العنوان فتوى شرعية في: وجوب المشاركة الفعالة في الانتخابات النيابية
الكاتب د. فتحي يكن
تاريخ النشر السبت 11-يونيو-2005
مشاهدات 64
نشر في العدد 1655
نشر في الصفحة 42
السبت 11-يونيو-2005
الأمة تتعرض لأشرس هجمة وذلك يفرض علينا جميعًا المشاركة في دعم جبهة الأبرار.. فالتفرج ممنوعوالهروب أشبه بالتولي عن الزحف.
إن قرار الإسلاميين دخول المجالس التشريعية، ووصول نواب الساحة الإسلامية والوطنية وحلفائهم إلى «البرلمان» غدًا أمرًا بدهيًّا، بل ارتفع في حكمه الشرعي من مستوى «الجواز» إلى مستوى «الوجوب». قديمًا - وفي ظل ظروف غير هذه الظروف - كان هناك شبه تحفظ حول شرعية المشاركة في المجالس التشريعية «في الدول ذات الأنظمة الوضعية»، فضلًا عن أن الظروف التي أحاطت بالساحة الإسلامية كانت صعبة ومعيقة، وهذا ما جعل بعض تلك المحاولات يفشل كليًّا في بعض الأقطار، وينجح نسبيًّا في أقطار أخرى.
ولكن بالرغم من تغير الظروف السياسية والأمنية بشكل عام، واتساع رقعة المد الإسلامي، فقد بقي موضوع «مشروعية المشاركة» قائمًا ولفترة قريبة، هذا بصرف النظر عن وجود فئات لا تزال تعتبر المشاركة في هذه المجالس ترشيحًا واقتراعًا عملًا غير شرعي... وعلى أية حال، وبالرغم من إجماع الإسلاميين على «جواز المشاركة» واختلافهم حول المقاطعة ترشيحًا واقتراعًا، فقد خضعت الخطوة، وخضع قرار المشاركة لدراسة شرعية متأنية قبل الإقدام عليها عام 1992م.
مبررات شرعية تبعية
لن أعرض هنا للدراسات المتعددة التي صدرت عن جهات وجماعات وتنظيمات إسلامية مختلفة, التي ضمنتها آراءها الشرعية حول الانتخابات النيابية، وإنما سأتناول عددًا من النقاط والمبررات الشرعية التبعية التي ترتفع بمجموعها بحكم المشاركة ترشحًا واقتراعًا من درجة الجواز إلى درجة الوجوب.
المبرر الأول: اعتبار العمل النيابي، أسلوبًا من أساليب «الحسبة» ومنبرًا من منابر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبخاصة إن كان الاعتماد في الحسبة على «التغيير باللسان» وليس بالقوة… والمعروف أن الحسبة واجب شرعي عيني, يمكن أن يكون باليد وله شروطه، ويمكن أن يكون بالكلمة وله شروطه، كما يمكن أن يكون بالقلب، وهذا الذي لا يُعذر المسلم بتركه.
المبرر الثاني: إن المشاركة في المجالس النيابية لا يلزم بقبول أي موقف تشريعي أو سياسي يخالف الشرع، فللنائب أن يعارض وله أن يقدم البديل, وأن ينتقد أو يقاطع وينسحب.. وهذا يعني أن الأصل في الممارسة «الإباحة» وجوازها وعدم جوازها إنما يتعلقان بالموقف والممارسة.. فإذا كانت الممارسة شرعية وبقصد تسديد السياسات وترشيد القوانين وإصلاح النظام بما لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية أصبح القيام بذلك واجبًا، وعدم القيام به مع القدرة والاستطاعة هروبًا من المسؤولية وترك هذه المواقع لمن أرادوا أن يسخروها لمحاربة الإسلام والمسلمين، وأن يستلبوا حقوق الضعفاء والمحرومين من أية ملة كانوا، لأن مقاصد الشرع تحقيق العدالة والمساواة، ورفع الظلم والقهر والتسلط عن عباد الله أجمعين.
المبرر الثالث: إن المشاركة في المجلس النيابي، باب من أبواب الدعوة إلى الإسلام, وعرض أفكاره ومبادئه، من خلال المناقشة والحوار والاحتكاك بالآخرين.. بل هي منبر من أقوى المنابر الدعوية وأعمها وأشملها وأفعلها, في إيصال الصوت الإسلامي إلى كل الناس على مختلف طوائفهم ومذاهبهم ومواقعهم العلمية والسياسية والنقابية والمهنية.. إنها فرصة لعرض المشروع الإسلامي من جوانبه المتعددة ومفرداته المختلفة.
المبرر الرابع: إن المشاركة النيابية من شأنها توفير الكثير من الفرص لتحقيق مصالح الناس، ودرء المفاسد عنهم وتحقيق الإنماء المتوازن والإعمار المتوازن وتكافؤ الفرص أمام الجميع. والخلاصة.. أن مشاركة الإسلاميين في المجالس التشريعية - وفي كل الأحوال - بات ضرورة ملحة تفرضها اعتبارات متعددة منها:
- الانتقال بالطرح الإسلامي من المستوى النظري التجريدي إلى المستوى العملي التجريبي.
- تعريف الغير بالمشروع الإسلامي بأصالته ونقائه ومرونته وخصائصه المختلفة, وبخاصة بعدما أصابه من تشويه مفتعل ودخيل، ومن خلال ممارسات شاذة وغير صائبة، وغبية وغير حكيمة.
- الانتقال بالحركة الإسلامية من إطار «الشريحة التنظيمية» إلى إطار الحالة الجماهيرية، وبالتالي تطوير «الطرح» و«الخطاب» و«الممارسة» تطويرًا نوعيًّا وكميًّا, من شأنه أن ينتقل بها من قيادة «النخبة» إلى قيادة «الأمة».
- تعبئة الفراغ الذي خلفه سقوط التيارات العلمانية والقومية المختلفة التي كانت وإلى فترة ليست ببعيدة مصادرة للقرار السياسي باسم المسلمين.
- تحقيق حالة الانسجام مع «المد الإسلامي» الدعوي والمقاوم المتنامي في كل مكان، الذي يتهيأ لأخذ دوره على كل صعيد, وليقوم بطرح الإسلام كبديل حضاري وتشريعي وحيد للبشرية برمتها. إنه لم يعد مقبولًا أن تبقى الساحة الإسلامية بعيدة عما يجري.. وغير عابئة أو مشاركة أو صانعة لما يجب أن يجري، أو لما يمكن أن يجري. إن كل ذلك يفرض على الساحة الإسلامية بكل فصائلها التقدم الاستحقاق الانتخابي النيابي تحت سقف مشروع إسلامي ووطني واحد، لمواجهة عربدة المشاريع الأمريكية والصهيونية التي تجتاح الأمة ومنها لبنان على كل صعيد.
العمل النيابي أسلوب من أساليب «الحسبة» و منبر من منابر الأمر بالمعروف
المقاطعة تعطيل للقواعد الفقهية وسكوت عن الحق وقبول بالمنكر!
- إن مقاطعة الانتخابات - ترشحًا واقتراعًا- من شأنها أن تعطل كافة القواعد الفقهية المرتبطة برفع الحرج عن الأمة، وأخص من ذلك:
- قاعدة المشقة تجلب التيسير.
- قاعدة إذا ضاق الأمر اتسع.
- قاعدة الضرر يزال.
- قاعدة الضرر لا يزال بالضرر.
- قاعدة إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما.
- قاعدة درء المفاسد يقدم على جلب المنافع.
- قاعدة يتحمل الضرر الخاص لأجل دفع الضرر العام.
- قاعدة الأخذ بأخف الضررين وأهون الشرين
- وإن مقاطعة الانتخابات بمثابة السكوت عن الحق, والقبول بالمنكر وعدم الإقدام على تغييره، والساكت عن الحق في تعريف رسول الله ﷺ: «شيطان أخرس», أما الساكت عن المنكر فمعني بقول رسول الله ﷺ: «لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم», وقد تكون المنكرات السياسية أشد خطورة من المنكرات الاجتماعية.
درء المفاسد
ومقابل ذلك كله، فإن المشاركة النيابية ترشحًا واقتراعًا من شأنه أن يدرأ الكثير من المفاسد.. فعلى سبيل المثال يمكن أن يحقق الأداء النيابي التالي:
- ما يمكن تقويمه من سياسات تربوية من شأنها أن تنعكس إيجابًا على تكوين أجيال مسلحة بالعلم والإيمان والأخلاق..
- ما يمكن تقويمه من سياسات إعلامية من شأنها أن تنتقل بوسائل الإعلام من حالة التخريب إلى حالة البناء..
- ما يمكن تقويمه من سياسات اقتصادية من شأنها أن تحقق الكفاية والرفاه والعيش الكريم، وبخاصة في نطاق الضرورات الثلاث: «التعليمية» و«الطبية» و«الغذائية».. إضافة إلى ما يمكن استحداثه من مؤسسات مصرفية «غير ربوية» تدفع الحرج الشرعي عن المسلمين والمتورعين عن التعاطي الربوي..
- ما يمكن تقويمه من سياسات مسلكية - من خلال تقديم مشاريع قوانين - من شأنها الحد من التداعيات الأخلاقية, وكبح جماح ظواهر العهر والفجور، وتعاطي «المخدرات وكافة الإدمانات الكحولية والتبغية»، ومن خلال تحصين الأجيال ودفعها للتمسك بالقيم الدينية والمكارم الأخلاقية.
- ما يمكن تقويمه من سياسات بيئية من شأنها التخفيف من الأخطار الناجمة عن تخلف أساليب التخلص من النفايات, ودخان المصانع, والسيارات، وغبار المقالع، إضافة إلى الأخطار الناجمة عن شركات ومستودعات الغاز والنفط المتجاوزة لأبسط قواعد المحافظة على الاعتبارات البيئية والصحية والأمنية..
- ما يمكن تحقيقه في «المجال السياسي» من مواجهة المشروعين الأمريكي والصهيوني, ووقف زحف العولمة الفكرية والتربوية والإعلامية والأمنية والعسكرية، على غرار ما تقوم به المقاومة الباسلة في فلسطين والعراق التي تتهيأ لوضع اليد على لبنان والمنطقة، وتتحضر لإقامة القواعد العسكرية الأمريكية فوق أراضيها.
- الارتقاء بالحس الوطني والجهادي الذي من شأنه أن يوفر حدًا مقبولًا في مواجهة مشاريع «التغريب والهيمنة والتسلط» التي يمارسها النظام الدولي وقوى الاستكبار في العالم.
كلمة أخيرة: الأمة تتعرض اليوم لأشرس هجمة، هجمة غير مسبوقة, تستهدف دينها وهويتها وخصائصها الحضارية والثقافية جمعاء.
- هجمة طالت المصحف الشريف بالتدنيس، ومناهج التعليم بالتحريف، كما طالت الأجيال الإسلامية بالتخريب, وطالت عاداتنا وتقاليدنا بالإفساد, وتجرأت على قدسية الإسلام بالتعديل وعلى حرمة الصلاة بإمامة المدعوة أمينة داود!
- هجمة تستهدف العالم الإسلامي بالإذلال, والإخضاع, والتحكم به وبمقدراته بقوة أسلحة الدمار الشامل التي تمتلكها، ومن خلال القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في معظم الدول العربية والإسلامية.
- هجمة تسعى إلى صناعة حكومات وأنظمة حكم ومجالس نيابية مذعنة وخاضعة لسياساتها وقراراتها، وصولًا إلى فرض المشروع الشرق أوسطي الأمريكي الصهيوني على المنطقة بكاملها.
إن مواجهة المزاعم الأمريكية والصهيونية سواء منها السياسية أو الاقتصادية أو الإعلامية أو التعليمية غدا فرض عين على كل فرد من أفراد هذه الأمة, على مثل ما فعله جيل الحجارة من خلال تصديه لأسطورة الدولة التي لا تقهر، فكان أن قهرها وفرض معادلة توازن الرعب مع العدو الصهيوني. إن ساحة الصراع والتدافع تفرض علينا جميعًا المشاركة في دعم جبهة الأبرار بكل جهد مستطاع.. فالتفرج ممنوع، والهروب أشبه بالتولي عن الزحف، وفي غيبة أهل الحق يرتع أهل الباطل، واستجابة لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الأنفال: 45)، وحتى لا نكون معنيين بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ, وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (الأنفال: 15-16). اللهم قد بلغت، اللهم فاشهد.