العنوان فتح القسطنطينية كان فتحًا إسلاميًا
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 29-أكتوبر-1974
مشاهدات 77
نشر في العدد 223
نشر في الصفحة 23
الثلاثاء 29-أكتوبر-1974
تحدثنا عن فتح القسطنطينية في مجلس ضم شبابًا لا أتهمهم، ففوجئت بمن يصف هذا الفتح بالقهر والجبروت والعدوان، وينفي عنه صفة الفتح الإسلامي النبيل الهادف إلى بث الدعوة ونشر عدالة الله في الأرض، ثم يصف من يدافعون عن هذا الفتح وأمثاله بأنهم «يقدسون التاريخ» ولا ينظرون إليه إلا من زاوية واحدة.
كيف تسنى لهم أن يحكموا هذا الحكم؟ هل قرءوا تاريخ المحاولات التي بذلها المسلمون لفتح هذه المدينة من لدن معاوية بن أبي سفيان في القرن الأول الهجري إلى محمد الفاتح في القرن التاسع؟ هل قرءوا تاريخ العثمانيين في محاولاتهم المتعددة لهذا الفتح وعرفوا دوافعهم؟ هل درسوا تاريخ المجاهد العظيم محمد بن مراد الذي فتح المدينة ودوخ الدول الأوروبية ومات بين جنده الذين كانوا يستعدون لفتح روما؟
إذا لم يقرءوا هذا، فهل تراهم قرءوا مؤلفات المستشرقين من النصارى الحاقدين ومن يهود والإجراء ممن انتسبوا للإسلام والإسلام منهم براء؟ أم تراهم حكموا هذا الحكم دون أن يكلفوا أنفسهم عناء القراءة والدرس، أو لمجرد أنهم سمعوا هذا الحكم من واحد ممن لا يحلو لهم إلا الطعن في الإسلام والمسلمين، أو أنهم قرءوه في الصحف المنتشرة كالوباء والتي لا هم لها إلا الإساءة للإسلام والمسلمين وكأنها الرسالة التي من أجلها أخرجت؟
كيف لا يكون هذا الفتح فتحًا إسلاميًا حقيقيًا وقد بشر به رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قبل وقوعه بتسعة قرون في الحديث الشريف المعجزة: «لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش» «1» وانطلاقًا من هذا التوجيه النبوي الكريم، وانطلاقًا من رسالة الإسلام السامية التي كلف المسلمون بتبليغها للعالمين، وانطلاقًا من تعهد الإسلام لإقامة العدالة في الأرض نظم خلفاء المسلمين حملات متوالية نحو هذا الحصن النصراني المنيع.
كيف لا نعد هذا الفتح إسلاميًا وقد بدأه خيرة الصحابة في القرن الأول الهجري وفيهم عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن الزبير بن العوام وأبو أيوب الانصاري وغيرهم من أجلاء الصحابة- رضوان الله عليهم أجمعين-، وهل يقدم مثل هؤلاء على عمل إن لم يكن إسلاميًا خالصًا؟
وكيف لا يكون هذا الفتـح إسلاميًا وقد تم على يد رجـل من خيرة رجال المسلمين في عصره والعصور التي تلته، رجل دانت له الدنيا وخضعت له الملوك والأباطرة والباباوات ومع ذلك لم يكن متجبرًا ولا متكبرًا، بل كان سمحًا لينًا هينًا، يدني إليه العلماء ويخلص لهم الود ويخلصون له النصيحة.
محمد الفاتح الذي كان ينظر إلى فتوحاته على أنها امتداد للفتوحات الإسلامية الأولى، يدلنا على هذا أنه كان أثناء حصاره للقسطنطينية يحث جيشه على أن يحقق بشارة الرسول الكريم في فتح هذه المدينة، وكان أول عمل عمله فيها هو تكريمه للصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري الذي استشهد في الحملة الأولى على هذه المدينة، في بناء مسجد باسمه، ويدلنا على ذلك أنه عندما دخل أثينا بعد أن فتح بلاد اليونان قائده المظفر عمر بن طرخان قال: «ما أعظم ما یدین به الإسلام لابن طرخان» إذن فالفتح عنده من أجل الإسلام وفي سبيل الله، فكيف نقول عن فتوحات مثل هذا الرجل بأنها لم تكن إسلامية؟
ثم نظرة إلى سيرة هذا الفاتح العظيم وإلى أخلاقه وعدالته التي أشاد بها العدو والصديق، ونظرة إلى سلوكه في البلدان التي فتحها وتجاه الشعوب التي حكمها تنبينا عن شخصية متمسكة بتعاليم الدين الحنيف.
إن عدالة هذا الرجل الفذ تظهر جلية في ترحيب كثير من الشعوب الأوروبية به، تلك الشعوب التي كانت تعاني الاضطهاد من بني دينها، فقد كان الروم في القسطنطينية يفضلون الأتراك لعدالتهم على إخوانهم في الدين من اللاتين الذين فعلوا بهم الأفاعيل بسبب خلافاتهم في دينهم، لذا كان الروم يرفضون الاتحاد مع اللاتين ضد العثمانيين ويقولون: «لأن نرى في القسطنطينية عمامة الأتراك خير من أن نرى فيها قبعة اللاتين».
أما شعب البوجوميل في البوسنة فقد استنجدوا بعدالة الفاتح ضد ظلم إخوانهم المسيحيين. فقد كتب البابا جون الثاني والعشرون سنة 1325 إلى ملك البوسنة يطلب منه أن يستأصل شأفة البوجوميل الذين وصفهم بالخوارج، لذا كان البوجوميل یرون بأن «عمامة المفتي أفضل من قبعة الكردينال»، هذا عندما كانوا يسمعون بعدالة الفاتح عن بعد، أما عندما أصبحوا تحت حكم الفاتح وذاقوا حلاوة عدالته فقد دخلوا جميعًا في الأسلام.
رجل كهذا ألا تكون أعماله المثمرة في سبيل الله؟
رجل قرب العلماء وأقصى الجهلة والفساق، تمامًا بعكس ما يحدث في عالم زعمائنا اليوم، وكرس نفسه لخدمة الدين، فاستصحب معه في غزواته خيرة العلماء وكانوا على رأس مستشاريه العسكريين، بل كان رأيهم عنده مقدمًا على رأي غيرهم من السياسيين، وعندما طال الحصار على القسطنطينية جمع أهل مشورته وكان من بينهم الشيخ آق شمس الدين والشيخ آق بيق ده والمولى أحمد الكوراني والمولى خسرو ووزير السلطان الكبير خليل واستشارهم في الأمر فكان رأي علماء الإسلام الاستمرار في الحصار حتى الفتح فما جاءوا إلى هذا المكان إلا للجهاد وعاقبة الجهاد النصر أو الشهادة بينما كان رأي الوزير خليل أن يكتفي السلطان بما عرضه عليه أهل القسطنطينية من الجزية فسفه السلطان رأي وزيره وأخذ برأي العلماء وكان الفتح الإسلامي العظيم.
وكان جواب الفاتح على من طلب منه أخذ قسط من الراحة بعد حروب متواصلة: «إن الله قد وضع هذا السيف في يدي لأجاهد في سبيله، فإذا أنا لم أتحمل هذه المتاعب وأؤدي لهذا السيف حقه فلن أكون جديرًا بلقب الغازي الذي أحمله، وكيف ألقي الله بعد ذلك يوم القيامة؟»
رجل مثل هذا ألا نكون منصفين إذا وصفنا فتحه للقسطنطينية وفتوحاته كلها بأنها إسلامية صميمة؟
محمد الفاتح الذي دوت في عهده هتافات: الله أكبر. الله الله. لا إله إلا الله محمد رسول الله. في جنبات أوروبا فأفزعت معاقل الصليبية وهدت أركانها ألا يكون جديرًا منا بكلمة منصفة ورأي رشيد؟
هذا الفاتح العظيم الذي وقف بين جنده قبل ثلاثة أيام من الفتح الكبير يخطب جنده فيذكرهم بأيام الله وبجنات عرضها السماوات والأرض ثم يطلب منهم أن يصوموا تكفيرًا عن ذنوبهم لأن جيشًا فيه مذنبون جدير بأن لا يتلقى النصر من الله، ويأمرهـم بالإكثار من تلاوة القرآن، ألا يكون تصرفه هذا نابعًا من قلب عامر بالإيمان؟
ونستمع إلى وصية هذا الرجل العظيم لجنده قبل دخولهم القسطنطينية فتذكرنا بوصايا الخلفاء الراشدين لجيوشهم الفاتحة ، قال مخاطبًا كبار قادته: «إذا تم لنا فتح القسطنطينية تحقق فينا حديث من أحاديث رسول الله ومعجزة من معجزاته، وسيكون من حظنا ما أشاد به هذا الحديث من التمجيد والتقدير فأبلغوا أبناءنا العساكر فردًا فردًا أن الظفر العظيم الذي سنحرزه سيزيد الإسلام قدرًا وشرفًا، ويجب على كل جندي أن يجعل تعاليم شريعتنا الغراء نصب عينيه فلا يصدر عن أحد منهم ما يجافي هذه التعاليم، وليتجنبوا الكنائس والمعابد ولا يمسوها بأذى، ويدعوا القسس والضعفاء والعجزة الذين لا يقاتلون» «۲»
وبعد هذا هل هنـاك من يستطيع أن يصف هذا الفتح بأنه كان بعيدًا عن روح الإسلام إلا إذا كان في قلبه دخل.
إن كل مسلم حق ليفتخـر بهذا الفتح العظيم وبهذا السلطان المسلم الذي حقق للمسلمين ما لم يحقق عشـر معشاره من يهتف بأسمائهم اليوم صباح مساء.
ألسنا بحاجة إلى رجل كمحمد الفاتح يرفع رؤوسنا ويقوي شوكتنا ويرفع راية الإسلام خفاقة في العالمين؟
ألسنا بحاجة إلى حاكم يقول أعداؤنا فيه كما قال المؤرخ الفرنسي «جييه» عندما ألف كتابًا عن محمد الفاتح وأهداه إلى لويس الرابع عشر أكبر ملوك فرنسا: «إننا نرجو من الله أن لا يظهر مرة أخرى على وجه الأرض حاكمًا كالسلطان محمد الفاتح، فقد كان حكمه بلاء ونكبة على النصارى والنصرانية، وهذا ما يجب أن يتمناه دومًا بدون انقطاع لا الفرنسيون وحدهم بل جميع الشعوب النصرانية الأخرى» «۳».
ويقول مؤرخونا فيه كما قال المؤرخ ابن إياس- وهو معاصر للفاتح-: «كان محمد بن مراد «الفاتح» ملكًا جليلًا عظيمًا انتشر ذكره بالعدل في سائر الآفاق وحاز الفضل والعلم والعدل والكرم الزائد وسعة المال وكثرة الجيوش والاستيلاء على الآفاق الكفرية وفتح الكثير من حصونها وقلاعها» «٤»
ونحن نسأل الله أن يرزق المسلمين اليوم حاكمًا كمحمد الفاتح يعيد للإسلام مجده، فيدك معاقل الكفر وينقذ ما أضاعه التافهون من حكام ومحكومين.
وبعد، إن فتحًا بشر به رسول رب العالمين، وإن فتحًا أتمه الله على يد السلطان المسلم الغازي محمد الفاتح وبأيدي جيش، شهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- بأنه نعم القائد وبأنهم نعم الجيش، لهو فتح إسلامي صميم.
أحمد لطفي عبد اللطيف
«1» الحديث في أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير، وفي الإصابة في تمييز أسماء الصحابة لابن حجر العسقلاني، وفي الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر النمري، وفي مسند الإمام أحمد بن حنبل، وفي الجامع الصغير للسيوطي.
«۲» و «۳» محمد الفاتح للدكتور سالم الرشيدي
«٤» بدائع الزهور لابن إياس المصري حـ ٢
الرابط المختصر :