العنوان فتاوى المجتمع (العدد 1860)
الكاتب د. مسعود صبري
تاريخ النشر السبت 11-يوليو-2009
مشاهدات 80
نشر في العدد 1860
نشر في الصفحة 46
السبت 11-يوليو-2009
- هل تخلع المرأة النقاب من أجل «ساركوزي»؟
لم يغب عن أذهاننا –كمسلمين –الموقف الفرنسي من الحجاب، واعتباره نوعًا من التمييز القائم على الدين، وأنه مرفوض فرنسيًا، بل كأنه توجه لأوروبا برفض حجاب المسلمات داخل الدول الأوروبية.
ثم جاء الرئيس الفرنسي «ساركوزي» ليقول في خطاب رسمي إن البرقع (النقاب) رمز لاستعباد المرأة، وإن فرنسا لن تقبل بهذا، بل تسعى لاستصدار قانون يمنع النقاب في بلاده.
وربما لا تمثل محاولة «ساركوزي» منع النقاب في بلاده خطرًا على الفكر الإسلامي، ولكن الخطر يكمن في اجتهاد الفقهاء المعاصرين، ونظرهم إلى تلك القضية، فلو سكت الفقهاء لما نسب إليهم شيء، ولكن الأخطر هو الاجتهاد في تلك المسألة. وإليك أهم الاجتهادات التي طرحت على الساحة الإسلامية في هذه القضية.
وممن أدلوا بدلوهم في هذه القضية شيخ الجامع الأزهر د. محمد سيد طنطاوي، وقد رأى د. طنطاوي أن النقاب في فرنسا شأن داخلي، وأن النقاب في الشريعة ليس فرضًا، ولكن الحجاب بأن تغطي المرأة جميع جسدها عدا الوجه والكفين هو فريضة، وللمرأة أن تختار النقاب من غيره، فهذا محل اختيار، ولكن إن طلبت الدولة التي تعيش فيها المسلمة منها خلع النقاب، فعليها أن تخلع النقاب، وذلك في الدول غير الإسلامية؛ لأنها تكون ساعتها مضطرة، وليس على المضطر إثم أو جناح، أما في الدول الإسلامية فيجب على المرأة أن تحافظ على حجابها. واستدل د. طنطاوي بقول الرسول ﷺ للسيدة أسماء بنت أبي بكر: «يا أسماء، إذا بلغت المرأة المحيض؛ فلا يصح أن يرى منها غير هذا وذاك». وأشار إلى الوجه والكفين. واتفق مع د. طنطاوي في الرأي د. سالم عبد الجليل وكيل وزارة الأوقاف، ورأى أن النقاب ليس فريضة، ولكن الحجاب هو الفريضة، ولا يجوز للمرأة أن تخلع حجابها في أية دولة تحت أي ظرف. أما النقاب، فيجوز للمرأة أن تخلعه إن طلب منها هذا، للتعرف على شخصيتها في مواقف محددة؛ مثل الشهادة في المحاكم مشيرًا إلى أن سبب قرار الرئيس الفرنسي يرجع لرفض إحدى السيدات المنتقبات خلع نقابها عند شهادتها في إحدى المحاكم الفرنسية.
وفي مقابل هذه النظرة رفض مفتي مصر الأسبق د. نصر فريد محمد واصل خطاب «ساركوزي»، وكل اجتهاد فقهي يؤيد وجهة نظره، واستند د. واصل إلى أن النقاب وإن لم يكن فريضة عند جمهور الفقهاء، ولكنه فضيلة، ومن ثم فلا مجال لخلعه، وأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
واعتبر د. واصل أن ما يحدث ما هو إلا حلقة في مسلسل الحرب على الإسلام ومظاهره، وأن الحملة الفرنسية على النقاب تناقض مع شعارات الحرية والمساواة التي ترفعها فرنسا، بعد أن سبق وأصدرت قرارًا بحظر ارتداء الحجاب داخل المدارس والمؤسسات الفرنسية، بما يتنافى مع مبادئ حقوق الإنسان التي تعطي لكل شخص الحرية في ارتداء ملبسه، أو اختيار الرموز الدينية الخاصة به، وأن هناك ازدواجية في المعايير، فإن فرنسا لن تستطيع أن تتخذ موقفًا من حجاب الراهبات، وأن تحظر عليهن ارتداء الأزياء التي يلبسنها.
بل تخطى د. واصل مجرد الاجتهاد الفقهي ليطرح حلًا للمسلمين في أوروبا وليس فرنسا وحدها، بأن يطرحوا القضية على المنظمات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، حتى لو تطلب الأمر اللجوء لمحكمة حقوق الإنسان الأوروبية لفضح هذا العداء غير المبرر للإسلام. ولكنه في ذات الوقت أفتى بأنه إن أغلقت الأبواب أمام مسلمي فرنسا أن يتعاملوا مع المسألة في حكم المضطر، كما قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (البقرة:173)، وذلك في حال إجبار الحكومة المسلمات على خلع النقاب. ومتفقًا مع وجهة نظر د. نصر فريد واصل رفض الداعية الإسلامي وعضو مجلس الشورى السعودي د. الشريف حاتم العوني خطاب «ساركوزي» حول النقاب، واعتبره نوعًا من العنف والإرهاب ضد المرأة المسلمة بفرنسا، وأنه نوع من الجهل بقيم الإسلام وتعاليمه، وأن المشكلة تكمن في فهم الغربيين للتقدم والعصرنة، وأن الإسلام لا يرى أن عصرنة المرأة وتقدمها في خلع حجابها، بل في التزامها بأخلاق دينها.
كما أصدر د. يوسف الأحمد الأستاذ بكلية الشريعة جامعة الإمام محمد بن سعود فتوى بحرمة خلع النقاب في فرنسا، وتجميد العلاقات مع فرنسا لتطاول رئيسها على إحدى شعائر الإسلام، ورأى أن استعباد المرأة ليس حجابها، ولكنه استعمالها في المراقص والملاهي ودور البغاء وغيرها مما هو مشتهر في فرنسا، وأن الواجب التصدي لمثل هذا الكلام؛ لإهانته للإسلام والمسلمين.
ربما كانت فتاوى العلماء تقدم أنماطًا من الاجتهاد في التعامل مع هذه القضية، فالاتجاه الأول اعتبر سلطة الدولة غير المسلمة حتى على المسلمين فيما ليس فريضة مقطوع بوجوبها كالنقاب، وأنه يجب عليهم الطاعة. بينما رأى اتجاه آخر التصعيد ضد هذه الحملة من باب المقاومة، واعتبار ذلك تطاولًا على الإسلام والمسلمين.
واتجاه ثالث تمثل في فتوى د. نصر فريد واصل في تحديده لمكانة النقاب من الأحكام الشرعية، وأنه فضيلة؛ لكن هذا لا يتيح للدولة غير المسلمة أن تطالب بخلعه، وأنه يجب على المسلمين اتخاذ الوسائل القانونية لمحاربة هذا الرأي، وتصعيد ضده بالوسائل السلمية، فإن فشلت المحاولات، فالتعامل مع خلع النقاب إنما هو من باب الاضطرار وليس من باب الرضا.
ويمثل الاتجاه الثالث نمطًا جيدًا في التعاطي مع المستجدات الفقهية وكيفية تعامل الفقيه معها.
- من فتاوى المجتمع والمؤسسات:
فسخ الدين في الدين:
إن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي في دورته الثامنة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة في الفترة من 10-1427/3/14هـ الذي يوافقه 8-2006/4/12م قد نظر في موضوع: «فسخ الدين في الدين».
وبعد الاستماع إلى البحوث المقدمة، والمناقشات المستفيضة، والتأمل والنظر في الصور التي ذكرت في البحوث والمناقشات في موضوع: «فسخ الدين في الدين» أو ما يسميه بعض أهل العلم «قلب الدين» قرر المجمع ما يأتي:
يعد من فسخ الدين في الدين الممنوع شرعًا كل ما يفضي إلى زيادة الدين على المدين مقابل الزيادة في الأجل أو يكون ذريعة إليه ويدخل في ذلك الصور الآتية:
فسخ الدين في الدين عن طريق معاملة بين الدائن والمدين تنشأ بموجبها مديونية جديدة على المدين من أجل سداد المديونية الأولى كلها أو بعضها، ومن أمثلتها : شراء المدين سلعة من الدائن بثمن مؤجل، ثم بيعها بثمن حال من أجل سداد الدين الأول كله أو بعضه.
فلا يجوز ذلك ما دامت المديونية الجديدة من أجل وفاء المديونية الأولى بشرط أو عرف أو مواطأة أو إجراء منظم؛ وسواء في ذلك أكان المدين موسرًا أم معسرًا وسواء أكان الدين الأول حالًا أم مؤجلًا يراد تعجيل سداده من المديونية –الجديدة، وسواء اتفق الدائن والمدين على ذلك في عقد المديونية الأول أم كان اتفاقًا –بعد ذلك، وسواء أكان ذلك بطلب من الدائن أم بطلب من المدين.
ويدخل في المنع ما لو كان إجراء تلك المعاملة بين المدين وطرف آخر غير الدائن إذا كان بترتيب من الدائن نفسه أو ضمان منه للمدين من أجل وفاء مديونيته.
بيع المدين للدائن سلعة موصوفة في الذمة من غير جنس الدين إلى أجل مقابل الدين الذي عليه، فإن كانت السلعة من جنس الدين فالمنع من باب أولى.
بيع الدائن دينه الحال أو المؤجل بمنافع عين موصوفة في الذمة. أما إن كانت بمنافع عين معينة فيجوز.
بيع الدائن دين السلم عند حلول الأجل أو قبله للمدين بدين مؤجل سواء أكان نقدًا أم عرضًا، فإن قبض البدل في مجلس العقد جاز، ويدخل في المنع جعل دين السلم رأسمال سلم جديد.
- الإجابة للدكتور عجيل الشيمي من موقعه www.dr_nashmi.com
السجود على العقال:
هل يجوز السجود بالعقال أو العمامة المتينة؟
- ذهب جمهور الفقهاء وهم المالكية والشافعية إلى أنه لا يجب السجود على الأنف مع الجبهة لقوله ﷺ: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم» (أخرجه البخاري –الفتح ٢ / ٢٩٥ ط السلفية).
وأما بالنسبة إلى السجود على العقال وطرف العمامة فقد ذهب جمهور الفقهاء وهم الحنفية والمالكية والحنابلة، وجمع من علماء السلف، إلى عدم وجوب كشف الجبهة واليدين والقدمين في السجود، ولا تجب مباشرة شيء من هذه الأعضاء بالمصلى، بل يجوز السجود على كمه وذيله ويده وكور عمامته وغير ذلك مما هو متصل بالمصلي في الحر أو في البرد، لحديث أنس رضي الله عنه قال: «كنا نصلي مع رسول الله ﷺ في شدة الحر فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض يبسط ثوبه فيسجد عليه» (أخرجه البخاري –الفتح ١ / ٤٩٢ ط السلفية، ومسلم 433/1، واللفظ له ).
وعلى ذلك يمكن السجود على العقال المتصل بالرأس، وعلى العمامة والغترة لأن ذلك كله متصل بلباس المصلي، إلا أنه يفهم ومن الأدلة السابقة أن السجود على ذلك لسبب كحر أو برد أو بلة في الأرض لمطر ونحو ذلك. فإن لم يكن سبب فالحكم على ما سبق ولعل الراجح عدم الجواز. والله أعلم.