العنوان فاز من أدرك رمضان فغفر له
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 31-يناير-1995
مشاهدات 96
نشر في العدد 1136
نشر في الصفحة 5
الثلاثاء 31-يناير-1995
نفحات وتجليات
في بعض الأيام نفحات وتجليات يسعد من يتعرض لها، ويفوز من يستقبلها؛
لأنها من أيام الله التي خصها بالفضل وحباها بالتكريم، تأتي هذه الأيام بسحائب
الخير وفيوضات النور الذي يُسكب في القلوب العطشى إلى الهداية، المشتاقة إلى
الرشد، الملتاعة إلى الاستقرار؛ فيروي ظمأها، ويهدي خطوها، ويُقر جنانها.
من هذه الأيام شهر رمضان المبارك، الذي يأتي فيكون ربيعًا للأرواح،
وزادًا للقلوب، فهو صيام للجوارح عن الأذى، وفطام للمشاعر عن الهوى، وحجز للنفس عن
الظلم، وحفظ للسان عن الهذيان والكذب والنميمة والمراء، وكف للسمع عن الإصغاء إلى
المحرم ومقالة السوء، وإيحاءات النفاق، وأبلسة الشياطين، وتحجيم للبطن، وبرمجة
للمعدة، وتحكم في شهوتي الفرج والبطن الحلال، فضلًا عن الحرام؛ وفي الحديث:
"الصيام جنة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو
قاتله فليقل: إني امرؤ صائم" (رواه البخاري ومسلم).
يستقبل الناس رمضان بعد أحد عشر شهرًا قضوها في صراع المادة، وجهاد
العيش؛ تكدر فيها القلب، وتبلد فيها الحس، وتلوث فيها الضمير، فيجلو صدورهم
بالذكر، ويطهر نفوسهم بالعبادة، ويزود قلوبهم بالتقوى، ويمدهم بمذخور الخير،
ويقويهم على احتمال الفتن والمحن في دنيا الآمال والآلام بقية العام كله، لذلك كان
رمضان دائمًا زادًا للصابرين، ووقودًا للمجاهدين، ونصرًا للعاملين، وفتحًا
للمؤمنين؛ لأن الصوم مجاهدة تعود الإنسان ضبط النفس وقوة الإرادة، وضعف الإرادة
إنما يقوى برياضتها على التحكم والمثابرة والحرمان من شهواتها الجامحة، كما يقوى
الجسم برياضة البدن على الجهد العنيف، وكما يقوى العقل برياضة الذهن على التفكير
العميق. وميدان الأمم والأشخاص أنفسهم، فإن انتصروا على ضعفها كانوا على غيرها
أقدر، وإن رسبوا أمامها كانوا أمام غيرها أخفق. وقهر الضعف قهر للشيطان، ودحر لعدو
الله، ونصر لمنهج الله ودينه، وفي هذا تكون الغلبة والفتح: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ
يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: 7).
الوحي والنفحات
إن صوم رمضان جاء احتفاء بنزول الوحي، وإكرامًا لاتصال الأرض بالسماء،
وإيحاء بكيفية استقبال القرآن، وتعليمًا للمؤمن في كيفية التعامل مع التعاليم،
وتوجيهًا لشكر النعمة المهداة، وتمرينًا على طلب النفحات، وسؤال القربات من الله:
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ
إِذَا دَعَانِ﴾ (البقرة: 186)، ودلالة وطريقًا لتحصيل الثواب في الدنيا، وادخارًا
للأجر عند الله ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون.
فرمضان مغفرة للذنوب، وحصد للحسنات، ومضاعفة للأعمال، حيث قال صلى
الله عليه وسلم: "من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه،
ومن أدى فريضة فيه كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر والصبر ثوابه
الجنة، وشهر المواساة، وشهر يزاد فيه في رزق المؤمن، من فطر فيه صائمًا كان مغفرة
لذنوبه، وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره، من غير أن ينقص من أجره شيء، ومن
سقى صائمًا سقاه الله من حوضه شربة لا يظمأ حتى يدخل الجنة".
مدرسة الرعيل الأول
عرف المؤمنون الأوائل رمضان فاستعدوا له واجتهدوا فيه؛ ففطموا النفوس،
وألجموا الشهوات، وشدوا المئزر. رُوي عن الحسن بن أبي الحسن البصري أنه مر بقوم
يضحكون ويمرحون في رمضان، فقال: "إن الله عز وجل جعل شهر رمضان مضمارًا لخلقه
يستبقون فيه لطاعته، فسبق قوم ففازوا، وتخلف أقوام فخابوا، فالعجب كل العجب للضاحك
اللاعب في اليوم الذي فاز فيه السابقون وخاب فيه المبطلون! أما والله لو كشف
الغطاء لاشتغل المحسن بإحسانه فزاده، والمسيء بإساءته فابتأس بها". وعن
الأحنف بن قيس أنه قيل له: إنك شيخ كبير، وإن الصيام يضعفك، فقال: "إني أعده
لسفر طويل، والصبر على طاعة الله أهون من الصبر على عذابه".
واليوم كيف نستقبل رمضان؟ هل نستقبله كما استقبله الأولون، فنسعد به
كما سعدوا، ونفوز به كما فازوا، ونعز به كما عزوا، ونحصل فيه الثواب، وننال
المغفرة والعزة والنفحات والتجليات؟ نستقبله طهرة للنفس، ونورًا للقلب، وجلاء
للمشاعر، وركنًا من أركان الدين يقيم الدين من أقامه؟
أم نستقبله باعتباره تقليدًا من التقاليد الموروثة، وعيدًا من الأعياد
المعتادة، فنتمتع فيه بنعيم العيش، وفنون الطعام والشراب، وتأنق الثياب والزينة،
وتدفق الأنس واللهو؛ فتملأ البطون حتى تمرض، وترهق الجيوب حتى تفرغ، ونفرط في
اللهو والكسل والنوم حتى تضيع حكمة الإسلام من الصوم؟
أم نكون فيه رحماء بررة ربانيين أطهارًا أصحاب سيرة عطرة، فنعظم
الفقير، ونعين الكل، ونكسب المعدوم، ونعين على نوائب الدهر، ونسأل الله مغفرة
الذنوب والصفح عن الزلات والهفوات؟ إنه نعم المولى ونعم النصير.