العنوان فتح إسبانيا
الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي
تاريخ النشر السبت 21-أبريل-2012
مشاهدات 65
نشر في العدد 1999
نشر في الصفحة 46
السبت 21-أبريل-2012
الحفلات الكنسية حرصت على إحراق أمهات الكتب لمحو تاريخ المسلمين التعليم والرخاء الاقتصادي دليل على نهضة تلك البلاد مقارنة بدول الجوار
«ملوكًا على الأسرة» رؤيا النبي ﷺ بفتح الأندلس.. وذلك دليل على الإعجاز النبوي
رؤيا طارق بن زياد للرسول الكريم قبل الفتح كانت من تباشير النصر
الفتح الإسلامي جاء مواكبًا لمنهج الدين السمح الذي يسعى لنشر خيره بين الجميع
انتشار الإسلام في الأندلس (3)
تناولنا في الحلقتين السابقتين جغرافية الأندلس والحقب التاريخية التي مرت بها منذ ملوك البرتغال، وطبيعة الأرض وموقعها، وكذلك البيئة الاجتماعية لأهلها، كما أشارت الحلقة الثانية إلى تعامل أهل الإسلام مع سكان البلاد الأصليين، وشهادة المؤرخين على قرون من الوجود الإسلامي في تلك البلاد، وكيف أن النصارى ردوا الجميل حرقًا وتنكيلًا بالمسلمين على مدى 4 قرون تلت سقوط غرناطة، فيما يعرف في تاريخهم الأسود بــ «محاكم التفتيش».
وفي تلك الحلقة، نتناول كيف دخل الإسلام بلاد الأندلس، وجهود الفاتحين الأوائل من المسلمين لدخول إسبانيا.
٣٠مليونًا في إسبانيا
وقبل أن نبدأ الحديث في كيفية دخول المسلمين إسبانيا، نتوقف قليلًا لتوصيف حالة أهل تلك البلاد مقارنة بدول أخرى كانت مجاورة لهم، ففي الزمن الذي كانت أمم الشمال فريسة الفتن الدينية والمعارك الهمجية يعيشون عيشة القبائل المتوحشة في بلادهم المتخلفة، كان سكان إسبانيا يزيدون على ثلاثين مليونًا، وعاشت في الجزيرة الأندلسية طوائف من النصارى والمسلمين وأهل الجزيرة والشام وأهل مصر والمغرب ويهود إسبانيا والشرق.
تفاعل حي بين الحضارات
وعاشت -بفضل هذا التفاعل الحي بين العناصر- جميع الآراء والعادات والكشوف العلمية والمعارف والفنون والصناعات الحديثة، ووصل من الشرق الحَريرُ والقُطْنُ والقهوة والورق والليمون والبرتقال والرمان والسكر-مع هؤلاء الوافدين- كما وَصَلَتْ السجاجيد والمنسوجات والبارود. وأخذنا عنهم الحساب العَشْرِي System» «Decimalوالجبر والكيمياء والطب وعلم الفلك.
ويروى في كتب التاريخ أنه كلما أراد أحد الأوروبيين العلم ذهب إلى الجامعات العربية في إسبانيا، وكان الملوك والأمراء يطمئنون عندما يُسعدهم الحظ بطبيب إسباني مهما كلفهم ذلك، وظهرت في الأمة طبقة وسطى أبدعت الصناعات المتعددة إبداعًا كبيرًا، وأنشأت على السواحل أعظم قوة بحرية في زمانها، وراجت المنتجات الإسبانية رواجًا عظيمًا في جميع الموانئ الأوروبية، وقامت في البلاد مدن تضارع في عدد سكانها العواصم الحديثة، حتى أن سكان قرطبة وحدها كانوا يَبْلُغون المليون (1).
إهمال المؤرخين
أمام هذا وأمثاله يغدو من الغريب جدًا أن المؤلفين في التاريخ الأندلسي عمومًا -شرقًا وغربًا- أهملوا أمورًا وموضوعات مهمة وأساسية حيوية، منها: هذا الموضوع «انتشار الإسلام في الأندلس واعتناق الإسبان له»، غير مساحة أو نتف بسيطة وشذرات متناثرة منثورة هنا وهناك، ورغم غموضها فهي محجوبة وتظل قابعة وراء الأسداف في عمومها، لا يَفْلِتُ من ذلك إلا قليل.
حرق أمهات الكتب
الحمد لله أن جرى إفراد هذا الأمر بالبحث في كتابي «التاريخ الأندلسي من الفتح الإسلامي حتى سقوط غرناطة»، بعد أن جمعت ما تناثر من أخباره قديمًا وحديثًا حاولت أن أنظمه في عقد كريم، مازال بحاجة إلى متابعة (2)، رغم ضياع جمهرة أمهات «أمات» كتب التاريخ الأندلسي في حفلات الحرق الكبرى خلال احتفالاتهم الكنسية الإيمانية!
انتشار الإسلام
إنه ليبدو أحيانًا وكأن الإسلام وصل أو انتشر في إسبانيا ووجد له مأوى وأهلًا وأنصارًا، قبل ابتداء الفتح، شمولًا للحملة الاستكشافية، وإلا كيف وصلت هذه الحملة وبقيت ربما أسابيع، تذهب وتتجول وتتنقل؟ كيف كانت تسير؟ وبأي لغة تتعامل؟ كذلك حملة طارق، كيف كانت تتجمع أفواجها على الجبل الذي حَمَلَ اسْمَهُ فيما بعد بكل اللغات «جبل طارق»؟
تباشير مباركة
ومن الجميل ذكر أمور تعتبر تباشير مباركة سارة بالفتح الأندلسي الكريم العظيم، بمدلولاته المؤثرة، تلك هي بشارة الرسول الكريم ﷺ لطارق بن زياد في رؤيا جَرَتْ له أثناء عبوره المضيق، مع آخر فوج.
رحمًة للعالمين
جاء الإسلام رحمة للعالمين، وجاء نبيه الكريم لإبلاغ تلك الرسالة، حيث خاطبه الحق في كتابه الكريم: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء:107)، رحمًة مهداة ونعمة مسداة، به قامت الحياة بالخير والبركة واليمن، أرسل الله تعالى به محمدًا ﷺ خاتم أنبيائه ورسله، فلابد من اعتباره كذلك، حيث يقتضي إبلاغه لأهل الأرض أجمعين، لا يحتاجون لغيره في كافة شؤونهم إلى يوم الدين.. يسير به أتباعه بالدعوة إليه بالرفق الحنون، وتقديمه بالحسنى والحكمة والموعظة الحسنة، باعتباره الأسلوب الأمثل، تسير سفينته تمخر عباب البحار بريَّانها، بذلك ترى راكبيها «ملوكًا على الأسرة»، أو هم كذلك، لا تخشى في الحياة أحدًا -بعد فضل وعون ونعمة الله تعالى- بؤسًا وتخلفًا وفقرًا، إذ تنعم بخير وبركات منهجه العظيم العميم، رفدًا منقذًا مسعدًا .
«ملوكًا على الأسرة»
وتلك الجملة «ملوكًا على الأسرة»، قد وردت مرتين في حديث شريف، في المؤمنين المجاهدين في البحر لعلها تشمل غيرهم، فيه إعجاز «معجزة ومعجزة»، خلال رؤيا رآها ﷺ، مما يجعلها وأمثالها من رؤى كلها تحققت جميعًا -مثل هذه الرؤيا- إشارات كبرى إلى نبوته الكريمة ﷺ .
ودلالة هذا الأمر ما حدث به عبد الله بن يوسف عن مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أنه سمعه يقول: إن أم حرام بنت ملحان «أخت الرسول ﷺ من الرضاعة» قالت: نام رسول الله ﷺ يومًا قريبًا مني، ثم استيقظ يبتسم، فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: «ناس مِنْ أُمَّتِي عُرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر الأخضر ملوكًا على الأسرة»، قالت: ادع الله أن يجعلني منهم فدعا لها، ثم نام ثانيًة، ثم استيقظ وهو يضحك، قالت: فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: «ناس من أُمَّتِي عُرضُوا علي غزاة في سبيل الله»، كما قال في الأولى، قال: فقالت: ادع الله أن يجعلني منهم، قال: «أنت من الأولين»، وقد خَرَجَتْ أَمْ حَرَام مع زوجها غازيًا أول ما ركب المسلمون البحر مع معاوية، لما انصرفوا من غزوتهم قافلين نزلوا الشام، فقربت إليها دابة لتركبها فصَرَعَتها فماتت (3).
أول غزوة بحرية في الإسلام
وربما كان ذلك حين العودة من الجزيرة قبل الخروج منها، وهذه الغزوة البحرية التي حضرتها أم حرام كانت فتح جزيرة قبرص سنة ٢٨هـ (٦٤٨م) في خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه، وكانت تلك أول غزوة بحرية يقوم بها المسلمون، تم فتح الجزيرة، ويبدو أن هذا الفتح كان صلحًا وليس عنوة، أو انتهى كذلك، يُذكر أن قبر أم حرام في تلك الجزيرة يسمونه: «قبر المرأة الصالحة» ويزوره الفرنج.
ونجد هذا المثال وغيره من رؤى النبي الكريم ﷺ لا تجد فيهم غيره، الذي يصف به رسول الله ﷺ حالتهم الباهرة من خلال رؤيا حقيقية ورؤى الأنبياء حق، رؤيا باهرة معجزة.
فاتحو الأندلس
ومَنْ يا ترى إذن هؤلاء الذين كانوا في رؤيا رسول الله ﷺ الثانية؟ يؤكد ابن حزم الأندلسي (٤٥٦هـ / ١٠٦٣م) أنهم فاتحو الأندلس، في تلك الحملات التي توجهت للفتح الأندلسي العظيم، ذلك أنه لدى عبور طارق بن زياد مع آخر الأفواج عبورًا، في حملته تلك «5 رجب سنة ٩٢ هـ / ۷۱۱م»، حين أخذته غفوة -خلال عبوره المضيق الذي سمي والجبل باسمه وبكل اللغات: مضيق جبل طارق- رأى رسول الله ﷺ في رؤيا يوصيه بمن معه والرفق بأهل البلاد وأنه رأى الصحابة يمشون على الماء تصديقًا للرؤيا الأولى، وكانوا في عبورهم ملوكًا على الأسرة في ثقتهم وتمكنهم وانتصارهم، كان انتصارًا عظيمًا، كما يأتي بيانه، إن شاء الله تعالى.
وهذه النوعية هي التي أقامت مباني الإسلام الفريدة المثال، فاجأت العالم وأنجزت ما لا يمكن إنجازه إلا بهذا المنهج الرباني الفريد.
السيرة النبوية الشريفة والتاريخ الإسلامي -ومنه التاريخ الأندلسي- كله يُعبر عن ذلك بشكل مذهل، سره وتفسيره وتقديمه من خلال هذا الدين فحسب، ما صنعه يمكن أن يتكرر بنفس أسبابه، تلك سنة الله سبحانه وتعالى: ﴿ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾(فاطر:43).
«القوط» أدلة للجيش الإسلامي
لابد أن يحدث ويمكن قبوله ولو منطقيًا، أن بعض القوط والإسبان كانوا مع الجيش الإسلامي أدلة لهم، يعاونونهم بكل سبيل، المعلومات واللغة والنصرة، منذ عمليات الفتح الأولى والتحضير لها، أي قبل الحملة الاستكشافية «رمضان ۹۱ هـ / ۷۱۰م» والظاهر أن هؤلاء الأدلة كانوا قد أسلموا سابقًا وأعانوا على إقدام هذا الخير إلى بلدهم، هم به فرحون، لعله بالإمكان أن يُذكر هنا مما قد يفهم منه: إسلام يليان Julian حاكم مدينة سبتة Ceuta من قبل القوط Goths Godos ، يبدو أنه كان مؤمنًا منذ وقت مبكر، وإلا كيف قبل الصحابي الجليل عُقبة بن نافع (٦٣هـ / ٦٨٣م)، والي الشمال الأفريقي وأحد كبار فاتحيه بنصيحة يليان في ترك فتح مدينة سبتة، ما سمعنا أنها فتحت بينما عبور حملات الفتح كلها كانت منها! حيث تبين بعد البحث والمتابعة الجادة أن نجد نسل يُليان -ابتداء من ابنه- كلهم تقريبًا كانوا مسلمين، من علمائهم وأعلامهم، منهم علماء مؤلفون وقضاة معروفون .
الهوامش
(1)نقلًا من كتاب «أثر العرب في الحضارة الأوربية»، عباس محمود العقاد، بحثت كثيرًا جدًا -حيث أسكن مدريد- عن هذا العالم الإسباني «بلاسكُوا أَبَانيز»، وعن كتابه الذي نقل منه هذا النص، لم أجد شيئًا، لعل اسمه باللغة الإسبانية يكتب هكذا «Valascua Avaniz» ، ربما كتابه يكون هذا: «ظلال الكنيسة» La Sombra de la Eglesia ،هذا كل ما أمكن وجوده من خلال البحث، أمر مستمر فيه أرجو أن أجد ما يكفي، إن شاء الله تعالى. (۲) التاريخ الاندلسي «*»، ١٥٠ - ١٨٠ .
(۳) البخاري وبقية الستة ومسند الإمام أحمد.
«*»أستاذ التاريخ الإسلامي والحضارة الأندلسية - العراق
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل