العنوان فرص البقاء واحتمالات الاندثار ... مستقبل الأوبك وإدارة السوق العالمية للنفط
الكاتب مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية
تاريخ النشر الثلاثاء 07-سبتمبر-1999
مشاهدات 69
نشر في العدد 1366
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 07-سبتمبر-1999
- «الولايات المتحدة تستهلك يوميًا نحوه 17.5 مليون برميل من النفط ترتفع إلى ٢٠ مليون برميل يوميًا في وقت قريب»
- مجلس الطاقة العالمي: حاجة العالم من الطاقة تزيد بنسبة 75% خلال العقدين القادمين
- «طوال ٤٠ عامًا مضت لم تسع أي من الدول الصناعية المتقدمة للانضمام إلى أوبك فما السر في ذلك؟»
- «على الرغم من الارتفاع النسبي في اسعار النفط مؤخرًا، إلا انها لا تزال متدنية قياسًا بالأسعار المعتمدة خلال عام 1973م»
تحتاج أوبك إلى من يقودها بمهارة حقيقة أكدتها الظروف الدولية الاقتصادية التي أحاطت بالمنظمة منذ نشأتها وحتى الآن، وكرستها تحديات عدة واجهتها في الفترة الأخيرة من قبيل تزايد إنتاج بعض الدول الاعضاء خارج المنظمة، وإعادة هيكلة شركات النفط العالمية، وانخفاض تكاليفها الإنتاجية بسبب التقدم الهائل في التقنية المستخدمة في البحث والاستكشاف والاستخراج والنقل والتصدير والتكرير والتسويق.
وقد ترافقت هذه المتغيرات مع عوامل وأحداث جديدة مستلقي بظلالها على أوضاع المنظمة المستقبلية ومدى قدرتها على تحمل أعباء الدور المناط بها وهو تنسيق السياسات البترولية بين الدول الأعضاء والدفاع عن مصالحهم والسعي إلى الاستقرار في أسعار سوق البترول العالمي.
فقد اعتمدت الدول الغربية برامج لترشيد الطاقة وتبنت تشريعات بيئية وضرائبية عدة في محاولة منها لتعظيم سيطرتها على أسعار النفط في السوق العالمية ومن ثم تقليل قدرة الأوبك على إدارة هذا المورد الحيوي، حيث تراجع تأثير المنظمة في سوق النفط الدولية، وشعر أعضائها بالقلق والإحباط بعد أن انخفضت القيمة الاسمية والحقيقية لعائداتهم النفطية، ونتيجة لذلك ساد اعتقاد مقاده أن المنظمة ربما لا تستعيد أبدًا المكانة التي اكتسبتها في السبعينيات وبخاصة بعد فشلها في إيجاد مخرج لسلسلة الهبوط المتواصل لأسعار النفط في الأسواق العالمية خلال الشهور الأخيرة.
ولكن ومع بداية العام الجاري تزايد من جديد تأثير أوبك على الاقتصاد العالي وكرست دورها كمنظمة على استعداد للتدخل بفاعلية في أسواق النفط العالمية، حيث ارتفعت أسعار النفط بنحو ثمانية دولارات للبرميل عن أدنى مستوياتها منذ ۲۲ عامًا لتصل إلى ما يزيد على ١٨ دولارًا للبرميل الواحد.
وعلى الرغم من التفاؤل الحذر المصاحب لعودة أسعار البترول إلى الارتفاع في ربيع هذا العام، إلا أن الواقع يؤكد على حقائق عدة في غاية الأهمية:
الأولى: تتعلق بأن تلك الأسعار «المرتفعة نسبيًا»، مازالت متدنية قياسًا بالأسعار المعتمدة خلال عام ١٩٧٣م.
والثانية: أن هذا الارتفاع جاء نتيجة لعمل تنسيق فيما بين الدول الكبرى في إنتاج النفط من داخل المنظمة وخارجها.
والثالثة: ترتبط بما أسماه البعض بمدى استمرار مصداقية الدول المنتجة والتزامها بتخفيض حصص إنتاجها على إثر اتفاقات لاهاي وأمستردام وفيينا، والتي كان آخرها في شهر مارس الماضي، وأسفرت عن التصاعد التدريجي لأسعار النفط ووصلت إلى معدلها الحالي.
وفي محاولة لبحث حقيقة هذا التحسن في الأسعار ومدى ارتباطه بقدرة الأوبك على الحفاظ عليه، يمكن التأكيد بداية على أن الفائض الكبير في إنتاج خام النفط العام الماضي أدى إلى انهيار الأسعار بصورة كبيرة، حيث كان معدل زيادة العرض يفوق بكثير معدل زيادة الطلب وأرجع الخبراء ذلك الوضع إلى عوامل عدة أبرزها الأزمة الاقتصادية التي ضربت أسيا وانخفاض الاستهلاك العالمي للنفط بسبب فصل الشتاء الدافئ الذي ساد أوروبا والسطح الشمالي للكرة الأرضية، هذا بالإضافة إلى زيادة إنتاج العالم من النفط، وخاصة من خارج دول الأوبك حيث تنوعت مصادر الإنتاج في المناطق الجديدة في ألاسكا وسيبريا وبحر قزوين وإفريقيا، وكذلك نجاح جهود ترشيد الطاقة وتخفيض حجم الطلب على النفط.
ويبدو في هذا الشأن أن الأوبك لا تزال تتعرض إلى ما يشبه محاولات التحجيم، ويؤكد ذلك العوامل الآتية:
أولًا: من المثير للانتباه أنه منذ الستينيات من هذا القرن، سبتمبر ١٩٦٠م – تاريخ إنشاء المنظمة لم تنضم أي دولة جديدة لها، فبعد تكوينها من جانب الخمسة المؤسسين، إيران والعراق والسعودية والكويت وفنزويلا، لم تشهد المنظمة أي رغبة من جانب الدول المنتجة للنفط الأخرى للانضمام لها، وذلك بعد حصول كل من قطر وإندونيسيا وليبيا والإمارات والجزائر ونيجيريا والأكوادور والجابون على العضوية الكاملة في العقد السادس من هذا القرن، بل إن المنظمة لم تستطع الحفاظ على عضوية عدد من الدول المنتمية إليها، حيث انسحبت الأكوادور في عام ١٩٩٢م، وكذلك فعلت الجابون في يناير ١٩٩٥م، واقتصرت عضوية الأوبك بالتالي على 11 عضوًا فقط حتى الآن.
والسؤال لماذا لم تنضم أي دولة جديدة للأوبك على الرغم من تعدد الدول المنتجة والمصدرة للنفط وهل يرجع ذلك إلى شكوك بشأن مصداقية وقدرة المنظمة على حماية مصالح أعضائها، أم أن هناك دوافع سياسية وضغوط اقتصادية تؤدي إلى ذلك؟
ثانيًا: كان من المنتظر أن تنضم دول غربية متقدمة صناعيًّا إلى عضوية المنظمة ولا سيما أن كثيرًا منها تتوافر لديها القدرة على الإنتاج والتصدير، شأنها في ذلك شأن دول العالم الثالث في إنتاج النفط وتصديره.
ولكن طوال ٤٠ عامًا ماضية، لم تسع أي من الدول الصناعية المتقدمة في أوروبا الغربية وأمريكا إلى الانضمام للمنظمة، علمًا بأن دولًا عديدة في هذه المنطقة تفوق قدراتها الإنتاجية والتصديرية قدرات دول العالم النامي التي تشكلت منها الأوبك، والسؤال ما السر الذي يدفع دول الغرب إلى عدم التحويل على المنظمة كهيئة قادرة على وضع الأسعار الخاصة بالنفط وتحريكها صعودًا وهبوطًا، وهل لذلك صلة بشاطر دول أوروبا وأمريكا الشمالية فيما يعرف بمنظمة التنمية والتعاون الاقتصادي ووكالة الطاقة الدولية كممثلة لمجموع الدول المستهلكة الأكثر حاجة للعصب المحرك لاقتصاداتها؟
ثالثًا: نظرًا لضخامة الريع والأرباح والضرائب والاستثمارات في مجال صناعة النفط فقد تولد عن ذلك صراع بين أطراف ثلاثة لنيل. النصيب الأكبر من امتيازات هذه الصناعة، وتركز هذا الصراع بالأساس بين عدد صغير من شركات إنتاج النفط الكبرى «السبع الكبار» وعلى الرغم من تحطم هذا النمط الأوحد من السيطرة على السوق النفطية وخاصة منذ بداية السبعينيات ودخول الدول المنتجة والمصدرة حلية الصراع في شكل الأوبك إضافة إلى الدول المستهلكة والمستوردة ممثلة في دول منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي ودول الوكالة الدولية للطاقة إلا أن ذلك لم يمنع من بقاء أدوات هذه الشركات في السيطرة على السوق العالمية للنفط، حيث مازالت صيغ عقود اقتسام الإنتاج مع الدول المنتجة قائمة وتشترط تلك الشركات الحصول على نسبة لا بأس بها من عائدات الحقول البترولية، بل إنها أحيانًا ربطت عملياتها الاستكشافية والاستخراجية في الدول الراغبة بشروط تحقق لها مزيدًا من التحكم في السوق.
وعلى هذا، يمكن التأكيد على أن العديد من العوامل والأسباب تجمعت لتزيد من هشاشة الأوبك وعدم قدرتها على اتخاذ قرارات ملزمة، ولكن ذلك لا يعبر عن الحقيقة بكاملها على اعتبار أن المنظمة ارتبط وجودها ومنذ نشأتها بوجود البترول ومادامت المؤشرات العلمية والسوقية كافة تثبت أن الحاجة العالمية لهذا العصب المحرك للاقتصاد سوف تستمر وتتصاعد حتى ٢٥ سنة قادمة على الأقل، فإنه من المنتظر أن يسهم ذلك في صالح بقاء المنظمة واستمرار تواجدها، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو هل بقدرة المنظمة على المدى الطويل الاستمرار والحفاظ على استقرار متوسط سعري الخام النفط وإذا كانت الإجابة عن هذا التساؤل بالإيجاب فما العوامل الحاكمة لذلك وإذا كانت بالنفي فما هو البديل؟
الإبقاء على المنظمة ضرورة
إن الأمر يحتاج إلى النظر في أمور عدة - تكرس جميعها أهمية الإبقاء على الأوبك – قبل الركون إلى حقيقة هذا الارتفاع الحاصل في الأسعار حاليًا ومدى إمكان استمراره
1- الحاجة المتزايدة للنفط: على الرغم من محاولة الغرب البحث عن بدائل أخرى للطاقة تقتل من حاجته واعتماده شبه الأساسي على النفط إلا أن تأكيد مجلس الطاقة العالمي على أن العالم ستزداد حاجته للطاقة بنسبة ٧٥% في العقدين القادمين تدعم ما ذهب إليه البعض بأن الاستهلاك العالمي للسلع الأساسية من الطاقة وفي طليعتها البترول والغاز الطبيعي سوف يزداد بشكل كبير خلال الفترة المقبلة، فالأول يمثل 40% من حاجة العالم من الطاقة، بينما يمثل الثاني 25%، وهو ما يعني زيادة الطلب العالمي على النفط عامًا بعد عام ففي عام ١٩٩٧م، كان الطلب في حدود 73.63 مليون برميل يوميًا، واستقر عند معدل 73.8 العام الماضي في حين يتوقع أن يصل هذا العام إلى وسيصل بعد أكثر من 9 سنوات إلى أكثر من ٨٥ مليون برميل يوميًا، ومن المتوقع أن تشهد حصة أوبك من الإنتاج العالمي ارتفاعًا كبيرًا لتصل إلى 48% عام ٢٠١٠م، و٥١% عام ٢٠٢٠، وإذا علمنا أن الأوبك تنتج على الأقل 40% من النفط العالمي لتأكد لنا الدور الأساسي الذي تقوم به المنظمة في تزويد العالم بحاجاته من الطاقة.
وتشير تقديرات أخرى إلى أنه مع توقع نمو الطلب العالمي على البترول بنسب تتراوح بين 1% و3% سنويًا، فهذا يعني أن الطلب العالي قد يصل إلى مستوى ٧٧ مليون برميل يوميًا في عام ٢٠٠٠م، وإلى نحو 94 مليون برميل يوميًا في عام 2010م، وأن الأوبك وحدها هي التي ستتمكن من تلبية النمو المتوقع في الطلب العالمي للمزايا النسبية التي تتمتع بها. وذلك على اعتبار أن زيادة الطلب على بترول أوبك ستبلغ نحو ٣٢ مليون برميل يوميًا على الأقل في عام ٢٠٠٠م، حيث تملك كل من الجزائر وإندونيسيا وليبيا ونيجيريا وقطر احتياطيًا يمثل 8% من مجموع احتياطي أوبك من الزيت الخام و30.5% من إجمالي احتياطي الغاز الطبيعي بالمنظمة مما يعني أن نسبة الاحتياطي إلى الإنتاج تبلغ نحو ٢٩ سنة قادمة، بينما تملك مجموعة الدول المكونة من السعودية والعراق وإيران والكويت والإمارات وفنزويلا احتياطيًا يبلغ ٧٢٢ بليون برميل يمثل ٩٢ من حجم احتياطي الأوبك من الزيت الخام، بما يعني الاستمرار في الإنتاج بالمعدلات الحالية وهو77% من إنتاج المنظمة عام ١٩٩٨م لمدة 95 عامًا أخرى.
2- انخفاض المخزون العالمي: لقد سيطر مفهوم «السوق الواقعية» للبترول على الساحة النفطية العالمية تمييزًا له عن السوق غير الحقيقية. ويركز هذا المفهوم الأول على ركنين رئيسين هما: مقدار المخزون النفطي في السوق العالمية وشكل علاقة العرض والطلب في الفصول المختلفة، ومن المعروف أن ضعف الأسعار العام الماضي أدى إلى تكوين وبناء مخزون كبير جدًا من النفط لدي الشركات الإنتاجية الكبرى والدول المستهلكة، حيث تعمل وكالة الطاقة الدولية على زيادة المخزون الإستراتيجي من النفط لدى كل دولة عضو بحيث يعادل ٩٠ يومًا من الواردات النفطية الخاصة بكل دولة ووضع خطة طوارئ المشاركة الدول الأعضاء في الاحتياطيات النفطية المتوافرة لديها، وقد تجاوز المخزون الإستراتيجي في بعض هذه الدول ذلك الحجم بكثير، بحيث وصل في كندا مثلًا إلى ٢٤٢ يومًا وإلى 433 يومًا في بريطانيا.
ولكن التحسن في أسعار النفط في الوقت المالي سببه المباشر كما أرجعه الخبراء هو انخفاض الفائض في الأسواق حيث تؤكد أحدث التقارير أن فائض المخزون العالي سينخفض بنسبة كبيرة، وإذا تحقق ذلك بالمعدل نفسه مع التزام الأوبك بحصص تخفيض إنتاجها وسعت بفضل ذلك إلى التخلص من الفائض في الأسواق فهنا يصبح العرض بمقدار الطلب، مما يسهم في زيادة الأسعار أو على الأقل الاحتفاظ بشيء من الاستقرار فيها خاصة أن الطلب على بترول الأوبك سوف يزداد كما تبين فيما سبق.
3- الالتزام بحصص الخفض: كانت أهم المشكلات الداخلية المنظمة الأوبك، ومازالت تتجسد في عدم التزام بعض أعضائها بالقرارات الجماعية الخاصة بأسعار النفط الخام وكمياته المعروضة في الأسواق، في محاولة منها لجني بعض المكاسب والأرباح بشكل فردي، وأسهمت تلك المشكلة في زعزعة قوة المنظمة وإضعاف قراراتها مع بداية هذا العام وعلى إثر التدهور الخطير في أسعار النفط نتيجة عدم الالتزام بسقوف الإنتاج المحددة وتوزيع الحصص.
ويبدو أن عدم اتفاق الأوبك في وقت سابق على سقف إنتاج منخفض كان ناجمًا عن خلافات أعضائها بشأن الحصص المفترض الالتزام بها. حيث قدمت في فترة من الفترات سيناريوهات عدة لتكريس الجهود المبذولة للخفض المنسق للإنتاج من داخل الأوبك بالأساس منها عدم تغيير سقف الإنتاج المعمول به في المنظمة وهو 24.52 مليون برميل يوميًا حتى نهاية العام، أو خفض الإنتاج بمقدار مليون برميل يوميًا للفترة المتبقية من العام بهدف موازنة السوق أو خفض إنتاج المنظمة بشكل مباشر وذلك أملًا في امتصاص المخزون المتراكم خلال الأعوام الماضية، وهدفت هذه السيناريوهات في المقام الأخير إلى المواءمة بين العرض والطلب والعزل التدريجي لأثر المخزون على الأسعار وبالتالي استعادة الارتفاع النسبي في الأسعار وخفض الفجوة بين مستوى الأسعار والسعر المستهدف من قبل الأوبك الذي يتراوح بين 21:20 دولارًا.
4- تحسن الاقتصاد الآسيوي: ما من شك في أن عوامل الإبقاء على المنظمة لا تقتصر فقط على العوامل الداخلية الخاصة بالأوبك بل يساعدها في ذلك العديد من المتغيرات ذات الصلة بالسوق العالمية للنفط وخاصة من ناحية الطلب المتزايد على هذا المورد، وتشكل الاقتصادات الأسيوية أحد أهم العوامل التي تكون الطلب العالمي على هذا المورد، ولا سيما أن معظم حاجات دول آسيا النامية تأتي في الأساس من الدول الخليجية الأعضاء بالأوبك وذلك للقرب الجغرافي بين المنطقتين، وأن أحد أهم أسباب أزمة انهيار الأسعار في العام الماضي كانت بسبب الأزمة الاقتصادية التي ضربت دول شرق آسيا.
وعلى الرغم من استمرار آثار هذه الأزمة على اقتصادات الدول الأسيوية إلا أن هناك بوادر مشجعة حول استعادة دول شرق آسيا لقوتها وخروجها من عنق الزجاجة وتجاوزها إلى حد معقول كوارثها الاقتصادية والمالية، حيث بدأت عملات تلك الدول في التغلب على الأزمة، وأصبحت أكثر استقرارًا واستقلالًا مقارنة بالوضع في فترة ۹۷- ۹۸ ويمكن إرجاع التحسن في موقف عملات جنوب شرق آسيا إلى زيادة احتياطي العملات الأجنبية وفائض الحساب الجاري في المنطقة وزيادة معدلات التصدير بما يعنيه ذلك من استعادة تلك الدول العملية نموها، وإن كان بشكل معتدل، ومن ثم فإن تعاظم الحاجة لنفط الأوبك لإمداد عجلة الاقتصاد بما تحتاجه من موارد في هذا الشأن سينمو خلال الفترة المقبلة كما هو مُتوقع.
5- ضبط الاستهلاك في الولايات المتحدة: مع صدور بيانات وزارة الطاقة الأمريكية عن المخزونات النفطية الإستراتيجية التي تملكها، تأثر بشكل محدود، من جديد – سعر النفط الخام في بورصة النقط الدولية وأرجع البعض تلك العلاقة الارتباطية بين السعر والمخزون الأمريكي إلى كون الولايات المتحدة أكثر الدول استيرادًا واستهلاكًا للنفط الخام ومنتجاته، حيث يحدد التقرير الصادر عن معهد البترول الأمريكي إلى مدى بعيد حركة السوق وأسعاره ارتفاعًا وهبوطًا، ولا سيما أن الاستهلاك الكبير للنفط في الولايات المتحدة خلال الفترة الماضية كان عاملًا مهمًا ومؤثرًا في «تحييد» تأثير انخفاض الطلب على النفط في آسيا.
وقد أظهرت بيانات التقرير المشار إليه ارتفاعًا بمقدار ۸۰۰ ألف برميل في المخزونات الأمريكية وكانت واشنطن أكثر المستفيدين من تدني الأسعار النفطية وهو ما دفعها في حينه إلى شراء كميات هائلة من النفط الخام وتخزينها في آبار نفطية أشرفت على النضوب لتستفيد لاحقًا من ارتفاع الأسعار، أو على الأقل عدم التأثر سلبًا من قلة المعروض من الخام وارتفاع الأسعار «النسبي» نتيجة لذلك.
وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تحاول أن توفر لنفسها قدرًا من الأمان إزاء تقلبات الأسعار وذلك عن طريق التخزين، إلا أن الخبراء أشاروا إلى عاملين في غاية الأهمية قد يلقيان بتأثيراتهما الإيجابية المتوقعة على منظمة الأوبك يتعلق الأول بفائض مخزونات النفط التجارية لدى الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والتي بلغت مستويات قياسية، حيث ارتفعت بمعدل 3.34 بليون برميل لتبلغ 3.633 بليون برميل وهو أعلى مستوى تصله على الإطلاق هذه المستويات وهذا قد يهدد طاقات التخزين المتاحة حاليًا والقدرة الاستيعابية لها وبخاصة في الولايات المتحدة التي يتراجع فيها باستمرار الإنتاج النفطي أما العامل الثاني فيتعلق بالانتعاش الكبير والديناميكي للحركة الاقتصادية في الولايات المتحدة والتي دفعت إلى مزيد من استهلاك السلعالأساسية الخاصة بالطاقة، وذلك كنتيجة لارتفاع معدل دوران العجلة الاقتصادية من ناحية ولارتفاع. مستوى المعيشة العام للمواطن من جهة ثانية، ومن المعروف أن الولايات المتحدة تستهلك يوميًا نحو 17.5 مليون برميل من النفط وربما يصل إلى ٢٠ مليون برميل قريبًا، وتستورد أكثر من 8 ملايين برميل من النفط لتغطية الطلب المحلي على المشتقات النفطية، وتقدر أيضًا وكالة الطاقة أن يرتفع مستقبلًا استيراد الولايات المتحدة من ٥٠% من احتياجاتها إلى قرابة ٧٠% من الاحتياجات بحلول عام ٢٠١٠م.
وبناء على هذه العوامل، فإنه يمكن التوصل إلى نتيجة مفادها أنه لا يمكن تجاهل ثقل ووزن منظمة الأوبك والدول الأعضاء بها وأن ظروف السوق الدولية للنفط والميزات النسبية التي تتمتع بها تؤهلها لمواصلة دورها في ضبط إيقاع السوق اتجاهًا وسعرًا وإيجاد سوق بترولية توفر للمنتج العائد المناسب هذا على الرغم من «عجزها» البادي عن الإمساك بكل خيوط السياسة النفطية حيث فشلت في اتخاذ قرارات من شأنها السيطرة الكاملة على السوق النفطية بما يوفر لها في النهاية القدرة على وقف أي احتمالية لتدهور الأسعار في المستقبل والتصدي بقوة المحاولاتتقليم أظفارها والرد على دعوات انتهاء دورها وانتهاء المرحلة التي وجدت من أجلها.
مستقبل المنظمة: إن الثابت حتى الآن أن دعاوى الإبقاء على المنظمة تستند في الأساس إلى استمرار تدفق خام النفط من آباره وتزايد الحاجة العالمية إليه، ولكن مع التطورات التي يشهدها سوق الطاقة العالمي والتي أثرت سلبًا على صناعة النفط في الأوبك وهددت بإنهاء دورها الذي اقتصر في الآونة الأخيرة على مجرد تحديد سقف الإنتاج وحصص الأعضاء تاركة تحديد السعر لآليات السوق، فإن الحاجة تستدعي إعادة النظر في المنظمة ودورها المفترض أن تقوم به بعد آن أصبحت خياراتها محدودة ولم يعد بمقدورها أن تلجأ إلى حرب أسعار لإخراج الدول التي تنتج النفط بتكلفة مرتفعة.
إذن فإن الإجابة عن السؤال المطروح هل بقدرة المنظمة الاستمرار والحفاظ على المدى الطويل. على استقرار متوسط سعري لخام النفط تتوقف على مدى قدرتها على التعامل مع القضايا الآتية:
- النجاح في ضبط إيقاع عملية الأسعار وبالتالي السيطرة على السوق الحقيقية للنفط.
- التصدي بقوة وفاعلية للدعاوى الغربية بشأن البيئة وضرائب الكربون والطاقة.
- إحداث تغيير هيكلي في المنظمة بما يعنيه ذلك من إيجاد قدر من التكامل في عمليات الإنتاج والتسويق لضمان تحصيل القيمة المضافة من ناحية والسيطرة على كل مقومات الصناعة من ناحية ثانية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل