تولي الرئيس الراحل «محمد بوضياف» رئاسة المجلس الأعلى للدولة كانت الجزائر قد دخلت مرحلة الفوضى والفتن الكبرى، واستمر الوضع في التعقيد طيلة الفترة التي تولى فيها كل من «علي كافي» و«الأمين زروال» الحكم، حيث كانت باريس في ذلك الوقت تقف موقف المتفرج مما يجري في الجزائر، من عمليات التذبيح والتنكيل والتقتيل الممارسة ضد الشعب الجزائري بمختلف مواقعه وفئاته.

وظلت فرنسا تراقب بانزعاج كبير التقارب الذي بدأ بين الجزائر والولايات المتحدة الأمريكية، وتعتبره مجرد تسلل أمريكي إلى ملعبها القديم، حيث ساهمت وسائل الإعلام الفرنسية عبر حملاتها الإعلامية المكثفة والمسمومة فيما جرى في الجزائر من تسميم الأجواء، وزيادة توتر العلاقات بين البلدين حتى وصلت إلى رفض الرئيس الأسبق «الأمين زروال» مقابلة الرئيس الفرنسي آنذاك إثر تصريح اعتبرته الجزائر تدخلًا فاضحًا في مسائلها الداخلية، وذلك بعدما كان اللقاء مبرمجًا بين الرئيسين على هامش إحدى الدورات العادية للجمعية العامة للأمم المتحدة.

إلا أنه وبعد أن جاء الرئيس الحالي «عبد العزيز بوتفليقة» إلى سدة الحكم، دخلت الجزائر مرحلة جديدة، تحاول من خلالها محو كل التراكمات والرواسب التاريخية، وطي صفحات الماضي الحالك بين البلدين، وفتح صفحات أخرى من أجل التأسيس لإقامة علاقات متينة قائمة على المصالحة الحقيقية والبراجماتية النفعية للطرفين، حيث حاول الرئيس «بوتفليقة» الانفتاح على صناع القرار في الغرب لمساعدة بلاده في المجالات الاقتصادية والسياسية والأمنية.

مقايضة وإعادة حسابات

ويرى مراقبون أن زيارة «شيراك» إلى الجزائر عام ٢٠٠٣م ، وزيارة «ساركوزي» خلال يناير الماضي يمكن وصفها بـ «إبداء حسن نية» من الطرف الفرنسي للتعامل الإيجابي مع الإشارات المطمئنة التي أرسلها الرئيس «بوتفليقة»، خصوصًا أنه جرت إعادة الاعتبار للثقافة الفرنسية وجر الجزائر إلى حظيرة الدول الفرانكفونية وبعض الهيئات الثقافية والاقتصادية التي تعتبر فرنسا صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة داخلها.

ورغم ذلك، فقد وجهت انتقادات لاذعة من أطراف جزائرية معارضة ومعروفة بحساسيتها المفرطة لمثل هذا التوجه الأيديولوجي وبغيرتها على ثوابت الأمة ودفاعها المستميت على ضرورة الحفاظ على الخصوصية الثقافية الجزائرية بعيدًا عن أية مقايضة من قبيل تلك التي تقوم بها فرنسا مع الجزائريين على أساس مقايضة الهوية الثقافية بالاقتصاد والمال والاستثمار.

وقد لجأ بوتفليقة قبل ذلك إلى خطة ذكية لتدشين التقارب الجزائري الفرنسي، حيث ألمح في بداية عهده الرئاسي إلى أن الجزائر قد تخرج من تحت العباءة الفرنسية، وذلك بتكثيف الزيارات المتبادلة بين المسؤولين الأمريكيين والجزائريين وإجراء مناورات عسكرية بين القوات الجزائرية والأمريكية، الأمر الذي أقلق الفرنسيين وجعل فرنسا تعيد حساباتها في علاقاتها مع الجزائر حفاظًا وصيانة لمصالحها الاستراتيجية والسياسية والثقافية والاقتصادية.

قانون مشؤوم

وبالرغم من ذلك فإن الطرف الفرنسي مازال وفيًّا لماضيه ولتاريخه الاستعماري الموغل في الاستهزاء بمشاعر الشعوب المستعمرة! وذلك من خلال مصادقة البرلمان الفرنسي على قانون ٢٣ فبراير الممجد للاستعمار وممارساته، واعتباره عملًا حضاريًّا قام به المستعمر الفرنسي لتحرير شعوب شمال إفريقيا من ربقة التخلف والجهل والفقر!!

فهذا القانون أعاد العلاقات الجزائرية الفرنسية إلى نقطة الصفر بعد أن كان الطرفان يستعدان لتوقيع اتفاقية الصداقة قبل نحو عامين من الآن.. والغريب في الأمر أن الفرنسيين لم يحترموا مشاعر الجزائريين ولم يقدروا رئيسهم بوتفليقة، واختاروا الوقت الذي كان فيه الرئيس الجزائري في غرفة العمليات بإحدى مستشفياتهم ليصادقوا على هذا القانون المشؤوم الذي يصف أعمالهم الوحشية بـ «الحضاري»!

حيث ينص هذا القانون في مادته الرابعة على ما يلي: «يجب أن تولي مراكز البحث الجامعي حول تاريخ الحضور الفرنسي فيما وراء البحر، وخاصة في شمال إفريقيا الأهمية والمكانة التي يستحقها، ويجب على المدارس الفرنسية وبرامجها أن تمجد الاستعمار وحضوره الإيجابي فيما وراء البحر، لاسيما في إفريقيا الشمالية...».

ويبقى القول: إنه إذا كان من السهل طي صفحات الماضي، فإن من الصعب جدًّا تمزيق هذه الصفحات من الذاكرة الجماعية، خاصة عندما يبقى الطرف الفرنسي وفيًّا لتاريخه الاستعماري الأسود ولا يعترف بالجرائم المرتكبة في حق الجزائريين!.

 

الرابط المختصر :