; فتاوى المجتمع (1159) | مجلة المجتمع

العنوان فتاوى المجتمع (1159)

الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي

تاريخ النشر الثلاثاء 25-يوليو-1995

مشاهدات 96

نشر في العدد 1159

نشر في الصفحة 62

الثلاثاء 25-يوليو-1995

تحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام

السؤال: شخص تقدم للكشف عند طبيب العيون ووظيفته طيار، أو سائق مثلا، وهذا العمل هو مصدر رزقه الوحيد، فهل يكشف أمره لجهة عمله أو يستر عليه، وهل يزوده بشهادة لياقة ليتمكن من استمراره في العمل؟

الجواب: يجب على طبيب العيون في هذه الحال أن يبين الحقيقة ويكشف السر دفعا للمفسدة من كتمان هذا الأمر الخطير لما فيه من ضرر يلحق المريض كما يلحق غيره من أسرته أو غيرهم، وفي سبيل دفع الضرر العام يتحمل الضرر الخاص، وهو ضرر فصله من وظيفته، لأن كتمان هذا الأمر قد يكون سببا في ضرر عام لمن سيركب معه.

والتستر على هذا الرجل مع معرفة الطبيب ورجحان ظنه أن ضعف نظره قد يسبب ضررا أو كارثة للشخص نفسه أو للغير يعتبر خيانة للأمانة، وربما كان شريكا فيما قد يحدث من كارثة، وقد لا تقل خطورة التستر على هذا الأمر خاصة للطيار أو قائد سفينة عن التستر على مدمن للخمر أو على مجرم، ولا شك أن تزويد هذا الرجل بشهادة لياقة حرام، لأنه تدليس وغش ويتحمل الطبيب في هذه الحال كل ما يترتب على ما ينتج من آثار.

رتق غشاء البكارة

السؤال: امرأة ذهبت مع ابنتها -قبل أن يتم عقد الزواج- إلى طبيبة مختصة لرتق غشاء البكارة، علما بأن غشاء البكارة قد تمزق بسبب ممارسة رياضة عنيفة، فهل هذا العمل جائز بالشرع، لأن الزوج إذا اكتشف أن الفتاة ليست بكرًا، فربما يطلقها ويشك في سلوكها قبل الزواج؟

الجواب: ينبغي أن تأخذ الأم هذا الموضوع بشيء من الحذر والتروي، فإنه وإن كان قصدها تحقيق منفعة ذاتية لابنتها، إلا أن القواعد الفقهية تأبى هذا العمل، فإن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، والضرر لا يزال بالضرر، فالمصلحة التي ستحققها الفتاة لنفسها، توقع الطرف الثاني بالغش فيظنها كما يراها، وهي على خلاف ذلك، وهذا الفعل وإن تم بحسن نية ولم يكن القصد منه بيان أنها بكر وهي ثيب، بل هي بكر حقيقة، لكن فتح هذا الباب يجعل أصحاب المقاصد السيئة الذين يخفون حقيقة قد تكون هي الزنا والعياذ بالله في منأى من العقوبة.

وفي الحقيقة فإن المصلحة المعتبرة التي تريد أن تصل إليها الفتاة يمكن الوصول إليها بطرق أخرى كمصارحة الخاطب أو الزوج، وإن احتاج الأمر إلى الحلف بأن غشاء البكارة كان بأثر حركة رياضية عنيفة ويصلح هنا أن يكون لدى الفتاة وأمها تقرير موثق من طبيبة تبين فيه أن هذا الأمر إنما هو نتيجة لرياضة بدنية عنيفة.

وعلى كل حال ينبغي أن يكون واضحا أن تمزق غشاء البكارة ليس دليلًا على عدم العفة، ولا وجوده دليل لازم على العفة، ولكن وجوده دليل على عدم الزنا في الظاهر لأنه لا يتم إلا بتمزقه لكن لا يمنع أن تكون الفتاة لعوبا منحرفة.

ولا شك أن شهادة الطبيبة أو بيان الأمر للزوج قبل الزواج أسلم، مما لو عرف الزوج بعد ذلك، أو صرح له بعد ذلك، فإن تصديقه قد لا يكون تامًا، ولدخول الشك في عدم إخباره قبل ذلك.

التوبة من الغيبة

السؤال: فتاة اغتابت صديقة لها، وذكرت عنها أشياء ما كان ينبغي أن تذكرها، وتريد أن تتوب عن هذا الكلام. فماذا تفعل؟

الجواب: الغيبة وهي أن تذكري أختك بما تكره، أن يذكر عنها من العيوب مع وجود هذه العيوب فيها، فإن ذكرتيها بعيوب ليست فيها فهذا من البهتان، وهو أشد من الغيبة لأنه غيبة وبهت.

والواجب في هذه الحال هو التوبة النصوح، وتكون التوبة صحيحة إذا تم الإقلاع عن الغيبة، وشعرت بالندم القلبي. وعزمت بإصرار على عدم تكرار هذه الغيبة لا في هذه الأخت ولا في غيرها، كما يجب عليك أن تذهبي إليها وتخبريها أنك أسأت في حقها، وتكلمت عليها بما لا يليق وتريدين السماح منها، ويستحب للتي وقعت عليها الغيبة أن تسامحك لتخلصك من الإثم والمعصية، وتفوز هي بالثواب، ولا تتم توبتك ورفع إثم الغيبة إلا بسماحها عنك، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فيتحلل منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذت من سيئات صاحبه فحمل عليه» «البخاري 5/101»، وإذا كانت من اغتبتها غير موجودة أو متوفاة، فتكثري من الدعاء والاستغفار مما بدر منك.

الحائض لا تمكث في المسجد لأي غرض

السؤال: مدرسة للقرآن الكريم تدرس الطالبات في مصلى النساء في المسجد، فهل يجوز لها أن تدرس في فترة الحيض؟

الجواب: مصلى النساء يعتبر من المسجد ما دام في حريم المسجد أو ملتصقا به وخصص لاقتداء النساء بصلاة الإمام والجماعة بحيث يسمعون صوت الإمام في قراءته وتكبيراته ويجري على المصلى حينئذ ما يجري على المسجد من أحكام.

 وقد اتفق الفقهاء على عدم جواز أو حرمة أن تمكث الحائض في المسجد، ولو لفترة قليلة، ولا يستثنى من ذلك غرض ما، ولو كان التعليم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا أحل المسجد لحائض ولا جنب» «أبو داود ١/١٥٩، وفي إسناده جهالة كما في التخليص لابن حجر 1/140».

وقد أجاز بعض الفقهاء وهم الشافعية والحنابلة أن تمر بالمسجد لقرب مسافة بيتها، أو تمر لخوف من شيء ما، وهذا قياسا على الجنب المشمول بقوله تعالى: (وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ) (النساء: 43).

وابن تيمية مع الفقهاء في عدم جواز لبث الحائض في المسجد، ولذلك تمنع من الطواف حول الكعبة، لكنه قال: إن اضطرت إلى الطواف طافت ولا شيء عليها، «مجموع الفتاوى 26/192»، ومن الأضرار فوات رفقتها لو انتظرت الطهر، ولا يشمل قول ابن تيمية التعليم، فلا يعتبر اضطرارا لإمكان النيابة فيه، ولأنه مؤقت.

للزوجة حق الفرقة إذا ثبت عجز الزوج

السؤال: فتاة تزوجت شابا وقد مضى على زواجهما حوالي سنتين وهي تقول: إن زوجها طوال المدة لا يستطيع أن يعطيها حقها الشرعي، وقد تبين أنه مريض، وأنه سيستمر على هذه الحال، فهل يجوز لها أن تطلب الطلاق؟

الجواب: إذا ثبت ما تدعيه الفتاة بإقرار الزوج، أو بتقرير موثوق من الطبيب المختص يذكر عجزه الخِلقي الذي لا يرجى شفاؤه.

ففي هذه الحال يكون للزوجة طلب التفريق من القاضي، إن لم يطلق الزوج فيأمر القاضي الزوج بالطلاق، فإن لم يطلق طلق عليه القاضي، وإلى هذا الحكم ذهب جمهور الفقهاء في اعتبار هذا عيبا في الزوج ويسمونه العنة، وهو عيب يجعل الخيار للزوجة في طلب الفرقة، ويمهل الزوجة سنة استنادا إلى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أجل العنين سنة، ولأن الزواج مقصوده العفة للزوجة والزوج، فإذا لم يتحقق ذلك فقد فات مقصود عقد الزواج.

وذهب بعض الفقهاء إلى عدم الانتظار سنة، بل يفسخ العقد في الحال.

للمشتري الحق في الرجوع عند الغش في الثمن

السؤال: رجل لا يعرف في أسعار البضائع، فقال للبائع بعني مثل الناس أي بما تبيع به الناس، فقال البائع أنا أبيع للناس بخمسين دينارًا لهذه البضاعة، وبعد الشراء تبين أنه باع لغيره بخمسة وثلاثين دينارًا، فهل يحق له أن يطالبه بما زاد على الخمسة وثلاثين دينارا؟

الجواب: من حق المشتري في هذه الحال أن يرد ما اشتراه ويأخذ ما دفع، وله أن يمضي العقد لأن البائع غرر بالمشتري وغبنه، والأصل في المعاملات النصيحة والصدق، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من غشنا فليس منا».

الذِكر الفردي والجماعي

السؤال: بعض الشباب يجتمعون في المساجد أو في البيوت ويقرؤون ويتعلمون الكتب الدينية، وأحيانا يذكرون الله بالتسبيح والتهليل، فهل هذا الذكر جائز؟ وهل يجوز أن يكون الذكر بصوت جماعي واحد؟

الجواب: الذكر الفردي والجماعي مشروع ومطلوب إذا كان وفق ما طلبه وحدده النبي صلى الله عليه وسلم، والذكر يشمل ذكر الله بتحميده وتعظيمه وقراءة القرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم.

وقراءة كتب العلم والدعاء، ويجوز الاجتماع للذكر لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده».

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لله تعالى ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا هلموا إلى حاجتكم، قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا. فيقول فأشهدكم أني غفرت لهم، قال يقول: ملك من الملائكة فيهم فلان ليس منهم، إنما جاء لحاجة قال هم الجلساء لا يشقى جليسهم». «البخاري 11/173».

وهذا الحديث صريح في مشروعية الاجتماع من أجل الذكر وهو مستحب ومندوب إليه للحديث السابق، ولما ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه فقال: «ما أجلسكم؟ قالوا جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا إلى الإسلام ومَنَّ به علينا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة» «مسلم 4/2075».

وينبغي أن يقيد حكم الاستحباب لمجالس الذكر بالنسبة لمجالس الذكر الخاصة بالتهليل والتسبيح وذكر الله وصفاته وتعظيمه بما هو أهله، ينبغي تقييدها بقيد ذكره العلماء وهو عدم التزام ذلك في أوقات مخصوصة راتبة يتواعدون عليها وينتظمون في جلساتها لئلا يظن أن ذلك سنة ولأنه لم يرد هذا الالتزام عن صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك يقول الإمام ابن تيمية: «الاجتماع على القرآن والذكر والدعاء حسن إذا لم يتخذ سنة راتبة ولا اقترن به منكر من بدعة»، وقال الإمام أحمد بن حنبل لو اجتمع القوم لقراءة ودعاء وذكر فعنه أنه قال: «وأي شيء أحسن منه»، وروي عنه قوله: «إنه محدث» ونقل عنه قوله: ما أكرهه إذا اجتمعوا على غير وعد إلا أن يكثروا، قال ابن منصور يعني يتخذوه عادة، وعلى هذا فهذا الاجتماع للذكر جائز ومستحب ما لم يتخذ عادة، أو يتضمن الاجتماع بعض البدع كما كان معهودا لدى العامة في التزام الذكر في مناسبات خاصة وتتضمن اجتماعاتهم البدع، ولذا قال ابن عقيل الحنبلي: «أبرأ إلى الله من جموع أهل وقتنا في المساجد والمشاهد في ليال يسمونها إحياء»، ومن أجل ذلك كره الإمام مالك وغيره الاجتماع للذكر إذا كان بهذا الوصف.

وفي جواز مجالس الذكر قال الشاطبي: «إذا اجتمع القوم على التذكر لنعم الله، أو التذاكر في العلم إن كانوا علماء، أو كان فيهم عالم فجلس إليه متعلمون، أو اجتمعوا يذكر بعضهم بعضا بالعمل بطاعة الله والبعد عن معصيته، وما أشبه ذلك مما كان يعمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه، وعمل به الصحابة والتابعون، فهذه المجالس كلها مجالس ذكر وهي التي جاء فيها من الأجر ما جاء» «الاعتصام ٢٦٨». 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل