; معالم على الطريق.. فتح البيت الأبيض | مجلة المجتمع

العنوان معالم على الطريق.. فتح البيت الأبيض

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 14-أكتوبر-2006

مشاهدات 68

نشر في العدد 1723

نشر في الصفحة 41

السبت 14-أكتوبر-2006

عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ «عصبة من أمتي يفتحون البيت الأبيض» (بیت کسری) رواه مسلم وأحمد، وروى مسلم عنه أيضاً -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ «لتفتحن عصابة من التي كنز آل كسرى الذي في الأبيض».

     ودولة الأكاسرة في ذاك الوقت أقوى دولة في العالم، ولكن العصبة المؤمنة منها بالإيمان واليقين والتضحية والتوكل على الله سبحانه، والاستعداد قدر الطاقة، والإصرار على تحقيق الأهداف الإسلامية العليا، في ظل تربية الجندي الإسلامي على نصرة الحق والوقوف في وجه الباطل، تربية تساندها عقيدة خصبة عطاءة، لا تجافي العقل ولا تعارض المنطق، إنما تنبت من جذور إسلامية إنسانية ترتاح بالفطرة، وتأنس بها الحياة وتسعد، ولهذا إن انطلاقة الجندي الإسلامي وتضحياته يختلف ظاهرها عن باطنها، ولا تتعارض مسائلها مع أهدافها، وإنما تسير متسقة مع غاياتها، إرضاءه والاستشهاد في سبيله، لثواب الدنيا والآخرة، النصر أو الشهادة، ولا اعتبار لكثرة أو قلة العدد والعدة عند المسلمين.

    ولقد كان تاريخ المسلمين في جهادهم سورة صادقة لذلك، تروي كتب التاريخ أن الروم لما علموا بخروج المسلمين إليهم، أرسل هرقل إلى بيزنطة عاصمة دولته، وإلى من هم على دينه من جنوده، وإلى الأهالي في جزيرة، وفي أرمينيا كما كتب إلى عماله في جميع ملكه أن يحشروا إليه كل من أدرك الحلم من أهل الإمبراطورية فما فوق إلى الشيخ الفاني، في تجنيد إجباري استعداداً للقاء المسلمين ودفع خطرهم.

 ويقول الرواة فأقبل إليه من الجموع ما تحمله الأرض، وكان عدد الروم في بعض روايات حوالي أربعمائة ألف (٤٠٠٠٠٠) يقودهم أعظم قادة الروم وهو «باهان»، وكان عدد المسلمين ستة وثلاثين ألفاً (٣٦٠٠٠)، منهم ألف رجل من الصحابة فيهم مائة بدري، وأرسل أبو عبيدة إلى عمر «بأن الروم قد توجهوا إلينا، وجمعوا لنا من الجموع ما لم يجمعوه لأمة قط كانت قبلنا، وقال أيضاً في كتاب آخر: إن الروم نفرت إلى المسلمين براً وبحراً، ولم يخلفوا وراءهم رجلاً يطيق السلاح إلا جاءوا به علينا، وخرجوا ومعهم القسس والأساقفة، ونزلت إليهم الرهبان من الصوامع، واستجاشوا بأهل أرمينية وأهل الجزيرة، وجاءونا وهم نحو من أربعمائة ألف رجل، قد جاء المسلمين ما لا قبل لهم به، إلا أن يمدهم الله بملائكته، أو يأتيهم بغياث من قبله والسلام عليك، وأرسل عمر إليهم يا أهل الإسلام اصدقوا اللقاء، وشدوا عليهم شد الليوث، واضربوا هامتهم بالسيوف، وليكونوا أهون عليكم من الذر؛ فإنا قد كنا علمنا أنكم عليهم منصورون، قال خالد: «أرى والله إن كنا إنما نقاتل بالكثرة والقوة هم أكثر منا وأقوى، وما لنا بهم إذن طاقة، وإن كنا نقاتلهم بالله ولله، فما أن جماعتهم ولو كانوا أهل الأرض جميعاً، أنهم لا تغني عنهم شيئاً».

وقال لأبي عبيدة: أتطيعني أنت فيما أمرك به؟ قال له أبو عبيدة، نعم. قال هولني ما وراء بابك وخلني والقوم، فإني لأرجو أن ينصرني الله عليهم،

قال قد فعلت، وهكذا تولى خالد القيادة العامة على جيوش المسلمين في يوم اليرموك، وعلى اليرموك اجتمع خالد مع باهان قائد الروم بين الصفين فقال باهان «ماهان» إنا قد علمنا أن ما أخرجكم من بلادكم إلا الجهد والجوع، فهلموا إلي أن أعطي كل رجل منكم عشرة دنانير وكسوة وطعاماً، وترجعون إلى بلادكم، فإذا كان من العام المقبل بعثنا لكم بمثلها، فقال خالد: «إنه لم يخرجنا من بلادنا ما ذكرت، غير أنا قوم نشرب الدماء، وأنه بلغنا أنه لا دم أطيب من دم الروم فجئنا لذلك، فقال أصحاب ماهان هذا والله ما كنا نتحدث به عن العرب، ولا يخفى على كل باحث أن الروم كانت تعد العدة لغزو المسلمين، وقد علم الرسول ﷺ ذلك، فخرج إليهم في أول لقاء، وكان في مؤتة بقيادة خالد ورفاقه، فأراد خالد أن يؤدبهم على وساوسهم التي مازالت تراودهم بين الحين والحين، وكانت رسل المسلمين دائماً على مثل هذه القوة النفسية العظيمة، وكانت ترهب الأعداء كإرهاب الجيوش الجرارة.

     ومن هذا لما أراد الله قهر فارس والاستيلاء على بيتهم الأبيض وأراد سعد ابن أبي وقاص أن يباغت الفرس، وكان أمامه نهر يستحيل عبوره، قال سعد نستعين بالله ونتوكل عليه، حسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فتقدم الجيش واقتحم دجلة ما يكترثون، وأنهم ليتحدثون أثناء عبورهم النهر الهادر كما يتحدثون في مسيرتهم على الأرض، ونظر الأعداء إلى خيل المسلمين التي ملأت دجلة، وجعلوا يرددون ديوان آمد، يعني ما تقاتلون إلا الجن، وفزع يزدجرد ملك الفرس، وما استطاع أن يخرج من باب قصره المواجه للشاطئ، فدلاه جنوده من الشرفات الخلفية لقصره الأبيض في زنبيل ليفر من المدائن، ودخل سعد بن أبي وقاص المدائن، وانتهى إلى القصر الأبيض وإيوان كسرى، وهو يقرأ قوله -تعالى-: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ كَذَٰلِكَ ۖ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ (سورة الدخان: 28)، وفتح البيت الأبيض كما بشر رسول الله ﷺ على يدي جند الله الصادقين، وها نحن اليوم لا نستطيع أن نفتح كوخاً، أو نأمن في ديارنا، ويتسابق الكثيرون إلى لثم الأقدام عند المستعمرين اليهود المهزومين من حزب في بلد كلبنان، ولو كان عنده غطاء جوي لزالت «إسرائيل»، وأخذنا قدسنا وأرضنا وعزتنا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

 

الرابط المختصر :