; فخر الإعاقة | مجلة المجتمع

العنوان فخر الإعاقة

الكاتب أسماء سلام

تاريخ النشر السبت 07-مارس-2009

مشاهدات 86

نشر في العدد 1842

نشر في الصفحة 54

السبت 07-مارس-2009

أما عن كيفيته، فقد قيل: أن يكون الصبر في هذا البلاء بأمور ثلاثة:

- حبس اللسان عن الشكوى إلى غير الله تعالى.

- وحبس القلب عن التسخط والجزع

- وحبس الجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب ونحوها:

وإذا عرتك بلية فاصبر لها                صبر الكريم فإنه بك أعلمُ

وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما       تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم

وفي الصبر أمران كلاهما حسن فالأول: الثواب العظيم من رب كريم. ﴿ أَوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مَن رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ٧ ١٥﴾ (البقرة).

والثاني: السكينة بعد التسليم لله سبحانه وتعالى التي من شأنها أن تتيح الفرصة للمبتلى أن يراجع نفسه ويحول محنته إلى منحة. والإعاقة التي يُشار إليها اصطلاحاً بأنها حالة تحد. من قدرة الفرد على القيام بوظيفة واحدة أو أكثر من الوظائف التي تعد أساسية في الحياة اليومية هي نوع من أنواع البلاء تحتاج لصبر عظيم. وهكذا يعلمنا الرسول الكريم كيف يكون الصبر؛ فعن أبي سعيد الخدري و أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر» «رواه البخاري ومسلم».

وبالصبر الجميل يجد المبتلى طيب العيش وخيره؛ فقد قال عمر بن الخطاب : «وجدنا خير عيشنا بالصبر».

وقال عمر بن عبد العزيز يرحمه الله: «ما أنعم الله على عبد نعمة، فانتزعها منه فعوضه مكانها الصبر إلا كان ما عوضه خيرا مما انتزعه».

جرح في سبيل الله

ما أسعد المجاهدين في سبيل الله!

حين يعدهم الرسول الكريم ﷺ في قوله: «ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار» «رواه البخاري في صحيحه» وما أهنأهم حين ينالون الشهادة في سبيله أحياء عند ربهم يرزقون والأوسمة التي على صدور المجاهدين هي أن فضّلهم الله سبحانه وتعالى في قوله: ﴿ وَفَضَلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى القَاعِدِينَ أَجْرًا عظيمًا (٩٥) ﴾ (النساء).ويزيد المجاهدين فخراً، وعزّاً بعد عزّ بجرح في سبيل الله وهو مفخرة لصاحبه يأتي يوم القيامة بجرحه ريحه كريح المسك كما قال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم مبشرا جرحى المسلمين؛ فعن معاذ بن جبل ر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من قاتل في سبيل الله فواق ناقة فقد وجبت له الجنة، ومن جرح جرحاً في سبيل الله، أو نكب نكبة فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت لونها الزعفران وريحها المسك» «رواه أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وإسناده صحيح». وهؤلاء صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلوا دونه، ودون دعوته؛ فمنهم من نال الشهادة ومنهم من انتظر يحمل جرحاً كبيراً أدى إلى إعاقة واضحة كعبد الرحمن بن عوف الله الذي جاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة «أحد» فأصيب فيها بعشرين جرحا ترك أحدها في ساقه عَرَجا دائما، وسقطت بعض أسنانه فتركت أثراً واضحاً في نطقه وكلامه.. وزادته فخراً وعزاً أن بشر

بالجنة؛ فكان من العشرة المبشرين بالجنة. وهذا صحابي جليل آخر تحول من عداء الرسول ودعوته إلى مجاهد في سبيل الله حفاظا على الدعوة؛ فقد شارك أبو سفيان كوه في جهاده مع المسلمين ما أدى إلى فقد إحدى عينيه، ولم يثنه هذا الخروج في سبيل الله، بل نال فخرا بعد فخر بفقد عينه الثانية في معركة «اليرموك»، حيث استقر بها سهم حتى أصبح كفيفاً . عن وهذه نسيبة بنت كعب أم عمارة رضي الله عنها الصحابية التي شاركت مع الرسول صلى الله عليه وسلم في غزواته تعالج الجرحى وتحث المسلمين على الجهاد ؛ فبيدها السيف، وحول وسطها الضماد تضمد به جرح المسلمين، وتدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في «أحد» لما أراد المشركون النيل منه فدافعت وولدها أفضل دفاع، حتى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عنها: «ما التفت يوم أحد يمينا ولا شمالا إلا وأراها تقاتل دوني». ثم يقول النبي صلى الله عليه وسلم: المقام نسيبة بنت كعب اليوم خير من مقام فلان وفلان «طبقات ابن سعد».وكان دفاعها عن الرسول صلى الله عليه وسلم ثمنه جرح كبير أدى إلى فقد إحدى ذراعيها ؛ فكانت تفخر به على نساء الصحابة، ويا له من فخر بوسام يقابل به العبد ربه يوم القيامة!

همم تعلو القمم

﴿ لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلَى المَرِيضِ حَرَجٌ﴾ (الفتح:۱۷) هكذا رفع الله سبحانه وتعالى الحرج عن بعض المصابين بإصابات قد تعيقهم عن الجهاد في سبيله؛ لكننا نجد من يعلو بإعاقته فوق القمم، وتجد لسان حاله يقول: دعوني أجد السعي في طلب العلا فأدرك سؤلي أو أموت فأعذرا فهذا عمرو بن الجموح و شيخ كبير طاعن في السن ربما عذره كبر السن عن الجهاد في سبيل الله، وكان بالإضافة إلى ذلك أعرج شديد العرج، ها هو قد شوهد في غزوة «أحد» في الصفوف الأول للمجاهدين ويقول: إني لمشتاق إلى الجنة وهو الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يثنيه عن الجهاد،

لعله يطأ بعرجته الجنة. وموسى بن نصير المجاهد العظيم فاتح شمال أفريقيا والأندلس صاحب الهمة العالية التي رفعت الحرج عنه، ورفعته في سماء الدنيا بفتوحاته الإسلامية، وجعلت من حسنات أهل شمال أفريقيا له منها نصيب، كان أيضاً أعرج. والشيخ أحمد ياسين، ذلك الشيخ القعيد الذي بهمته العالية أصبح شيخ المجاهدين مؤسس حركة المقاومة الإسلامية «حماس» في مواجهة الاحتلال الصهيوني في «فلسطين» لم يقعده الشلل الكلي عن الجهاد

ولو بلسانه. فالسلام على أهل الهمة.. فهم صفوة الأمم.. وأهل المجد والكرم.. طالت بهم أرواحهم إلى مراقي الصعود .. مطالع السعود .. ومراتب الخلود .

إبداع رغم الاعاقة

من المعروف أن ظروف المعاق النفسية تختلف اختلافا كليا ويرجع هذا

الشعور الداخلي للمعاق نفسه؛ فهو يشعر بعجزه عن الاندماج في المجتمع؛ نظرا لظروفه المرضية، مما يجعله منغلقاً على نفسه، كلّما تذكر إصابته اتسعت الهوة بينه وبين مجتمعه. لكن سكب العبرات لن يجدي، ولن ينفع فمن حرم نعمة من الله سبحانه وتعالى فقد زادت نعم الله عليه . وعلى المعاق أن يعي هذا ويكفكف دموعه:

كفكف دموعك ليس ين            فعك البكاء، ولا العويل

وانهض ولاتـشـك الـزمـا                 ن فما شكا إلا الكسول 

واسلك بهمتك السبي                 ل، ولا تقل كيف السبيل

ما ضل ذو أمـــل سـعـى                يوما، وحكمته الدليل

كلا، ولا خــاب امـــــرو                  يوماً، ومـــقــصــده نبيل

وعلى المعاق أن ينظر إلى المعاقين المبدعين؛ فمنهم من ولد أعمى كأبي العلاء المعري الذي أصبح أديبا كبيرا، شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء، وصاحب المؤلفات الكثيرة، ومنهم من ولد بصيرا ثم أصيب بفقد بصره، كالشيخ عبدالعزيز ابن عبد الله بن باز يرحمه الله الذي نهض فحفظ القرآن ودرس العلوم الشرعية وتقلد المناصب العليا والإفتاء في المملكة العربية السعودية فظل طيلة حياته طالباً للعلم معلماً مجاهدًا بعلمه، ومنهم الإمام الترمذي الذي كان كفيفا فعوضه الله بقوة الحفظ فاشتهر بحفظه وضبطه، وهو من

علماء الحديث الشريف. وفقد إحدى العينين لم يقعد سعيد ابن المسيب عن دراسة الفقه حتى أصبح سيد فقهاء التابعين وفقيه الفقهاء.

وحوّل ابن سيرين التابعي الجليل إصابته بالصمم إلى فرصة عظيمة؛ ليصبح محدثاً وفقيها بل ورائدا لعلم تفسير الأحلام والأديب المشهور مصطفى صادق

الرافعي أحد أعظم الأدباء الإسلاميين في العصر الحديث والذي ترك تراثا أدبيا وفيرا كان أصم. والحياة لن تقف عند إصابة أو إعاقة؛ بل تستمر.. ومن ينهض ويكافح حق له أن يعلو فوق علته، ومن بكى عليها يدفن معها .

في بيتنا معاق

والبيت الذي يحتضن المعاق هو بيت تعلوه الرحمة وتحفّه البركة برعاية المعاق والصبر عليه ومحاولة تأهيله ودمجه في المجتمع، ولعله يصبح سبب الرزق وسبب الأجر والرحمة ولعل همته وهمة أسرته تعلو به فوق القمم. والمنزل الذي يخفي المعاق، ويخجل منه ويهمله هو بيت تعلوه الكآبة ويحوطه اليأس ولعل حرج الأسرة من المعاق وعدم دمجه في المجتمع ما يجعل الأسرة مقبرة لأهلها ؛ فالحياة تحتاج إلى من يشمر ويكافح : 

شمر وكافح في الحياة فهذه                دنياك دار تناحر وكفاح

وانهل مع النهال من عذب الحيا        فإذا رقـا فـامتـح مـع المتاح

-البلاء أمر عظيم وجلل والصبر عليه من أعظم النعم التي أنعمها الله بها على عباده فقد قال الله تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكم بشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالَ وَالْأَنفُسَ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصابرين ١٥٥ ﴾ (البقرة).

-قمم في مجالات الفقه والفكر والعلوم المختلفة تحدوا الإعاقة وبرزوا في مجالهم حتى صاروا أعلاما.

الرابط المختصر :