; فرض الكفاية.. وممارسة المسؤولية الإجتماعية (6) | مجلة المجتمع

العنوان فرض الكفاية.. وممارسة المسؤولية الإجتماعية (6)

الكاتب د. إبراهيم البيومي غانم

تاريخ النشر الجمعة 30-نوفمبر-2012

مشاهدات 1

نشر في العدد 2028

نشر في الصفحة 66

الجمعة 30-نوفمبر-2012

فرض الكفاية.. وممارسة المسؤولية الإجتماعية (6)

د. إبراهيم البيومي غانم

كلما دققنا النظر في المسائل النظرية والعملية لفروض الكفاية التي تأكد لنا أن هذا النوع من الفروض، أو الواجبات الشرعية هو النواة الصلبة لتأسيس المجال العام، وممارسة أعمال المسؤولية الإجتماعية ومختلف المشروعات والبرامج التي تعبر عن المقصود منها.

بأيسر نظر نستطيع القول إن الفرض الكفاني، في تطبيقاته المعاصرة لا يختص فقط بما يسمى المسؤولية الإجتماعية، بمعناها الضيق الذي يتناول واجبات القطاع الخاص بشركاته ومؤسساته المالية تجاه المجتمع.. كما إنه لا يختص فقط بالمرافق العامة وقطاع الخدمات التي تضطلع الدولة بتقديمها ولا تلك الخدمات والأعمال التي تقدمها مؤسسات المجتمع المدني، وإنما هو يشمل ذلك كله، وإن بنسب متفاوتة... فالقطاع الخاص مخاطب ببعض فروض الكفاية ليقوم بمسؤولياته التنموية والإجتماعية، وكذلك السلطات الرسمية والقطاع الحكومي، إلى جانب مؤسسات المجتمع المدني.

لو عدنا إلى قسمة الواجب الشرعي إلى «عيني» و«كفائي»، ونظرنا إلى هذه القسمة بمعيار المجال العام، وقسيمه المجال الخاص؛ لوجدنا أن ميدان تطبيق فروض الكفاية هو «المجال العام»، وهو ما يعني رفد المشاركة الإجتماعية بأساس شرعي قوي، وتوسيع نطاقها لتشمل كل قادر وبشكل جماعي منظم، ولوجدنا كذلك أن ميدان فروض العين هو المجال الخاص، ودائرته الفردية أو العائلية على أقصى تقدير.

 من المهم أيضًا أن نعود لنطرح السؤال الذي يقول: كيف يمكن تطبيق فرض الكفاية، في ظل معطيات المجتمع الإسلامي المعاصرة وما أنسب الصيغ التي تتكفل بنقل هذا الفرض الكفائي، أو ذاك، من مستوى التشريع إلى حيز المشروع ومن حيز التأصيل النظري إلى حيز الممارسة العملية؟. هذه الأسئلة وغيرها تحتاج إلى بحوث مسهبة ومتعمقة من أجل التوصل إلى إجابات تتجه إلى ميدان التطبيق والتشغيل، ولا تقنع فقط بالسباحة في بحر التأصيل والتقعيد؛ فهذا البحر لا ساحل له ولا قرار ولا يكفي أبدًا أن نظل أسرى إبهار نظرياتنا الفقهية والأصولية العملاقة بل لابد من أخذها إلى أرض الواقع وإختبارها في نماذج وبرامج ومشروعات عملية.

وكم كان الإمام القرافي موفقًا عندما نبهنا إلى أن الكفاية كما تكون في الواجبات تكون في المندوبات، الأمر الذي يؤكده ما لاحظناه من التكامل المستمر بين جميع أقسام الحكم التكليفي؛ سواء كان عينيًا أو كفائيًا.. وهو ما سنحاول إختباره من خلال تحليل نموذج تجتمع فيه شبكة من العلاقات بين الفرض العيني، وهو «الصوم»، وفرض الكفاية وهو والوقف.

1.   صوم رمضان هو أحد أركان الإسلام الخمسة، وفريضة من فرائضه وحكمه الوجوب، حيث إقتضاه الشارع على وجه التحتيم والإلزام، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)﴾ (البقرة: 183)، وقال سبحانه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَات مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَان فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَر فعدة من أيام أخر﴾ (البقرة:١٨٥)، والوجوب، في صوم رمضان هو وجوب عيني، طلب الشارع أداءه في شهر رمضان من كل فرد من أفراد المكلفين، ولا يجزئ قيام مكلف به عن آخر، شأنه شأن الصلاة والزكاة والحج وسائر الواجبات العينية، وكل مكلف خال من الأعذار المانعة يسهل عليه أداء واجب الصوم.

2.   أما الوقف فحكمه أنه مندوب - عند جمهور الفقهاء - ويعده الأحناف من قبيل المباح، وبالرغم من أن التوجيه الشرعي المتعلق بالوقف قد جاء على سبيل الندب، وليس على سبيل «الوجوب» أو «الفرض» وبالرغم من إختلاف المذاهب الفقهية حول أصول الوقف وتفاصيله ما بين مضيق مرغب عنه، وموسع مرغب فيه؛ فإن هذا التوجيه قد وجد قبولًا إجتماعيًا واسع النطاق، وإنتشر العمل به في مختلف البلدان الإسلامية وعبر العصور المتلاحقة منذ الصدر الأول للإسلام، ولم تزل آثاره باقية حتى الآن، وإن كان الإقبال عليه قد إنحسر خلال معظم عقود القرن العشرين.

وإذا نظرنا إلى «الوقف» نظر الأصوليين أواجب عيني هو أم كفائي؟ سنجد أنه ليس واجبًا عينيًا ولا خلاف في ذلك، ولكن يصعب جدًا إعتباره واجبًا كفائيًا، إذ النصح به لم يتوجه إلى مجموع المكلفين؛ بحيث إذا قام به بعضهم فقد أدى الواجب وسقط الإثم والحرج (الشرعيين) عن الباقين، ومع هذا فالذي نلاحظه هو أن «الوقف» كان - ولا يزال إلى حد ما - أداة أو وسيلة للوفاء بكثير من الواجبات الكفائية؛ وذلك لإتساع ممارسته الفردية ثم الجماعية والتشعبه وإرتباطه - بمرور الزمن - بشتى مجالات الحياة الإجتماعية، ولدوره في توفير كثير من الخدمات، ودعم كثير من المرافق والمصالح العامة، وإعتمادها عليه في الحصول على قسط رئيس من التمويل اللازم لوجودها وإستمرارها، حتى إن فقيهًا كبيرًا مثل أبي يعلي الحنبلي إعتبر أن الرزق وقصد به الشيء الذي ينتفع به (يؤخذ من بيت المال، أو من الأوقاف العامة المحبسة على مصالح المسلمين وإقامة شعائر الدين).

إن كثيرًا من الواجبات الكفائية لم يكن من الممكن الوفاء بها إلا من خلال نظام الوقف، ومن هذه الزاوية صار الوقف، واجبًا كفانيًا؛ إذ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

3.   إن الصوم كواجب شرعي وفرض عيني هو عبارة عن محض عبادة يؤديها المسلم في علاقة خاصة بينه وبين الله تعالى، وإمتثالًا لأمره، وثمرته هي التقوى قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)﴾ (البقرة: 183).

أما الوقف كمندوب شرعي، أو واجب كفائي، فهو قاعدة مادية لأداء كثير من الفروض الكفائية أيضا في التطبيق العملي وفيه يجتمع معنى العبادة الدينية ومعنى المعاملة المدنية، إذ هو في جوهره عمل مشترك بين حق الله تعالى، وحق العبد، وهو في مغزاه دليل على وجود حد أدنى من التدين لدى الواقف - بشرط سلامة نيته ومشروعية عمله - وهو في حده الأقصى رمز على تقواه وصلاحه ورغبته في المشاركة بتحمل قسط من المسؤولية الإجتماعية تجاه المحيطين به، وتجاه مجتمعه بصفة عامة.

 والسؤال الآن هو ما علاقة الوقف بالصوم على مستوى الممارسة الإجتماعية؟ وكيف نشأت هذه العلاقة؟ وكيف تطورت؟ وما أهم مظاهرها؟.

الرابط المختصر :