العنوان فتاوى المجتمع - عدد 1190
الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي
تاريخ النشر الثلاثاء 05-مارس-1996
مشاهدات 93
نشر في العدد 1190
نشر في الصفحة 62
الثلاثاء 05-مارس-1996
عميد كلية الشريعة– جامعة الكويت
إحياء حفلات الأعراس
السؤال: هناك بعض الأسر تتفق مع مطربين ليحيوا حفلات الأعراس للنساء، ويجعلون المغني وفرقته في غرفة، والنساء المدعوات في الصالة، وهناك أحد المطربين في أثناء الحفلة يخاطب النساء عبر الميكرفون ويقول بعض العبارات التي قد يكون الغرض منها الإثارة ودعوة النساء لمزيد من الرقص، وأحيانًا تكون عبارات للفكاهة، أو غير ذلك، علمًا بأن الحفلة كلها بالدف والطبل فنرجو بيان الحكم الشرعي في ذلك وخاصة غناء الرجال للنساء وجواز حضور هذه الحفلات؟
الجواب: الغناء في الأعراس جائز عند الفقهاء، لغرض إدخال الفرح والبهجة والسرور، ومستند ذلك حديث عائشة رضي الله عنها: أنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار، فقال نبي الله:« يا عائشة ما كان معكم لهو، فإن الأنصار يعجبهم اللهو» فتح الباري بصحيح البخاري (9/2258) كما يباح الغناء في العيد، لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: «دخل علي رسول الله ﷺ وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث، فاضطجع على الفراش وحول وجهه ودخل أبو بكر، فانتهرني، وقال مزمارة الشيطان عند النبي، فأقبل رسول الله فقال دعهما، فلما غفل غمزتهما فخرجتا» «البخاري 2/440، ومسلم 2/607»، كما يباح الغناء للمناسبات المباحة الأخرى كقدوم مسافر، أو للختان، أو للمجاهدين، أو لحداء الإبل، ويجوز أن يصاحب الغناء الدف والطبل، لما روت الربيع بنت معوذ قالت: «دخل علي النبي ﷺ غداة بنى علي، فجلس على فراشي وجويريات يضربن بالدف يندبن من قتل من أباني يوم بدر، حتى قالت إحداهن وفينا نبي يعلم ما في غد، فقال النبي ﷺ :لا تقولي هكذا وقولي كما كنت تقولين» «البخاري ٩/٢٠٢»
وبناء على هذه الأدلة نقول: يجوز أن تغني النساء للنساء، وهذا هو الأولى شريطة أن تكون عبارات الأغاني عفيفة غير فاحشة ولا مثيرة للغرائز، ولا حرج أن تكون كلمات الأغاني غزلية إذا كانت عفيفة، وينبغي أن تكون أدوات الغناء المصاحبة له مما هو مشروع من الدف والطبل، وما هو من جنسيهما، وهذا هو المعهود في الأعراس الشعبية، وينبغي تجنب المعازف، وآلات العزف المختلفة في حكمها، كما يجوز غناء الرجال للرجال بالضوابط نفسها.
وأما غناء الرجال للنساء في مثل هذه الحفلات فهو جائز بالشروط السابقة ويضاف لها أن يكون مدخل الرجال ومخرجهم منفصلًا، وألا يختلطوا بالنساء وألا يطلعوا عليهن، فإن كان المغني وفرقته في غرفة منفصلة فصلًا تامًا بحيث لا يسمع الرجال النساء، ولا النساء الرجال إلا عبر الميكرفون، فحكم ذلك الجواز وهو مثل أستماع صوت الرجال بالمسجل.
ولكن لا يجوز أن يتدخل الرجال أو المطرب في مخاطبة النساء وإثارتهن بعبارات كما هو وارد في السؤال، فإن كان كذلك منع ذلك سدًّا لذريعة الفساد، وهذا كله لبيان حال واقعة السؤال، وهذا لا يعني إقراره وتشجيعه، وإن التزمت الضوابط، لأن التزامها قد لا يكون في كل حال ولأن غناء النساء للنساء أولى وأليق، وهو غير مفقود..
لعب الكورة.. وكشف الفخذ
السؤال: هل يجوز أن نلعب كرة القدم مع كشف الفخذ؟ فهل الفخذ عورة فيجب ستره أو ليس بعورة فنرجو بيان الحكم لما يبنى على ذلك من أمور.
الجواب: اتفق قول المذاهب الأربعة على أن الفخذ عورة، لأنهم متفقون على أن عورة الرجل هي ما بين السرة والركبة ولذلك تبطل الصلاة بكشف الفخذ.
ودليلهم حديث جرهد رضي الله عنه: أن رسول الله ﷺ رآه قد كشف عن فخذه فقال: غط فخذك، فإن الفخذ من العورة وعن أبي هريرة وابن عباس رضي الله عنهم مثله مع اختلاف يسير في اللفظ، وهي أحاديث صحيحة «صحيح الجامع الصغير للشيخ محمد ناصر الدين الألباني 4/68» لكنهم اختلفوا في السرة والركبة هل هما من العورة أو ليستا من العورة، فجمهور الفقهاء وهم المالكية والشافعية والحنابلة يرون أنهما ليستا من العورة فيجوز كشفهما ولا تبطل الصلاة بكشفهما، وقال الحنفية إن السرة ليست من العورة، والركبة عورة.
ودليل الجمهور حديث أبي الدرداء رضي الله عنه قال: «كنت جالسًا عند النبي ﷺ إذ أقبل أبو بكر رضي الله عنه أخذًا بطرف ثوبه حتى أبي عن ركبتيه، فقال النبي ﷺ: «أما صاحبكم فقد غامر فسلم» فذكر الحديث «رواه البخاري»، وحديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: «أن النبي كان قاعدًا في مكان فيه ماء قد أنكشف عن ركبته فلما دخل عثمان رضي الله عنه غطاها» «رواه البخاري بلفظه»، وأما الحنفية فاستدلوا بحديث الركبة من العورة، وهو حديث ضعيف.
وذهب بعض الفقهاء منهم عطاء، وداود ومحمد بن جرير، وأبو سعيد الاصطخري ورواية عن أحمد بن حنبل، إلى أن الفخذ ليس بعورة مستندين بما روت عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله ﷺ مضطجعًا في بيتي كاشفًا عن فخذيه، أو ساقيه، فتستأذن أبو بكر رضي الله عنه فأذن له وهو على تلك الحال، فتحدث ثم استأذن عمر رضي الله عنه فأذن له وهو كذلك، ثم أستأذن عثمان رضي الله عنه فجلس رسول الله له وسوى ثيابه... ثم قال: «ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة» «مسلم 4/1866»، واستدلوا أيضًا بما روى أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ : حسر يوم خيبر الإزار عن فخذه حتى أني لأنظر إلى بيان فخذه عليه الصلاة والسلام« «مسلم ٢/١٠٤٤»
وقد ناقش الفقهاء أدلة القائلين بأن الفخذ ليس بعورة بأن حديث عائشة رضي الله عنها ليس فيه دلالة على أن الفخذ ليس بعورة لأن اللفظ ليس صريحًا فيه، بل هو مشكوك في العضو المكشوف هل هو الفخذ أو الساق، وقالوا: لو صح الجزم بكشف الفخذ فيؤول على أن المراد كشف بعض ثيابه لا كلها.
وأما حديث أنس رضي الله عنه فهو كما قال البخاري: حديث أنس أسند – أي أقوى.
وحديث جرهد أحوط. ويحمل الحديث على أنه انكشف الإزار وانحسر بنفسه لا أن النبي ﷺ تعمد كشفه، بل أنكشف لإجراء الفرس، ويدل عليه أنه ثبت في رواية في الصحيحين فانحسر الإزار، «ينظر في هذه التخريجات والرواة المجموع 2/176»
وبهذا يرجح قول الجمهور بأن الفخذ عورة في الصلاة وخارجها للعب والرياضة والسباحة وغيرها ما لم يكن للتطبيب، فيجوز كشفها للحاجة والضرورة، ويقدر الكشف بحسب الحاجة، ويرجح كذلك قول الجمهور في أن الركبة ليست عورة فيجوز كشفها لكن سترها أفضل لأن كشفها دون الفخذ عسير فلو أخذت حكم الفخذ لكان أفضل وأستر وإن كشفت فلا حرج..
دخول الحرم بغير إحرام
السؤال: شخص يريد أن يقضي غرضًا معينًا داخل مكة قريبًا من الحرم، فهل يجوز له أن يدخل الحرم بدون إحرام، علما بأنه ينوي أن يعتمر بعد إنجاز مهمته؟
الجواب: لا يجوز أن يدخل الحرم بدون إحرام، فيجب عليه الإحرام عند جمهور الفقهاء– عدا الشافعية– حيث قالوا: بجواز دخوله بغير إحرام – لكن يستحب له أن يحرم ولا يجب.
ويستثنى من ذلك من يتردد على الحرم فيخرج من مكة إلى مكان قريب دون مسافة القصر ولا يمكث في هذا المكان كثيرًا فيعود بعده إلى مكة فيجوز له دخولها دون إحرام وكذلك يجوز لمن مهنته تقتضي الدخول والخروج كناقل الماء، وموصل الناس لحاجاتهم كسائق سيارة الأجرة ومن في حكمه.
كما اتفق الفقهاء على جواز دخول مكة بغير إحرام لمن كان داخل المواقيت.
ويجوز للمفرد بالعمرة والتمتع فيجوز أن يخرج إلى الحل أي داخل المواقيت. وكذلك يجوز دخول الحرم دون إحرام القتال مباح أو خوف من ظالم، لأن النبي ﷺ دخل مكة يوم الفتح بغير إحرام، وأهل مكة لا حرج عليهم إذا خرجوا ثم دخلوا مكة دون إحرام.
إقامة عروض للأزياء
السؤال: ما هو حكم الشرع فيما شاع هذه الأيام من إقامة عروض للأزياء، تقوم بها نساء متخصصات بهذا النوع من العرض الذي اشتهرت به بيوت الأزياء العالمية، ويصاحب هذا العرض كشف للعورات من الشعر والصدر أو الساقين، وبملابس جذابة ويؤدي العرض بطريقة ملفتة للنظر في هيئة المشي وغيره، ويعرض في الأجهزة الإعلامية في الدولة، ويتم ذلك بقاعات بترخيص وإشراف من الجهات الرسمية، فنرجو بيان حكم الشرع في هذا العمل؟
الجواب: نجيب عن هذا السؤال لا باعتباره واقعة حال فحسب، وإنما باعتباره واقعة لها أمثال ونظائر مثلها في السوء أو أقل أو أكثر فتتخذ من هذه الواقعة مدخلًا لغيرها مما ابتليت به مجتمعاتنا مما هو في جنسها في الحكم والنتيجة، فنقول وبالله التوفيق: اتفق الفقهاء على أن جسم المرأة كله عورة فيما عدا الوجه والكفين– على خلاف بينهم– ونهى الله عز وجل أن تظهر المرأة شيئًا من عورتها إلا لمن نص الشارع على جواز كشفه لهم، ولكل حدوده في ذلك. قال تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ ...... ﴾ (النور:۳۱).
وظهور المرأة عارضة للأزياء بالوصف المذكور في السؤال هو من التبرج المحرم فقد جمع كل معاني التبرج، فالمرأة تخرج أمام الأجانب عنها من الرجال أو تسمح لنفسها أن تعرض عبر الأجهزة المرئية، وهي بكامل زينتها، مظهرة فتنتها، متثنية ومتكسرة في مشيتها، لابسة ما يجزئ جسمها، أو يشف عن عورتها، مثيرة بذلك كله الغرائز جالبة لها الأنظار، وهذا ما كان من فعل بعض الجاهليات قبل الإسلام، فكن يخرجن في كامل زينتهن ويتبخترن في مشيتهن وقد نهى الله عز وجل عن ذلك فقال: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ﴾ (الأحزاب:۳۳)، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ (النور:۳۱)، وهذه الأدلة وغيرها كثير كافية في الدلالة على حرمة هذا الفعل نصًّا وقطعًا وإجماعًا.
وأما منع ذلك فواجب الأب أو الزوج فيمنعان البنت أو الزوجة من هذا الفعل المشين، وكذا واجب السلطات في الدولة منع ذلك، ولا يجوز السكوت عن هذا وأمثاله من المنكرات لمخالفته شرع الله وتقاليد بلادنا الحميدة.
وأما ما ورد في السؤال من أن عرض هذه الأزياء يتم بإذن وعلم وإشراف من الجهات الرسمية، فهذا بلاء خطير، أن تصبح الجهات المعنية بحفظ أعراض الناس سببًا في فتح أبواب وذرائع الفساد.
وهذا الموقف من السلطات ينقل الموضوع إلى درجة الإعانة على المنكر وينقل المنكر الخاص إلى منكر عام، بل ينقله إلى درجة إشاعة المنكر-والعياذ بالله- وهي المرحلة التي تدخل على المجتمع الفساد ولذا حذر المولى عز وجل من هذا، وتوعد مرتكبيه بالعذاب الأليم، فقال تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النور:۱۹)، فالذي يشيع الفساد ويرعاه فهو محب له مبغض للصلاح والإصلاح، وإن عرض هذا الفحش وغيره يدعو ضعاف النفوس إلى قبوله، ثم تتسع قاعدة الراضين به، ثم يشيع منه فساد آخر وآخر، ويكثر الخبث فيتحقق الضرر في الدين والدنيا، لا لأصحاب الفساد وحدهم بل يعم المجتمع بأسره من رضي ومن لم يرض، ويذوق آثاره الجميع عذابًا ونكدًا وشقاء في الدنيا، وفي الآخرة عذاب لأصحابه فوق العذاب، فالمسؤولية جماعية ولابد من منع الفساد أيًّا كان، ولا يقال: إنه خاص بأصحابه، وهذا ما حذر منه النبي ﷺ وأنذر بغرق المجتمع بأسره إن هو سكت عن منكر حتى شاع، فقال في حديث السفينة المشهور: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فكان بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها. فكان الذين في أسفلها إذا أرادوا أن يستقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا وهلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا».