العنوان فرنسا تسقط في اختبار الحريات وتحظر الحجاب
الكاتب خدمة قدس برس
تاريخ النشر السبت 27-ديسمبر-2003
مشاهدات 53
نشر في العدد 1582
نشر في الصفحة 18
السبت 27-ديسمبر-2003
■ قلق في أوروبا ومخلوف في الولايات المتحدة من عواقب الحظر.
■ منظمة «أصدقاء الإنسان» الدولية: منع الحجاب سيؤدي إلى حرمان الألاف من الفتيات والنساء من حقوقهن في التعليم والعمل وعزل المسلمين وإشعارهم بالتمييز والعنصرية.
■ يعد تناقضا وانتهاكا للكثير من العهود والاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها الجمهورية الفرنسية، بل وساهمت في إعدادها وصياغتها.
■ اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا: مسئوليتنا اليوم تغليب منطق الحوار والتعايش السلمي المشترك على منطق الصراع بين الأديان والحضارات.
■ كير: نخشى انتقال حمَّى العداء للحجاب إلى الولايات المتحدة في ظل تصاعد خطاب الكراهية وممارسات التمييز ضد الإسلام والمسلمين.
واشنطن – باريس – لندن: خدمة قدس برس
فعلها الرئيس الفرنسي جاك شيراك وصب الزيت على نار الحملة المتأججة في فرنسا ضد الحجاب الإسلامي. فقد حسم شيراك خياره يوم الأربعاء ١٧ ديسمبر ٢٠٠٣ بالإعلان في خطاب له عن الانحياز إلى معسكر انتهاك حق الحرية الدينية والاعتقاد وحرية اللباس، الذي تعتبره العلمانية من مبادئها وتتفاخر فرنسا بأنه أيضًا من مبادئ دستورها.
وقد وضعت فرنسا بهذا الموقف نفسها في حالة تناقض مع الكثير من العهود والمواثيق الدولية التي شاركت في صياغتها وتنص على حرية الاعتقاد واللباس وتؤكد على حقوق الإنسان. لكن الرئيس الفرنسي تجاهل كل ذلك وأبدى في خطابه انحيازًا لحظر الحجاب. ويبقى بعد ذلك أن تقوم المؤسسات الفرنسية المختصة بسن القوانين المنفذة لذلك. ويبدو أن الرئيس شيراك استلهم موقفه من النظام التونسي الرائد في الحرب على الحجاب.
ردود الفعل على هذا الاتجاه كانت قوية. فماذا حدث؟ وهل المسألة تتوقف بالنسبة للمسلمين في أوروبا والغرب عند الحجاب أم أن مسلسل انتهاك الحريات والتذويب سيتواصل؟
تتفاعل قضية الحجاب في فرنسا لتلقي بظلالها على مشاعر المسلمين في أوروبا والولايات المتحدة. وتأتي هذه المخاوف بينما تسود مشاعر القلق أوساط المسلمين في أوروبا، إثر توجه عدد من الدول الأوروبية إلى تشديد التعامل مع قضية الزي الإسلامي للمرأة، واتجاه السلطات الفرنسية إلى حظره في المدارس والمؤسسات العامة.
وقد أعلنت منظمة أصدقاء الإنسان الدولية، المدافعة عن حقوق الإنسان والتي تتخذ من فيينا مقرًا لها، أن «الرئاسة والحكومة الفرنسيتين مطالبتان باحترام حقوق التلاميذ في الإعراب عن أديانهم وعقائدهم في التعليم والممارسة». جاء ذلك في بيان صادر عن المنظمة. وقالت أصدقاء الإنسان الدولية، في بيان لها، إنه من المؤسف ما تتعرض له المئات من التلميذات المسلمات من مضايقات وإهانات وتمييز من قبل بعض المسؤولين التعليميين في المدارس الفرنسية بسبب ارتدائهن أغطية الرأس.
كما لاحظت المنظمة باستياء ما أدلى به بعض أعلى المسؤولين في الدولة الفرنسية من تصريحات تنطوي على جانب كبير من الجهل بحقيقة غطاء الرأس وأسبابه تارة، وعلى أحكام مسبقة بشأن هذه القضية تارة أخرى. ومنها ما قاله رئيس الوزراء الفرنسي جان بيير رافاران في ٢٨ نوفمبر ٢٠٠٣: «إن إصرار حكومته على منع الطالبات المسلمات من ارتداء الحجاب في المدارس العامة يهدف لحماية الفتيات من ضغوط المتشددين عليهن». ورأت أصدقاء الإنسان في هذا تناقضًا كبيرًا مع الأسباب الحقيقية لارتداء الملايين من النساء المسلمات للملابس الطويلة ولأغطية الرأس في عدد كبير من دول العالم، وهذه الأسباب تتمثل بالدرجة الأولى في إيمانهن بالقرآن الذي ينص على ذلك، حسب تأكيدها.
وأضاف البيان: «نتساءل من ضغط على الطالبتين الشقيقتين ليلى وإلما لورون ليفي اللتين حرمتا من حق مواصلة تعليمهن وطردتا تعسفًا من معهد هنري والون في باريس في ٢٤ سبتمبر ٢٠٠٣، المنحدرتين من أب ذي أصل يهودي يؤيد خيار ابنتيه في لباسهن؟ وكذلك من يضغط على الكثير من النساء الأوروبيات أو الأمريكيات أو غيرهن من غير ذوات الأصول غير الإسلامية اللاتي يتحولن إلى الدين الإسلامي ويتكيفن بلباسهن مع دينه الجديد؟»
ومضت المنظمة إلى القول: «لقد توقع أصدقاء الإنسان حكمًا غير مسبق من الرئيس الفرنسي الذي أعلن في ٥ ديسمبر ٢٠٠٣ أن حجاب الرأس به شيء عدواني، حيث فشل في توضيح ماهية العدوانية في لبس قطعة من القماش على الرأس». كما ذكرت في بيانها الذي سبق خطاب شيراك الأخير بشأن الحجاب.
وحذرت أصدقاء الإنسان من أن إقدام السلطات الفرنسية على سن قانون يمنع الطالبات والنساء المسلمات من تحقيق خياراتهن بلبس الحجاب من شأنه أن يؤدي إلى حرمان الآلاف من الفتيات والنساء من حقوقهن في التعليم والعمل وعزل المسلمين وعدم اندماجهم في المجتمع الفرنسي، وكبت الحريات الدينية الخاصة بالنساء المسلمات وشعور المسلمين بممارسة التمييز والعنصرية بحقهم، وبالنظر كذلك إلى تغييبهم عن الوظائف العليا للدولة الفرنسية، ومعاناتهم من التحيز ضدهم في العمل، ونقص دور العبادة وأماكن الدفن وغيرها.
كما أكدت المنظمة أن سن قانون يؤدي إلى حرمان النساء المسلمات من تنفيذ خياراتهن الدينية المتعلقة بغطاء الرأس يعد تناقضًا وانتهاكًا للكثير من العهود والاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها فرنسا، وهو ما سيجعلها محاربة للأديان وفق تقديرها.
ودعا اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا كل أبناء المجتمعات الأوروبية إلى العمل على دعم أواصر العيش المشترك، وضمان حقوق جميع الطوائف الدينية في ممارسة دينها في إطار من الاحترام للتنوع والاختلاف، معيدًا إلى الأذهان أن رعاية حقوق جميع فئات المجتمع في إطار العدل والمساواة هو وحده الكفيل بحماية وحدته واستقراره.
وأضاف الاتحاد أن جميع الطوائف الدينية والهيئات الحقوقية في أوروبا مدعوة للتصدي لهذا التوجه الذي يريد المساس بالتدين الشخصي كحق ديني وإنساني مكفول لكل إنسان. كما قال.
ودعا اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا المسلمين في القارة في إطار القانون والأعراف العامة إلى التعبير عن استنكارهم لهذا التوجه بكل الوسائل المتاحة والعمل على توضيح حقيقة الحجاب على اعتبار أنه أمر إلهي مباشر تشعر كل مسلمة متدينة بالاعتزاز به وبأنها لا يحق لها مخالفته تحت أي ظرف، وأن الإصرار على إجبارها على خلعه سوف يفضي إلى حالة من الشعور بالاضطهاد الديني الذي لا نريده أن ينشأ في مجتمعاتنا الأوروبية.
كما حث الاتحاد الرئيس الفرنسي جاك شيراك والحكومة الفرنسية على تقدير الموقف الراهن والنظر إلى ما يمكن أن ينشأ من نتائج سلبية من جراء قانون يمنع الحجاب، وحذر من أن الأخذ بهذا الاختيار لحظر الحجاب سيكون بمثابة مثال واضح عن الفشل في التعاطي مع التعددية التي تقوم عليها مجتمعاتنا الأوروبية الحديثة.
وأكد البيان أن مسؤوليتنا اليوم جميعًا، دولًا ومواطنين، هي تغليب منطق الحوار والتعايش السلمي المشترك على منطق الصراع بين الأديان والحضارات في الولايات المتحدة الأمريكية. ففي تطور جديد أعلن مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية (كير) معارضته لدعوة الرئيس الفرنسي جاك شيراك لسن قانون يحظر ارتداء الحجاب ورموز دينية مسيحية ويهودية أخرى في المدارس العامة.
وقال المجلس إن الحظر المقترح سوف يحد من قدرة أبناء الأديان المختلفة في فرنسا على ممارسة معتقداتهم الدينية بحرية، وإن مثل هذه الخطوة تعد انتهاكًا للدستور الفرنسي ومواثيق حقوق الإنسان الأوروبية. ورأى مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية في تعليق له أن دعوة الرئيس الفرنسي، على الرغم من أنها موجهة بشكل علني ضد رموز دينية مختلفة، إلا أنها تستهدف وبشكل واضح الوجود الإسلامي في فرنسا.
وقال نهاد عوض، المدير العام للمجلس، إنه: «لا يمكن لبلد ما أن يحافظ على قواعد الحرية والمساواة بينما يحرم مواطنيه من حقوقهم الدينية». وأضاف: «الحظر المقترح على ارتداء الرموز الإسلامية والمسيحية واليهودية لن يؤدي إلى الدفاع عن علمانية فرنسا». ومضى عوض إلى القول: «أتمنى أن ينضم إلينا القادة المسيحيون واليهود من شتى أنحاء العالم في المطالبة بمعارضة القانون المقترح»، مشيرًا إلى معارضة قيادات دينية مسلمة ومسيحية ويهودية بفرنسا لحظر ارتداء الرموز الإسلامية بالمدارس العامة الفرنسية.
ويقول مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية إن مسلمي الولايات المتحدة يخشون من أن تنتقل حمَّى العداء للحجاب إلى الولايات المتحدة في ظل تصاعد خطاب الكراهية وممارسات التمييز ضد الإسلام والمسلمين في أمريكا، خصوصًا من قبل الجماعات اليمينية المتشددة منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١.
كان الرئيس الفرنسي جاك شيراك قد كلف في الأول من يوليو الماضي الوزير الأسبق برنار ستاسي برئاسة لجنة تكون مهمتها مراقبة تطبيق مبادئ العلمانية ومراجعة قانون الفصل بين الكنيسة والدولة المعمول بها في فرنسا، وقد قدمت توصياتها في هذا الموضوع في الحادي عشر من ديسمبر الجاري، بما في ذلك المطالبة بحظر الحجاب.
القرضاوي: حظر يتناقض مع الحرية الدينية
انتقد المفكر والداعية الإسلامي الشيخ يوسف القرضاوي اتجاه الحكومة الفرنسية لسن قانون يحظر على المسلمات ارتداء الحجاب في المدارس العامة. وأشار الشيخ القرضاوي في خطبة الجمعة الماضية في أحد مساجد العاصمة القطرية الدوحة إلى أن مثل هذا التوجه يتناقض والحرية الشخصية والدينية. ورفض القرضاوي رد فعل بعض العلماء المسلمين باعتبار قضية الحجاب شأنًا فرنسيًا داخليًا، في إشارة إلى تصريح لشيخ الأزهر بهذا الخصوص. وكان شيخ الجامع الأزهر محمد سيد طنطاوي قال إن فرض حظر على ارتداء الحجاب في مدارس فرنسا شأن داخلي لا يحق لأحد التدخل فيه. وقال طنطاوي: لا اعتراض لنا إذا أصدرت فرنسا قانونًا كهذا لأنه لا يحق لأحد أن يعترض على مصر إذا أصدرت مثلًا قانونًا يمنع أية طالبة من دخول المدرسة ما لم تكن ترتدي الحجاب»، وأضاف: من حق كل دولة أن تصدر من القوانين ما يناسبها.
طلبات لبنانيات يتظاهرون أمام السفارة الفرنسية
نظمت عشرات الطالبات المسلمات اللبنانيات يوم السبت الماضي تظاهرة احتجاجية أمام السفارة الفرنسية في بيروت استجابة لدعوة اتحاد الطلاب المسلمين اللبنانيين احتجاجًا على قرار الرئيس الفرنسي جاك شيراك بمنع ارتداء الحجاب في المدارس والثانويات العامة. ووزعت المتظاهرات اللواتي كان معظمهن من المحجبات رسالة مفتوحة إلى شيراك أعربن فيها عن صدمتهن وتساؤلهن عن كيفية التوفيق بين القيم الفرنسية للعدل والحرية ومنع النساء من حقهن في تقرير ما يرتدينه. وأكدت الرسالة أنه بعكس القلنسوة اليهودية والصليب المسيحي فإن الحجاب فرض ورد في القرآن الكريم مثل: الصلاة والصوم، وطلبت الفتيات من شيراك إعادة التفكير في هذا القرار الذي يعد هجومًا على الحريات الشخصية التي تحترمونها والذي يمثل تفرقة حقيقية.