; فرصة حياتك.. للتغيير | مجلة المجتمع

العنوان فرصة حياتك.. للتغيير

الكاتب د. أحمد عيسى

تاريخ النشر الاثنين 01-أكتوبر-2018

مشاهدات 101

نشر في العدد 2124

نشر في الصفحة 52

الاثنين 01-أكتوبر-2018

مناسبة الهجرة التي غيرت مجرى التاريخ فرصة للتغيير في حياتنا بتقوية الإيمان وترك المعاصي

سحرة فرعون ونصارى النجاشي وأصحاب الكهف اختاروا الإيمان وغيروا ما هم فيه ففتح الله لهم أبواب الرحمة

العبادات كلها تدعو إلى التغيير إلى الأفضل فالصلاة تنهى عن الفحشاء والصيام يدعو للتقوى والزكاة للتطهير

التغيير هو الذي جعل مَن ترك الربا حلت البركة في تجارته ومَن تحلت بالحجاب تزوجت رجلاً صالحاً

بدلاً من أن نغرق في بحر دموعنا، وتعصف بنا رياح زفراتنا، ويصم آذاننا نحيبنا وصراخنا، علينا أن نتعظ بالماضي ونصحح الحاضر، ونستقبل المستقبل بالأمل والعزيمة والإيمان، ونتغير عملياً.. فالإنسان ينمو ويكبر، والأنهار تجري إلى مصابّها بالخير، والسحاب المسخر بين السماء والأرض يحمل مطر النماء، والطيور والأسماك تهاجر للرزق والتكاثر، والقبائل تغيّر أماكنها بحثاً عن الماء والعشب وأسباب الحياة، وصناع الأجهزة والسيارات سر نجاحهم هو تغيير المنتَج عاماً بعد عام.

يقف الإنسان مع دوران الزمان وقفة تأمل في حاله، ويتخذ من مناسبة دينية كالهجرة، أو شخصية كيوم ميلاده، أو موقف أو حادث أو حدث ليحاسب نفسه وينوي أن يتغير.. يتغير إلى الأحسن والأقوم.

كانت رسالة الرسل هي تغيير أقوامهم إلى الأصلح، فقال إبراهيم لقومه: (إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ {17}) (العنكبوت). 

وأراد لوط تغيير المنكر والفاحشة؛ (وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ {28}) (العنكبوت). 

ونهى شعيب قومه عن الظلم وتطفيف الكيل وبخس الناس والإفساد في الأرض؛ (أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ {181} وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ {182}) (الشعراء). 

وموسى هز عرش الطاغوت فرعون وقومه وجنوده؛ (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ {4}) (القصص)، فأرسل الله تعالى موسى؛ (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى {17} فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى {18} وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى {19}) (النازعات)، فحثه على التغيير.

ويحدثنا القرآن عن أقوام تغيروا ولكن للأسوأ؛ (وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ {112}) (النحل)، والقرية هنا مكة، سلط الله عليهم الجوع بدعاء الرسول صلى الله عليه وسلم.

وفي كفار مكة أنزل الله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ {28}) (إبراهيم)، ونعمة الله هي إرسال الرسول صلى الله عليه وسلم، قال ابن كثير: والآية تعم جميع الكفار.

وفي الحديث الذي رواه الشيخان إنذار شديد للمسلمين من التبديل والتغيير بالإعراض عن الدين والابتداع فيه؛ «أنا فرطكم على الحوض، من ورده شرب منه، ومن شرب منه لم يظمأ بعده أبداً، ليَرِدنّ عليَّ أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يُحال بيني وبينهم، فأقول: إنهم مني، فيقال: إنك لا تدري ما بدلوا بعدك، فأقول سحقاً سحقاً لمن بدَّل بعدي»، وأهل التغيير بالابتداع في الدين والعمل على خلاف منهج الرسول صلى الله عليه وسلم، هم المقصودون بقول الله: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) (آل عمران: 106)؛ أي تبيض وجوه أهل السُّنة، وتسود وجوه أهل البدعة، مصداقاً لقول الله تعالى: (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ) (الزمر: 60).

يأتي على الإنسان حين من الزمان يصيبه الغفلة والتكاسل فيحتاج إلى تغيير وتجديد، كما عاتب الله المسلمين الأوائل حين قال: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ) (الحديد: 16)، وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود قال: «ما كنا بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية إلا أربع سنين». 

الهجرة طريق التغيير

ولعل مناسبة هجرة النبي صلى الله عليه وسلم التي غيرت مجرى التاريخ، فرصة للتغيير في حياتنا بتقوية الإيمان وترك المعاصي، ذلك في الهجرة إلى المدينة، أو الهجرة إلى الحبشة لما زادت وطأة التعذيب والتنكيل في السنة الرابعة من البعثة، حيث قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «اذهبوا إلى الحبشة، فإن فيها ملكاً لا يُظلم عنده أحد». 

وهنا يتضح في خطبة جعفر بن أبي طالب، المتحدث الرسمي باسم المهاجرين، ماذا يعني التغيير: “أيها الملك، كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، حتى بعث الله تعالى إلينا رسولاً منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا لتوحيد الله، وألا نشرك به شيئاً، ونخلع ما كنا نعبد من الأصنام، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام...” (فقه السيرة للغزالي).

يقول صلى الله عليه وسلم: “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه” (رواه البخاري)، ويقول: “والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب” (رواه أحمد). 

وإن كانت الهجرة من بلد إلى آخر، فهي تغيير وهجرة بدنية “من” و”إلى”، فهناك التغيير والهجرة القلبية “من” و”إلى”، هجرة إلى الله ورسوله، فنهاجر بقلوبنا من محبة غير الله إلى محبة الله، ومن عبادة غير الله إلى عبادة الله، ومن خوف غيره ورجائه إلى خوفه سبحانه ورجائه، ومن دعاء غيره وسؤاله والخضوع له، إلى الذل لله والاستكانة والخضوع، ومن الابتداع إلى اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن اتخاذ القدوة من غيره إلى اتخاذه أسوة ومثلاً.

هو تغيير شامل إيجابي؛ من الشرك إلى التوحيد، ومن البدعة إلى السُّنة، ومن الجهل إلى العلم، ومن المعصية إلى الطاعة، ومن الظلم إلى العدل.

حتى يغيروا

والتغيير يحتاج إلى نية وعزيمة وابتداء ومبادرة وفعل، يقول الله تعالى: (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد: 11)، قال السعدي في التفسير: «إن الله لا يغير ما بقوم من النعمة والإحسان ورغد العيش، حتى يغيروا ما بأنفسهم، بأن ينتقلوا من الإيمان إلى الكفر ومن الطاعة إلى المعصية، ومن شكر نعم الله إلى البطر بها؛ فيسلبهم الله عند ذلك إياها، وكذلك إذا غير العباد ما بأنفسهم من المعصية فانتقلوا إلى الطاعة غيّر الله عليهم ما كانوا فيه من الشقاء إلى الخير والسرور والغبطة والرحمة»، وفي الطبري: «إن الله لا يغير ما بقوم من عافية ونعمة حتى يغيروا ما بأنفسهم من ذلك بظلم بعضهم بعضاً واعتداء بعضهم على بعض، فتحل بهم حينئذ عقوبته وتغييره». 

انظر إلى التغيير في حياة سحرة فرعون، ونصارى النجاشي وأصحاب الكهف، اختاروا الإيمان وغيروا ما هم فيه؛ ففتح الله عليهم أبواب الرحمة؛ (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً {2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (الطلاق).

وهكذا يكون التغيير في حياتك أيها المسلم، منذ أن صدحتَ بكلمة التوحيد التي غيرت تفكيرنا وعقيدتنا ونظرتنا إلى الحياة حيث النور والحق المبين، كما قال ربعي بن عامر يعدد لكسرى قضايا التغيير بكلمة التوحيد: «جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ظلم الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة».

وكذلك العبادات كلها تدعو إلى التغيير إلى الأفضل، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والصيام لعلنا نتقي، والزكاة للتطهير والتزكية، والحج ولادة جديدة.

إن التغيير يشمل الحياة جميعاً، لنتغير إلى الأحسن بتغيير الطبع والطبيعة (البيئة) والإرادة؛ تغيير الصحبة، تغيير العمل، تغيير الدراسة، تغيير العلاقات، تغيير العادات (النوم، التلفزيون، الهاتف، التدخين، القات، المخدرات)، تغيير الأخلاق (الغضب، التهور، العجز، الكسل، الجبن، البخل، طريقة الكلام، الملبس، والأكل والإنفاق)، التغيير إلى الأحسن مع الزوج والأولاد والجيران والزملاء، التغيير إلى الأحسن في المؤسسات الإسلامية للتعاون والتشاور والتقوية.

وعلى كل واحد أن يصنع مبادرة للتغيير؛ فمثلاً أرى عيباً في نفسي أو تقصيراً، أو معصية، أو خلقاً سيئاً، أو تعاملاً غير لائق، فأبادر وأجاهد نفسي لتغيير ذلك إلى الأحسن والأصلح. 

والتطبيق بعد المبادرة هو سر التغيير الحقيقي الذي يؤدي إلى الفائدة، فكلنا نعلم كم من صديق ترك التدخين فتحسنت صحته، أو مَن غيّر صحبته وجلساءه فحسنت أخلاقه، أو مَن غيّر دراسته التي لا تلائمه فنجح في دراسة أخرى يحبها، أو مَن غيّر بلده أو بيئته فقُدّرتْ مواهبه. 

هو التغيير الذي جعل مَن ترك الربا تحل البركة في تجارته، أو مَن تحلت بالحجاب فتتزوج رجلاً صالحاً، ومَن غيَّر أخلاقه فبرّ والديه بعد هجران أو عقوق فصلح بدعائهما، ومَن غيَّر قطع الأرحام إلى صلتها فوسّع الله رزقه، أو مَن هاجر إلى القرآن بعد أن هجَره فهُدِيَ إلى صراط مستقيم.

الرابط المختصر :