العنوان فأصلحوا بينهما
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 30-سبتمبر-1980
مشاهدات 207
نشر في العدد 499
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 30-سبتمبر-1980
أما وقد وصلت الأمور إلى هذا الحد بين القطرين المسلمين الجارين العراق وإيران، فإنه لم يعد من الجائز أبدًا السكوت عما يجري ويقال في هذه الحرب المعلنة بينهما.. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وفي الواقع إنه لمن أشق الأمور على نفس كل مؤمن مخلص أن يرى إخوانه يقتتلون فيما بينهم، ولا يستطيع أن يقدم إليهما في هذا الاقتتال إلا الكلمة!! وماذا تفعل الكلمة حين يعلو صوت المدافع والقنابل!!
ألا إنها فتنة كبيرة، بل مأساة عظمى وشرٌ مستطيرٌ ما وقع ويقع هذه الأيام بين الطرفين، فبالرغم من وجود أكثر من علاقة وسبب يربطان بينهما!
نجدهما يحتكمان إلى السلاح المدمر - يعلو فوق صوت العقل والحسنى - يفصل بينهما! وإلى أين ستنتهي هذه الصدامات المروعة عند الطرفين إن لم يكن إلى الدمار - جزئيًا وشاملًا وإلى شماتة الأعداء ظاهرة وخفية!!
بل إننا نتساءل قبل هذا.. كيف بعثت هذه الحرب.. وهي أن تبعثوها تبعثوها ذميمة وتضر إذا ضريتموها فتضرم، هل هي روح الجاهلية القديمة تحرك عناصر الحرب في النفوس؟! ومن أجل أسباب بسيطة؟!
هل هذه الأسباب - مهما علت وعظمت - تكافئ الدماء التي نزفت والضحايا التي سقطت من أجلها ودع عنك المنشآت والمعدات؟
وأول ملاحظات الراصد لهذه الحرب هو ما يسمعه من تلك الأنغام الناشزة تصدر من الطرفين، فتصيب العالم الإسلامي في أخص خصائصه: الأخوة والمحبة والتسامح!! والله إنها لحرقة لاعجة في الصدر أن يسمع المسلم بعد مرور كل هذه القرون تسميات قديمة أبطلها الإسلام، وجب ما كان قبله من انحرافات وكفر.. إن الحرب الكلامية بين الطرفين جرت أحد الأطراف إلى اقتطاع جزء من تعداد المسلمين وتصنيفه في دائرة الكفر، وأين الشعب الإيراني المسلم من نيران المجوس وعروش قورش التي كان طاغية إيران السابق يحاول بعثها وتشيد ذلك العرش من جديد فوقها؟؟
وليس أول ما فعلته الثورة هو أن دكت ذلك العرش، وخنقت الدخان الذي يريد أن يتغنى بعصور ما قبل الإسلام؟!
ثم هل هي معركة بين فرس وعرب؟ وهل هي القادسية من جديد؟ أم أنهم المسلمون يقتتلون فيما بينهم؟! أخرى الله الشيطان إذ ينفخ في رماد التعصب والعصبية للجنس والمذهب!!
ولكن ما للثورة الإيرانية بعد قضائها على الظلم والاستبداد وانطلاقها برحابة وقوة تنكفئ إلى دائرة ضيقة من المذهبية والأطماع في جيرانها وإثارة الأحداث في بلدانهم؟!
لقد كانت المنطقة كلها تطمع أن ترى روحًا جديدة للإسلام تنبعث من خلالها أخلاقه الحميدة وخصوصيته المتفردة في الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾. (آل عمران: 159).
ألم يكن من الأحرى للثورة الإيرانية أن تتحول إلى الداخل، وتبني دولتها وتشيد صرح العدالة، وتقضي على الفتن الداخلية وتثبت الأوضاع وتنصر مستضعفيها في الداخل بالتوزيع العادل للثروات؟! ألم يكن من الأجدى جمع الأمة كلها على كلمة سواء!؟ ألم يكن من الأجدى إقامة علاقات متينة من حسن الجوار مع الجيران؟! إن اختلاف السياسات لا يمنع حسن الجوار.. ألم يكن من الأجدى كسب دولة المنطقة بدلًا من تثوير الأوضاع الداخلية.. أما والأمر كذلك فإنها قد وجدت نفسها أخيرًا في مأزق المواجهة مع الشعب العراقي المسلم والجار الشقيق!
آه لو يعلم إخواننا كم كلفتهم هذه الحرب، وكم ستكلفهم، إذن لأمسكوا فورًا عن متابعتها بمثل هذه الشراسة التي وصلت إلى قصف المدنيين عند الطرفين، وهل هذا يجوز في أي شريعة؟ فضلًا عن شريعة الإسلام التي تجمع بين الطرفين وتمنع قتل الأبرياء!!
لقد خسر الطرفان منشآت ومعدات ومرافق وآليات، تعبأ في إيجادها والحصول عليها، وذهبت هكذا ببساطة طعامًا للنار والدمار، فمن الذي ربح فيهما؟!
ثم من قبل ذلك كله، فإن الخسارة في الأرواح التي أزهقت - عسكرية ومدنية - لا تعوض؛ لأنها فادحة مؤلمة!!
فهل يفيد هذا الاقتتال إلا عدونا. ونخص الصهيونية العالمية - التي تتربص بنا الدوائر، ليقل عددنا فتذهب ريحنا!!
هذا العدو الماكر القليل العدد الذي ينظر إلى العدد الهائل لأمتنا فيصيبه الرعب القاتل من كثرة هذا العدد، ويتمنى أن ينقص وينقص ليخلوا له الجو فهل نساعده على أمنيته؟
لقد كان الأولى بالطرفين أن يحتكما إلى منطق الشريعة والعقل ولا خلاف بينهما، فيأخذ كل ذي حق حقه، ولا تقع هذه الحرب المدمرة، كان الأولى بهما أن يلجأ إلى المؤسسات الإسلامية العامة لتحل قضاياهما بالحسنى.. وكان الأولى بإيران - وبيدها المبادرة لأنها أخذت صفت الإسلام صراحة ورفعت رايته - أن تلتزم بما يوجبه الإسلام، فتحسن علاقاتها مع الجوار من أجل الشعوب وهم أصلًا مسلمون طيبون، وتطرح الإسلام منهاجا لسعادة الناس، لا وسيلة لإثارة الذعر فيهم.
وكان الأفضل أن تحل مشكلة الحدود مع العراق على أساس واضح من العدل المطلق.
والآن.. ما زالت هناك فسحة للصلح على الطرفين أن يأخذا بها. وإننا هنا من مطلق الحرص على الأخوة الإسلامية والدماء المسلمة، والأهداف البعيدة للأمة الإسلامية في الحرية والعدالة والتخلص من الصهيونية والتبعية، تناشد الطرفين أن يحكما صوت العقل الذي هو صوت الشريعة، فيسارعان إلى الاستجابة لمحاولات الإصلاح الإسلامية، وإلى إزالة كل الأسباب الموجبة للخلاف، إذ أنه يكفي ما سفك حتى الآن من دماء، وما خرب من منشآت وأهدر من قدرات وطاقات وعلى المسلمين جميعًا أن يسارعوا لإطفاء هذه النار القاتلة ولا يقفوا منها موقف المتفرج. فالعدو يرصدهم، والاستعمار العالمي يجهز نفسه بديلًا للطرفين معًا حتى يستمر في استغلال الثروات وسرقة الأمة.. أيها المتقاتلون.. الله الله في دماء المسلمين.. الله الله في أرواحهم وأموالهم ومستقبلهم... راقبوا الله فيها فإن عينه لا تغفل عنكم؟؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل